وطن يرف هوى إلى شبانه

وَطَنٌ يَرُفُّ هَوىً إِلى شُبّانِهِ
كَالرَوضِ رِفَّتُهُ عَلى رَيحانِهِ
هُم نَظمُ حِليَتِهِ وَجَوهَرُ عِقدِهِ
وَالعِقدُ قيمَتُهُ يَتيمُ جُمانِهِ
يَرجو الرَبيعَ بِهِم وَيَأمَلُ دَولَةً
مِن حُسنِهِ وَمِنِ اِعتِدالِ زَمانِهِ
مَن غابَ مِنهُم لَم يَغِب عَن سَمعِهِ
وَضَميرِهِ وَفُؤادِهِ وَلِسانِهِ
وَإِذا أَتاهُ مُبَشِّرٌ بِقُدومِهِم
فَمِنَ القَميصِ وَمِن شَذى أَردانِهِ
وَلَقَد يَخُصُّ النافِعينَ بِعَطفِهِ
كَالشَيخِ خَصَّ نَجيبَهُ بِحَنانِهِ
هَيهاتَ يَنسى بَذلَهُم أَرواحَهُم
في حِفظِ راحَتِهِ وَجَلبِ أَمانِهِ
وَقَفوا لَهُ دونَ الزَمانِ وَرَيبِهِ
وَمَشَت حَداثَتُهُم عَلى حَدَثانِهِ
في شِدَّةٍ نُقِلَت أَناةُ كُهولِهِ
فيها وَحِكمَتُهُم إِلى فِتيانِهِ
قُم يا خَطيبَ الجَمعِ هاتِ مِنَ الحَلي
ما كُنتَ تَنثُرُهُ عَلى آذانِهِ
فَلَطالَما أَبدى الحَنينَ لِقِسِّهِ
وَاِهتَزَّ أَشواقاً إِلى سَحبانِهِ
نادِ الشَبابَ فَلَم يَزَل لَكَ نادِياً
وَالمَرءُ ذو أَثَرٍ عَلى أَخدانِهِ
اُمدُد حُداءَكَ في النَجائِبِ تَنصَرِف
يَهوى أَعِنَّتِها إِلى تَحنانِهِ
أَلقَ النَصيحَةَ غَيرَ هائِبِ وَقعِها
لَيسَ الشُجاعُ الرَأيِ مِثلَ جَبانِهِ
قُل لِلشَبابِ زَمانُكُم مُتَحَرِّكٌ
هَل تَأخُذونَ القِسطَ مِن دَوَرانِهِ
نِمتُم عَلى الأَحلامِ تَلتَزِمونَها
كَالعالَمِ الخالي عَلى أَوثانِهِ
وَتُنازِعونَ الحَيَّ فَضلَ ثِيابِهِ
وَالمَيتَ ما قَد رَثَّ مِن أَكفانِهِ
وَلَقَد صَدَقتُم هَذِهِ الأَرضَ الهَوى
وَالحُرُّ يَصدُقُ في هَوى أَوطانِهِ
أَمَلٌ بَذَلتُم كُلَّ غالٍ دونَهُ
وَفَقَدتُمُ ما عَزَّ في وُجدانِهِ
اللَيثُ يَدفَعُكُم بِشِدَّةِ بَأسِهِ
عَنهُ وَيُطعِمُكُم بِفَرطِ لِبانِهِ
وَيُريدُ هَذا الطَيرَ حُرّاً مُطلَقاً
لَكِن بِأَعيُنِهِ وَفي بُستانِهِ
أَوفَدتُمُ وَفداً وَأَوفَدَ رَبُّكُم
مَعَهُ العِنايَةَ فَهيَ مِن أَعوانِهِ
العَصرُ حُرٌّ وَالشُعوبُ طَليقَةً
ما لَم يَحُزها الجَهلُ في أَرسانِهِ
فاضَ الزَمانُ مِنَ النُبوغِ فَهَل فَتى
غَمَرَ الزَمانَ بِعِلمِهِ وَبَيانِهِ
أَينَ التِجارَةَ وَهيَ مِضمارُ الغِنى
أَينَ الصِناعَةُ وَهيَ وَجهُ عَنانِهِ
أَينَ الجَوادُ عَلى العُلومِ بِمالِهِ
أَينَ المُشارِكُ مِصرَ في فِدانِهِ
أَينَ الزِراعَةُ في جِنانٍ تَحتَكُم
كَخَمائِلِ الفِردَوسِ أَو كَجِنانِهِ
أَإِذا أَصابَ القُطنَ كاسِدُ سوقِهِ
قُمنا عَلى ساقٍ إِلى أَثمانِهِ
يا مَن لِشَعبٍ رُزؤُهُ في مالِهِ
أَنساهُ ذِكرَ مُصابِهِ بِكَيانِهِ
المُلكُ كانَ وَلَم يَكُن قُطنٌ فَلَم
يُغلَب أُبُوَّتُنا عَلى عُمرانِهِ
الفاطِمِيَّةُ شُيِّدَت مِن عِزِّهِ
وَبَنى بَنو أَيّوبَ مِن سُلطانِهِ
بِالقُطنِ لَم يَرفَع قَواعِدَ مُلكِهِ
فِرعَونُ وَالهَرَمانُ مِن بُنيانِهِ
لَكِن بِأَوَّلِ زارِعٍ نَقَضَ الثَرى
بِذَكائِهِ وَأَثارِهِ بِبَنانِهِ
وَبِكُلِّ مُحسِنِ صَنعَةٍ في دَهرِهِ
تَتَعَجَّبُ الأَجيالُ مِن إِتقانِهِ
وَبِهِمَّةٍ في كُلِّ نَفسٍ حَلَّقَت
في الجَوِّ وَاِرتَفَعَت عَلى كَيوانِهِ
مَلِكٌ مِنَ الأَخلاقِ كانَ بِناؤُهُ
مِن نَحتِ أَوَّلِكُم وَمِن صَوّانِهِ
فَأتوا الهَياكِلَ إِن بَنَيتُم وَاِقبُسوا
مِن عَرشِهِ فيها وَمِن تيجانِهِ

بأي جواب غير ذا السيف تطمع

بأي جواب غير ذا السيف تطمع
وهل دونه رد لمولاك مقنع
فعد يا رسول الغادرين مخيبا
فما كل من يُدعى إلى الغدر يهرع
وأبلغ عظيم الفرس أنى أصدّه
وأحمى على الأيام جارى وأمنع
وما أنا بالباكي على ابني وقتله
وعرضي إن يسلم قتيل مضيع
وخير لجادي من حياة بذلة
ممات إلى أسمى ذى العز يرفع
وخير لقلب منه إن ذاق ناره
وفاء يذود النار عنى ويدفع
أبعد شباب قد تجمّل بالهدى
يُلاح لشيبي بالضلال فيتبع
وترغب نفسي في القلائد والغنى
وصدري بتقوى الله حال مرصع
وأقبل أن أُعطَى بذل إمارةً
فأبنى بها جاهى وديني مضعضع
نعم ملك قمبيز أبن قيروش واسع
ولكنما ملك الفراديس أوسع

مصاب بني الدنيا عظيم بأدهم

مُصابُ بَني الدُنيا عَظيمٌ بِأَدهَمِ
وَأَعظَمُ مِنهُ حَيرَةُ الشِعرِ في فَمي
أَأَنطُقُ وَالأَنباءُ تَترى بِطَيِّبٍ
وَأَسكُتُ وَالأَنباءُ تَترى بِمُؤلِمِ
أَتَيتُ بِغالٍ في الثَناءِ مُنَضَّدٍ
فَمَن لي بِغالٍ في الرِثاءِ مُنَظَّمِ
عَسى الشِعرُ أَن يَجزي جَريئاً لِفَقدِهِ
بَكى التُركُ وَاليونانُ بِالدَمعِ وَالدَمِ
وَكَم مِن شُجاعٍ في العِداةِ مُكَرَّمٍ
وَكَم مِن جَبانٍ في اللِداتِ مُذَمَّمِ
وَهَل نافِعٌ جَريُ القَوافي لِغايَةٍ
وَقَد فَتَكَت دُهمُ المَنايا بِأَدهَمِ
رَمَت فَأَصابَت خَيرَ رامٍ بِها العِدى
وَما السَهمُ إِلّا لِلقَضاءِ المُحَتَّمِ
فَتىً كانَ سَيفَ الهِندِ في صورَةِ اِمرِئٍ
وَكانَ فَتى الفِتيانِ في مَسكِ ضَيغَمِ
لَحاهُ عَلى الإِقدامِ حُسّادُ مَجدِهِ
وَما خُلِقَ الإِقبالُ إِلّا لِمُقدِمِ
مُزَعزَعُ أَجيالٍ وَغاشي مَعاقِلٍ
وَقائِدُ جَرّارٍ وَمُزجي عَرمرَمِ
سَلوا عَنهُ ميلونا وَما في شِعابِهِ
وَفي ذِروَتَيهِ مِن نُسورٍ وَأَعظُمِ
لَيالِيَ باتَ الدينُ في غَيرِ قَبضَةٍ
وَزُلزِلَ في إيمانِهِ كُلُّ مُسلِمِ
وَقالَ أُناسٌ آخِرُ العَهدِ بِالمَلا
وَهَمَّت ظُنونٌ بِالتُراثِ المُقَسَّمِ
فَأَطلَعَ لِلإِسلامِ وَالمُلكِ كَوكَباً
مِنَ النَصرِ في داجٍ مِنَ الشَكِّ مُظلِمِ
وَرُحنا نُباهي الشَرقَ وَالغَربَ عِزَّةً
وَكُنّا حَديثَ الشامِتِ المُتَرَحِّمِ
مَفاخِرُ لِلتاريخِ تُحصى لِأَدهَمٍ
وَمَن يُقرِضِ التاريخَ يَربَح وَيَغنَمِ
أَلا أَيُّها الساعونَ هَل لَبِسَ الصَفا
سَواداً وَقَد غَصَّ الوُرودُ بِزَمزَمِ
وَهَل أَقبَلَ الرُكبانُ يَنعونَ خالِداً
إِلى كُلِّ رامٍ بِالجِمارِ وَمُحرِمِ
وَهَل مَسجِدٌ تَتلونَ فيهِ رِثاءَهُ
فَكَم قَد تَلَوتُم مَدحَهُ بِالتَرَنُّمِ
وَكانَ إِذا خاضَ الأَسِنَّةَ وَالظُبى
تَنَحَّت إِلى أَن يَعبُرَ الفارِسُ الكَمي
وَمَن يُعطَ في هَذي الدَنِيَّةِ فُسحَةً
يُعَمَّر وَإِن لاقى الحُروبَ وَيَسلَمِ
عَلِيٌّ أَبو الزَهراءِ داهِيَةُ الوَغى
دَهاهُ بِبابِ الدارِ سَيفُ اِبنِ مُلجَمِ
فَروقُ اِضحَكي وَاِبكي فَخاراً وَلَوعَةً
وَقومي إِلى نَعشِ الفَقيدِ المُعَظَّمِ
كَأُمِّ شَهيدٍ قَد أَتاها نَعيُّهُ
فَخَفَّت لَهُ بَينَ البُكا وَالتَبَسُّمِ
وَخُطّي لَهُ بَينَ السَلاطينِ مَضجَعاً
وَقَبراً بِجَنبِ الفاتِحِ المُتَقَدِّمِ
بَخِلتِ عَلَيهِ في الحَياةِ بِمَوكِبٍ
فَتوبي إِلَيهِ في المَماتِ بِمَأتَمِ
وَيا داءُ ما أَنصَفتَ إِذ رُعتَ صَدرَهُ
وَقَد كانَ فيهِ المُلكُ إِن ريعَ يَحتَمي
وَيا أَيُّها الماشونَ حَولَ سَريرِهِ
أَحَطتُم بِتاريخٍ فَصيحِ التَكَلُّمِ
وَيا مِصرُ مَن شَيَّعتِ أَعلى هَمامَةٍ
وَأَثبَتُ قَلباً مِن رَواسي المُقَطَّمِ
وَيا قَومُ هَذا مَن يُقامُ لِمِثلِهِ
مِثالٌ لِباغي قُدوَةٍ مُتَعَلِّمِ
وَيا بَحرُ تَدري قَدرَ مَن أَنتَ حامِلٌ
وَيا أَرضُ صونيهِ وَيا رَبّي اِرحَمِ

لقد صفعوه صفعة جل شأنها

لقد صفعوه صفعة جل شأنها
وأعيا على حذق الطبيب علاجها
ولو أتبعوا صفعا بصفع لأحسنوا
وزان اللآلى في النحور ازدواجها

قفي يا أخت يوشع خبرينا

قِفي يا أُختَ يوشَعَ خَبِّرينا
أَحاديثَ القُرونِ العابِرينا
وَقُصّي مِن مَصارِعِهِم عَلَينا
وَمِن دولاتِهِم ما تَعلَمينا
فَمِثلُكِ مَن رَوى الأَخبارَ طُرّاً
وَمَن نَسَبَ القَبائِلَ أَجمَعينا
نَرى لَكِ في السَماءِ خَضيبَ قَرنٍ
وَلا نُحصي عَلى الأَرضِ الطَعينا
مَشَيتِ عَلى الشَبابِ شَواظَ نارٍ
وَدُرتِ عَلى المَشيبِ رَحىً طَحونا
تُعينينَ المَوالِدَ وَالمَنايا
وَتَبنينَ الحَياةَ وَتَهدُمينا
فَيا لَكِ هِرَّةً أَكَلَت بَنيها
وَما وَلَدوا وَتَنتَظِرُ الجَنينا
أَأُمَّ المالِكينَ بَني أَمونٍ
لِيَهنِكِ أَنَّهُم نَزَعوا أَمونا
وَلِدتِ لَهُ المَآمينَ الدَواهي
وَلَم تَلِدي لَهُ قَطُّ الأَمينا
فَكانوا الشُهبَ حينَ الأَرضُ لَيلٌ
وَحينَ الناسُ جَدُّ مُضَلَّلينا
مَشَت بِمَنارِهِم في الأَرضِ روما
وَمِن أَنوارِهِم قَبَسَت أَثينا
مُلوكُ الدَهرِ بِالوادي أَقاموا
عَلى وادي المُلوكِ مُحَجَّبينا
فَرُبَّ مُصَفِّدٍ مِنهُم وَكانَت
تُساقُ لَهُ المُلوكُ مُصَفَّدينا
تَقَيَّدَ في التُرابِ بِغَيرِ قَيدٍ
وَحَلَّ عَلى جَوانِبِهِ رَهينا
تَعالى اللهُ كانَ السِحرُ فيهِم
أَلَيسوا لِلحِجارَةِ مُنطِقينا
غَدَوا يَبنونَ ما يَبقى وَراحوا
وَراءَ الآبِداتِ مُخَلَّدينا
إِذا عَمِدوا لِمَأثُرَةٍ أَعَدّوا
لَها الإِتقانَ وَالخُلقَ المَتينا
وَلَيسَ الخُلدُ مَرتَبَةً تَلَقّى
وَتُؤخَذُ مِن شِفاهِ الجاهِلينا
وَلَكِن مُنتَهى هِمَمٍ كِبارٍ
إِذا ذَهَبَت مَصادِرُها بَقينا
وَسِرُّ العَبقَرِيَّةِ حينَ يَسري
فَيَنتَظِمُ الصَنائِعَ وَالفُنونا
وَآثارُ الرِجالِ إِذا تَناهَت
إِلى التاريخِ خَيرُ الحاكِمينا
وَأَخذُكَ مِن فَمِ الدُنيا ثَناءً
وَتَركُكَ في مَسامِعِها طَنينا
فَغالي في بَنيكَ الصيدِ غالي
فَقَد حُبَّ الغُلُوُّ إِلى بَنينا
شَبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهِم
وَبورِكَ في الشَبابِ الطامِحينا
فَناجيهِم بِعَرشٍ كانَ صِنواً
لِعَرشِكَ في شَبيبَتِهِ سَنينا
وَكانَ العِزُّ حُليَتَهُ وَكانَت
قَوائِمُهُ الكَتائِبَ وَالسَفينا
وَتاجٍ مِن فَرائِدِهِ اِبنُ سيتى
وَمِن خَرَزاتِهِ خوفو وَمينا
عَلا خَدّاً بِهِ صَعَرٌ وَأَنفاً
تَرَفَّعَ في الحَوادِثِ أَن يَدينا
وَلَستُ بِقائِلٍ ظَلَموا وَجاروا
عَلى الأُجَراءِ أَو جَلَدوا القَطينا
فَإِنّا لَم نُوَقَّ النَقصَ حَتّى
نُطالِبَ بِالكَمالِ الأَوَّلينا
وَما البَستيلُ إِلّا بِنتُ أَمسٍ
وَكَم أَكَلَ الحَديدُ بِها صَحينا
وَرُبَّةَ بَيعَةٍ عَزَّت وَطالَت
بَناها الناسُ أَمسُ مُسخِرينا
مُشَيَّدَةٍ لِشافي العُميِ عيسى
وَكَم سَمَلَ القَسوسُ بِها عُيونا
أَخا اللورداتِ مِثلُكَ مَن تَحَلّى
بِحِليَةِ آلِهِ المُتَطَوِّلينا
لَكَ الأَصلُ الَّذي نَبَتَت عَلَيهِ
فُروعُ المَجدِ مِن كِرنارَفونا
وَمالُكَ لا يُعَدُّ وَكُلُّ مالٍ
سَيَفنى أَو سَيُفني المالِكينا
وَجَدتَ مَذاقَ كُلِّ تَليدِ مَجدٍ
فَكَيفَ وَجَدتَ مَجدَ الكاسِبينا
نَشَرتَ صَفائِحاً فَجَزَتكَ مِصرٌ
صَحائِفَ سُؤدُدٍ لا يَنطَوينا
فَإِن تَكُ قَد فَتَحتَ لَها كُنوزاً
فَقَد فَتَحَت لَكَ الفَتحَ المُبينا
فَلَو قارونُ فَوقَ الأَرضِ إِلّا
تَمَنّى لَو رَضيتَ بِهِ قَرينا
سَبيلُ الخُلدِ كانَ عَلَيكَ سَهلاً
وَعادَتُهُ يَكُدُّ السالِكينا
رَأَيتَ تَنَكُّراً وَسَمِعتَ عَتباً
فَعُذراً لِلغِضابِ المُحنِقينا
أُبُوَّتُنا وَأَعظَمُهُم تُراثٌ
نُحاذِرُ أَن يَؤولَ لِآخَرينا
وَنَأبى أَن يَحُلَّ عَلَيهِ ضَيمٌ
وَيَذهَبَ نَهبَةً لِلناهِبينا
سَكَتَّ فَحامَ حَولَكَ كُلُّ ظَنٍّ
وَلَو صَرَّحَت لَم تُثِرِ الظُنونا
يَقولُ الناسُ في سِرٍّ وَجَهرٍ
وَمالَكَ حيلَةٌ في المُرجِفينا
أَمَن سَرَقَ الخَليفَةَ وَهوَ حَيٌّ
يَعِفُّ عَنِ المُلوكِ مُكَفَّنينا
خَليلَيَّ اِهبِطا الوادي وَميلا
إِلى غُرَفِ الشُموسِ الغارِبينا
وَسيرا في مَحاجِرِهِم رُوَيداً
وَطوفا بِالمَضاجِعِ خاشِعينا
وَخُصّا بِالعَمارِ وَبِالتَحايا
رُفاتَ المَجدِ مِن توتَنخَمينا
وَقَبراً كادَ مِن حُسنٍ وَطيبٍ
يُضيءُ حِجارَةً وَيَضوعُ طينا
يُخالُ لِرَوعَةِ التاريخِ قُدَّت
جَنادِلُهُ العُلا مِن طورِ سينا
وَكانَ نَزيلُهُ بِالمَلكِ يُدعى
فَصارَ يُلَقَّبُ الكَنزَ الثَمينا
وَقوما هاتِفَينِ بِهِ وَلَكِن
كَما كانَ الأَوائِلُ يَهتِفونا
فَثَمَّ جَلالَةٌ قَرَّت وَرامَت
عَلى مَرِّ القُرونِ الأَربَعينا
جَلالُ المُلكِ أَيّامٌ وَتَمضي
وَلا يَمضي جَلالُ الخالِدينا
وَقولا لِلنَزيلِ قُدومَ سَعدٍ
وَحَيّا اللَهُ مَقدَمَكَ اليَمينا
سَلامٌ يَومَ وارَتكَ المَنايا
بِواديها وَيَومَ ظَهَرتَ فينا
خَرَجتَ مِنَ القُبورِ خُروجَ عيسى
عَلَيكَ جَلالَةٌ في العالَمينا
يَجوبُ البَرقُ بِاِسمِكَ كُلَّ سَهلٍ
وَيَختَرِقُ البُخارُ بِهِ الحُزونا
وَأُقسِمُ كُنتَ في لَوزانَ شُغلاً
وَكُنتَ عَجيبَةَ المُتَفاوِضينا
أَتَعلَمُ أَنَّهُم صَلِفوا وَتاهوا
وَصَدّوا البابَ عَنّا موصِدينا
وَلَو كُنّا نَجُرُّ هُناكَ سَيفاً
وَجَدنا عِندَهُم عَطفاً وَلينا
سَيَقضي كِرزُنٌ بِالأَمرِ عَنّا
وَحاجاتُ الكِنانَةِ ما قُضينا
تَعالَ اليَومَ خَبِّرنا أَكانَت
نَواكَ سِناتِ نَومٍ أَم سِنينا
وَماذا جُبتَ مِن ظُلُماتِ لَيلٍ
بَعيدِ الصُبحِ يُنضي المُدلِجينا
وَهَل تَبقى النُفوسُ إِذا أَقامَت
هَياكِلُها وَتَبلى إِن بَلينا
وَما تِلكَ القِبابُ وَأَينَ كانَت
وَكَيفَ أَضَلَّ حافِرُها القُرونا
مُمَرَّدَةَ البِناءِ تُخالُ بُرجاً
بِبَطنِ الأَرضِ مَحظوظاً دَفينا
تَغَطّى بِالأَثاثِ فَكانَ قَصراً
وَبِالصُوَرِ العِتاقِ فَكانَ زونا
حَمَلتَ العَرشَ فيهِ فَهَل تُرَجّي
وَتَأمَلُ دَولَةً في الغابِرينا
وَهَل تَلقى المُهَيمِنَ فَوقَ عَرشٍ
وَيَلقاهُ المَلا مُتَرَجِّلينا
وَما بالُ الطَعامِ يَكادُ يَقدى
كَما تَرَكَتهُ أَيدي الصانِعينا
وَلَم تَكُ أَمسُ تَصبُرُ عَنهُ يَوماً
فَكَيفَ صَبِرتَ أَحقاباً مَئينا
لَقَد كانَ الَّذي حَذِرَ الأَوالي
وَخافَ بَنو زَمانِكَ أَن يَكونا
يُحِبُّ المَرءُ نَبشَ أَخيهِ حَيّاً
وَيَنبُشُهُ وَلَو في الهالِكينا
سُلِلتَ مِنَ الحَفائِرِ قَبلَ يَومٍ
يَسُلُّ مِنَ التُرابِ الهامِدينا
فَإِن تَكُ عِندَ بَعثٍ فيهِ شَكٌّ
فَإِنَّ وَراءَهُ البَعثَ اليَقينا
وَلَو لَم يَعصِموكَ لَكانَ خَيراً
كَفى بِالمَوتِ مُعتَصِماً حَصينا
يُضَرُّ أَخو الحَياةِ وَلَيسَ شَيءٌ
بِضائِرِهِ إِذا صَحِبَ المَنونا
زَمانُ الفَردِ يا فِرعَونُ وَلّى
وَدالَت دَولَةُ المُتَجَبِّرينا
وَأَصبَحَتِ الرُعاةُ بِكُلِّ أَرضٍ
عَلى حُكمِ الرَعِيَّةِ نازِلينا

أبثك وجدي يا حمام وأودع

أَبُثُّكَ وَجدي يا حَمامُ وَأودِعُ
فَإِنَّكَ دونَ الطَيرِ لِلسِرِّ مَوضِعُ
وَأَنتَ مُعينُ العاشِقينَ عَلى الهَوى
تَإِنُّ فَنُصغي أَو تَحِنُّ فَنَسمَعُ
أَراكَ يَمانِيّاً وَمِصرُ خَميلَتي
كِلانا غَريبٌ نازِحُ الدارِ موجَعُ
هُما اِثنانِ دانٍ في التَغَرُّبِ آمِنٌ
وَناءٍ عَلى قُربِ الدِيارِ مُروَعُ
وَمِن عَجَبِ الأَشياءِ أَبكي وَأَشتَكي
وَأَنتَ تُغَنّي في الغُصونِ وَتَسجَعُ
لَعَلَّكَ تُخفي الوَجدَ أَو تَكتُمُ الجَوى
فَقَد تُمسِكُ العَينانِ وَالقَلبُ يَدمَعُ
شَجاكَ صِغارٌ كَالجُمانِ وَمَوطِنٌ
نَدٍ مِثلَ أَيّامِ الحَداثَةِ مُمرَعُ
إِذا كانَ في الآجالِ طولٌ وَفُسحَةٌ
فَما البَينُ إِلّا حادِثٌ مُتَوَقَّعُ
وَما الأَهلُ وَالأَحبابُ إِلّا لَآلِئٌ
تُفَرِّقُها الأَيّامُ وَالسِمطُ يَجمَعُ
أَمُنكِرَتي قَلبي دَليلٌ وَشاهِدي
فَلا تُنكِريهِ فَهوَ عِندَكَ مودَعُ
أَسيرُكِ لَو يُفدى فَدَتهُ بِجَمعِها
جَوانِحُ في شَوقٍ إِلَيهِ وَأَضلُعُ
رَماهُ إِلَيكِ الدَهرُ في حالِقِ الهَوى
يُذالُ عَلى سَفحِ الهَوانِ وَيوضَعُ
وَمِن عَجَبٍ يَأسى إِذا قُلتُ مُتعَبٌ
وَيَطرَبُ إِن قُلتُ الأَسيرُ المُمَنَّعُ
لَقيتِ عَليماً بِالغَواني وَإِنَّما
هُوَ القَلبُ كَالإِنسانِ يُغرى وَيُخدَعُ
وَأَعلَمُ أَنَّ الغَدرَ في الناسِ شائِعٌ
وَأَنَّ خَليلَ الغانِياتِ مُضَيَّعُ
وَأَنَّ نِزاعَ الرُشدِ وَالغَيِّ حالَةٌ
تَجيءُ بِأَحلامِ الرِجالِ وَتَرجِعُ
وَأَنَّ أَمانِيَّ النُفوسِ قَواتِلٌ
وَكَثرَتُها مِن كَثرَةِ الزَهرِ أَصرَعُ
وَأَنَّ دُعاةَ الخَيرِ وَالحَقِّ حَربُهُم
زَمانٌ بِهِم مِن عَهدِ سُقراطَ مولَعُ

ألا في سبيل الله ذاك الدم الغالي

أَلا في سَبيلِ اللَهِ ذاكَ الدَمُ الغالي
وَلِلمَجدِ ما أَبقى مِنَ المَثَلِ العالي
وَبَعضُ المَنايا هِمَّةٌ مِن وَرائِها
حَياةٌ لِأَقوامٍ وَدُنيا لِأَجيالِ
أَعَينَيَّ جودا بِالدُموعِ عَلى دَمٍ
كَريمِ المُصَفّى مِن شَبابٍ وَآمالِ
تَناهَت بِهِ الأَحداثُ مِن غُربَةِ النَوى
إِلى حادِثٍ مِن غُربَةِ الدَهرِ قَتّالِ
جَرى أُرجُوانِيّاً كُمَيتاً مُشَعشَعاً
بِأَبيَضَ مِن غِسلِ المَلائِكِ سَلسالِ
وَلاذَ بِقُضبانِ الحَديدِ شَهيدُهُ
فَعادَت رَفيفاً مِن عُيونٍ وَأَطلالِ
سَلامٌ عَلَيهِ في الحَياةِ وَهامِداً
وَفي العُصُرِ الخالي وَفي العالَمِ التالي
خَليلَيَّ قوما في رُبى الغَربِ وَاِسقِيا
رَياحينَ هامٍ في التُرابِ وَأَوصالِ
مِنَ الناعِماتِ الراوِياتِ مِنَ الصِبا
ذَوَت بَينَ حِلٍّ في البِلادِ وَتَرحالِ
نَعاها لَنا الناعي فَمالَ عَلى أَبٍ
هَلوعٍ وَأُمٍّ بِالكِنانَةِ مِثكالِ
طَوى الغَربَ نَحوَ الشَرقِ يَعدو سُلَيكُهُ
بِمُضطَرِبٍ في البَرِّ وَالبَحرِ مِرقالِ
يُسِرُّ إِلى النَفسِ الأَسى غَيرَ هامِسٍ
وَيُلقي عَلى القَلبِ الشَجى غَيرَ قَوّالِ
سَماءُ الحِمى بِالشاطِئينِ وَأَرضُهُ
مَناحَةُ أَقمارٍ وَمَأتَمُ أَشبالِ
تُرى الريحُ تَدري ما الَّذي قَد أَعادَها
بِساطاً وَلَكِن مِن حَديدٍ وَأَثقالِ
يُقِلُّ مِنَ الفِتيانِ أَشبالَ غابَةٍ
غُداةً عَلى الأَخطارِ رُكّابَ أَهوالِ
ثَنَتهُ العَوادي دونَ أودينَ فَاِنثَنى
بِآخَرَ مِن دُهمِ المَقاديرِ ذَيّالِ
قَدِ اِعتَنَقا تَحتَ الدُخانِ كَما اِلتَقى
كَمِيّانِ في داجٍ مِن النَقعِ مُنجالِ
فَسُبحانَ مَن يَرمي الحَديدَ وَبَأسَهُ
عَلى ناعِمٍ غَضٍّ مِنَ الزَهرِ مِنهالِ
وَمَن يَأخُذُ السارينَ بِالفَجرِ طالِعاً
طُلوعَ المَنايا مِن زَنِيّاتِ آجالِ
وَمَن يَجعَلُ الأَسفارَ لِلناسِ هِمَّةً
إِلى سَفَرٍ يَنوونَهُ غَيرَ قُفّالِ
فَيا ناقِليهِم لَو تَرَكتُم رُفاتَهُم
أَقامَ يَتيماً في حِراسَةِ لَئآلِ
وَبَينَ غَريبالدي وَكافورَ مَضجَعٌ
لَنُزّاعِ أَمصارٍ عَلى الحَقِّ نُزّالِ
فَهَل عَطَفَتكُم رَنَّةُ الأَهلِ وَالحِمى
وَضَجَّةُ أَترابٍ عَلَيهِم وَأَمثالِ
لَئِن فاتَ مِصراً أَن يَموتوا بِأَرضِها
لَقَد ظَفِروا بِالبَعثِ مِن تُربِها الغالي
وَما شَغَلَتهُم عَن هَواها قِيامَةٌ
إِذا اِعتَلَّ رَهنُ المَحبِسَينِ بِأَشغالِ
حَمَلتُم مِنَ الغَربِ الشُموسَ لِمَشرِقٍ
تَلَقّى سَناها مُظلِماً كاسِفِ البالِ
عَواثِرَ لَم تَبلُغ صِباها وَلَم تَنَل
مَداها وَلَم توصَل ضُحاها بِآصالِ
يُطافُ بِهِم نَعشاً فَنَعشاً كَأَنَّهُم
مَصاحِفُ لَم يَعلُ المُصَلّي عَلى التالي
تَوابيتُ في الأَعناقِ تَترى زَكِيَّةً
كَتابوتِ موسى في مَناكِبِ إِسرالِ
مُلَفَّفَةً في حُلَّةٍ شَفَقِيَّةٍ
هِلالِيَّةٍ مِن رايَةِ النيلِ تِمثالِ
أَظَلَّ جَلالُ العِلمِ وَالمَوتِ وَفدَها
فَلَم تُلقَ إِلّا في خُشوعٍ وَإِجلالِ
تُفارِقُ داراً مِن غُرورٍ وَباطِلٍ
إِلى مَنزِلٍ مِن جيرَةِ الحَقِّ مِحلالِ
فَيا حَلبَةً رَفَّت عَلى البَحرِ حِليَةً
وَهَزَّت بِها حُلوانُ أَعطافَ مُختالِ
جَرَت بَينَ إيماضِ العَواصِمِ بِالضُحى
وَبَينَ اِبتِسامِ الثَغرِ بِالمَوكِبِ الحالي
كَثيرَةَ باغي السَبقِ لَم يُرَ مِثلُها
عَلى عَهدِ إِسماعيلَ ذي الطولِ وَالنالِ
لَكِ اللَهُ هَذا الخَطبُ في الوَهمِ لَم يَقَع
وَتِلكَ المَنايا لَم يَكُنَّ عَلى بالِ
بَلى كُلُّ ذي نَفسٍ أَخو المَوتِ وَاِبنُهُ
وَإِن جَرَّ أَذيالَ الحَداثَةِ وَالخالِ
وَلَيسَ عَجيباً أَن يَموتَ أَخو الصِبا
وَلَكِن عَجيبٌ عَيشُهُ عيشَةَ السالي
وَكُلُّ شَبابٍ أَو مَشيبٍ رَهينَةٌ
بِمُعتَرِضٍ مِن حادِثِ الدَهرِ مُغتالِ
وَما الشَيبُ مِن خَيلِ العُلا فَاِركَبِ الصِبا
إِلى المَجدِ تَركَب مَتنَ أَقدَرِ جَوّالِ
يَسُنُّ الشَبابُ البَأسَ وَالجودَ لِلفَتى
إِذا الشَيبُ سَنَّ البُخلَ بِالنَفسِ وَالمالِ
وَيا نَشَأَ النيلِ الكَريمِ عَزاءَكُم
وَلا تَذكروا الأَقدارَ إِلّا بِإِجمالِ
فَهَذا هُوَ الحَقُّ الَّذي لا يَرُدُّهُ
تَأَفُّفُ قالٍ أَو تَلَطُّفُ مُحتالُ
عَلَيكُم لِواءَ العِلمِ فَالفَوزُ تَحتَهُ
وَلَيسَ إِذا الأَعلامُ خانَت بِخَذّالِ
إِذا مالَ صَفٌّ فَاِخلُفوهُ بِآخَرٍ
وَصَولِ مَساعٍ لا مَلولٍ وَلا آلِ
وَلا يَصلُحُ الفِتيانُ لا عِلمَ عِندَهُم
وَلا يَجمَعونَ الأَمرَ أَنصافَ جُهّالِ
وَلَيسَ لَهُم زادٌ إِذا ما تَزَوَّدوا
بَياناً جُزافَ الكَيلِ كَالحَشَفِ البالي
إِذا جَزِعَ الفِتيانُ في وَقعِ حادِثٍ
فَمَن لِجَليلِ الأَمرِ أَو مُعضِلِ الحالِ
وَلَولا مَعانٍ في الفِدى لَم تُعانِهِ
نُفوسُ الحَوارِيّينَ أَو مُهَجُ الآلِ
فَغَنّوا بِهاتيكَ المَصارِعِ بَينَكُم
تَرَنُّمَ أَبطالٍ بِأَيّامِ أَبطالِ
أَلَستُم بَني القَومِ الَّذينَ تَكَبَّروا
عَلى الضَرَباتِ السَبعِ في الأَبَدِ الخالي
رُدِدتُم إِلى فِرعَونَ جَدّاً وَرُبَّما
رَجَعتُم لِعَمٍّ في القَبائِلِ أَو خالِ

مقادير من جفنيك حولن حاليا

مَقاديرُ مِن جَفنَيكِ حَوَلنَ حالِيا
فَذُقتُ الهَوى بَعدَما كُنتُ خالِيا
نَفَذنَ عَلَيَّ اللُبَّ بِالسَهمِ مُرسَلاً
وَبِالسِحرِ مَقضِيّاً وَبِالسَيفِ قاضِيا
وَأَلبَسنَني ثَوبَ الضَنى فَلَبِستُهُ
فَأَحبِب بِهِ ثَوباً وَإِن ضَمَّ بالِيا
وَما الحُبُّ إِلّا طاعَةٌ وَتَجاوُزٌ
وَإِن أَكثَروا أَوصافَهُ وَالمَعانِيا
وَما هُوَ إِلّا العَينُ بِالعَينِ تَلتَقي
وَإِن نَوَّعوا أَسبابَهُ وَالدَواعِيا
وَعِندي الهَوى مَوصوفُهُ لا صِفاتُهُ
إِذا سَأَلوني ما الهَوى قُلتُ ما بِيا
وَبي رَشَأٌ قَد كانَ دُنيايَ حاضِراً
فَغادَرَني أَشتاقُ دُنيايَ نائِيا
سَمَحتُ بِروحي في هَواهُ رَخيصَةً
وَمَن يَهوَ لا يوثِرُ عَلى الحُبِّ غالِيا
وَلَم تَجرِ أَلفاظُ الوُشاةِ بِريبَةٍ
كَهَذي الَّتي يَجري بِها الدَمعُ واشِيا
أَقولُ لِمَن وَدَّعتُ وَالرَكبُ سائِرٌ
بِرُغمِ فُؤادي سائِرٌ بِفُؤاديا
أَماناً لِقَلبي مِن جُفونِكِ في الهَوى
كَفى بِالهَوى كَأساً وَراحاً وَساقِيا
وَلا تَجعَليهِ بَينَ خَدَيكِ وَالنَوى
مِنَ الظُلمِ أَن يَغدو لِنارَينِ صالِيا
وَلَم يَندَمِل مِن طَعنَةِ القَدِّ جُرحُهُ
فَرِفقاً بِهِ مِن طَعنَةِ البَينِ دامِيا

أداري العيون الفاترات السواجيا

أُداري العُيونَ الفاتِراتِ السَواجِيا
وَأَشكو إِلَيها كَيدَ إِنسانِها لِيا
قَتَلنَ وَمَنَّينَ القَتيلَ بِأَلسُنٍ
مِنَ السِحرِ يُبدِلنَ المَنايا أَمانِيا
وَكَلَّمنَ بِالأَلحاظِ مَرضى كَليلَةٍ
فَكانَت صِحاحاً في القُلوبِ مَواضِيا
حَبَبتُكِ ذاتَ الخالِ وَالحُبُّ حالَةٌ
إِذا عَرَضَت لِلمَرءِ لَم يَدرِ ماهِيا
وَإِنَّكِ دُنيا القَلبِ مَهما غَدَرتِهِ
أَتى لَكِ مَملوءً مِنَ الوَجدِ وافِيا
صُدودُكِ فيهِ لَيسَ يَألوهُ جارِحاً
وَلَفظُكِ لا يَنفَكُّ لِلجُرحِ آسِيا
وَبَينَ الهَوى وَالعَذلِ لِلقَلبِ مَوقِفٌ
كَخالِكِ بَينَ السَيفِ وَالنارِ ثاوِيا
وَبَينَ المُنى وَاليَأسِ لِلصَبرِ هِزَّةٌ
كَخَصرِكِ بَينَ النَهدِ وَالرِدفِ واهِيا
وَعَرَّضَ بي قَومي يَقولونَ قَد غَوى
عَدِمتُ عَذولي فيكِ إِن كُنتُ غاوِيا
يَرومونَ سُلواناً لِقَلبي يُريحُهُ
وَمَن لي بِالسُلوانِ أَشريهِ غالِيا
وَما العِشقُ إِلّا لَذَّةٌ ثُمَّ شِقوَةٌ
كَما شَقِيَ المَخمورُ بِالسُكرِ صاحِيا