سقي الله بالكفر الاباظي مضجعا

سَقى اللَهُ بِالكَفرِ الإِباضِيِّ مَضجَعاً
تَضَوَّعَ كافوراً مِنَ الخُلدِ سارِيا
يَطيبُ ثَرى بُردَينِ مِن نَفحِ طيبِهِ
كَأَنَّ ثَرى بُردَينِ مَسَّ الغَوالِيا
فَيا لَك غِمداً مِن صَفيحٍ وَجَندَلٍ
حَوى السَيفَ مَصقولَ الغِرارِ يَمانِيا
وَكُنّا اِستَلَلنا في النَوائِبِ غَربَهُ
فَلَم يُلفَ هَيّاباً وَلَم نُلفَ نابِيا
إِذا اِهتَزَّ دونَ الحَقِّ يَحمي حِياضَهُ
تَأَخَّرَ عَنها باطِلُ القَومِ ظامِيا
طَوَتهُ يَدٌ لِلمَوتِ لا الجاهُ عاصِماً
إِذا بَطَشَت يَوماً وَلا المالُ فادِيا
تَنالُ صِبا الأَعمارِ عِندَ رَفيفِهِ
وَعِندَ جُفوفِ العودِ في السِنِّ ذاوِيا
وَبَعضُ المَنايا تُنزِلُ الشَهدَ في الثَرى
وَيَحطُطنَ في التُربِ الجِبالَ الرَواسِيا
يَقولونَ يَرثي الراحِلينَ فَوَيحَهُم
أَأَمَّلتُ عِندَ الراحِلينَ الجَوازِيا
أَبَوا حَسَداً أَن أَجعَلَ الحَيَّ أُسوَةً
لَهُم وَمِثالاً قَد يُصادِفُ حاذِيا
فَلَمّا رَثَيتُ المَيتَ أَقضي حُقوقَهُ
وَجَدتُ حَسوداً لِلرُفاتِ وَشانِيا
إِذا أَنَت لَم تَرعَ العُهودَ لِهالِكٍ
فَلَستَ لِحَيٍّ حافِظَ العَهدِ راعِيا
فَلا يَطوينَ المَوتُ عَهدَكَ مِن أَخٍ
وَهَبهُ بِوادٍ غَيرِ واديكَ نائِيا
أَقامَ بِأَرضٍ أَنتَ لاقيهِ عِندَها
وَإِن بِتُّما تَستَبعِدانِ التَلاقيِا
رَثَيتُ حَياةً بِالثَناءِ خَليقَةً
وَحَلَّيتُ عَهداً بِالمَفاخِرِ حالِيا
وَعَزَّيتُ بَيتاً قَد تَبارَت سَماؤُهُ
مَشايِخَ أَقماراً وَمُرداً دَرارِيا
إِلى اللَهِ إِسماعيلُ وَاِنزِل بِساحَةٍ
أَظَلَّ النَدى أَقطارَها وَالنَواجِيا
تَرى الرَحمَةَ الكُبرى وَراءَ سَمائِها
تَلُفُّ التُقى في سَيبِها وَالمَعاصِيا
لَدى مَلِكٍ لا يَمنَعُ الظِلَّ لائِذاً
وَلا الصَفحَ تَوّاباً وَلا العَفوَ راجِيا
وَأُقسِمُ كُنتَ المَرءَ لَم يَنسَ دينَهُ
وَلَم تُلهِهِ دُنياؤُهُ وَهيَ ماهِيا
وَكُنتَ إِذا الحاجاتُ عَزَّ قَضائُها
لِحاجِ اليَتامى وَالأَرامِلِ قاضِيا
وَكُنتَ تُصَلّي بِالمُلوكِ جَماعَةً
وَكُنتَ تَقومُ اللَيلَ بِالنَفسِ خالِيا
وَمَن يُعطَ مِن جاهِ المُلوكِ وَسيلَةً
فَلا يَصنَعُ الخَيراتِ لَم يُعطَ غالِيا
وَكُنتَ الجَريءَ النَدبَ في كُلِّ مَوقِفٍ
تَلَفتَ فيهِ الحَقُّ لَم يَلقَ حامِيا
بَصُرتُ بِأَخلاقِ الرِجالِ فَلَم أَجِد
وَإِن جَلَتِ الأَخلاقُ لِلعَزمِ ثانِيا
مِنَ العَزمِ ما يُحيِ فُحولاً كَثيرَةً
وَقَدَّمَ كافورَ الخَصِيِّ الطَواشِيا
وَما حَطَّ مِن رَبِّ القَصائِدِ مادِحاً
وَأَنزَلَهُ عَن رُتبَةِ الشِعرِ هاجِيا
فَلَيسَ البَيانُ الهَجوَ إِن كُنتَ ساخِطاً
وَلا هُوَ زورُ المَدحِ إِن كُنتَ راضِيا
وَلَكِن هُدى اللَهِ الكَريمِ وَوَحيُهُ
حَمَلتَ بِهِ المِصباحَ في الناسِ هادِيا
تُفيضُ عَلى الأَحياءِ نوراً وَتارَةً
تُضيءُ عَلى المَوتى الرَجامَ الدَواجِيا
هَياكِلُ تَفنى وَالبَيانُ مُخَلَّدٌ
أَلا إِنَّ عِتقَ الخَمرِ يُنسي الأَوانِيا
ذَهَبتَ أَبا عَبدِ الحَميدِ مُبَرَّءاً
مِنَ الذامِ مَحمودَ الجَوانِبِ زاكِيا
قَليلَ المَساوي في زَمانٍ يَرى العُلا
ذُنوباً وَناسٍ يَخلُقونَ المَساوِيا
طَوَيناكَ كَالماضي تَلَقّاهُ غِمدُهُ
فَلَم تَستَرِح حَتّى نَشَرناكَ ماضِيا
فَكُنتَ عَلى الأَفواهِ سيرَةَ مُجمِلِ
وَكُنتَ حَديثاً في المَسامِعِ عالِيا
وَفَيتَ لِمَن أَدناكَ في المُلكِ حِقبَةً
فَكانَ عَجيباً أَن يَرى الناسُ وافِيا
أَثاروا عَلى آثارِ مَوتِكَ ضَجَّةً
وَهاجوا لَنا الذِكرى وَرَدّوا اللَيالِيا
وَمَن سابَقَ التاريخَ لَم يَأمَنِ الهَوى
مُلِجّاً وَلَم يَسلَم مِنَ الحِقدِ نازِيا
إِذا وَضَعَ الأَحياءُ تاريخَ جيلِهِم
عَرَفتَ المُلاحي مِنهُمو وَالمُحابِيا
إِذا سَلِمَ الدُستورُ هانَ الَّذي مَضى
وَهانَ مِنَ الأَحداثِ ما كانَ آتِيا
أَلا كُلُّ ذَنبٍ لِلَّيالي لِأَجلِهِ
سَدَلنا عَلَيهِ صَفحَنا وَالتَناسِيا

يقولون رشدي مات

يقولون رشدي مات قلت صدقتم
ومات صوابي يوم ذام وآمالي
وركني الذي للنائبات أعدّه
وذخرَي في الماضي وعوني على الحال
وسعدي الذي خان الزمان وطالعي
وفخري إذا ألقى الرجال وإجلالي
أرشدي لقد عشت الذي عشت سيدا
ولم تك عبد الجاه والأمر والمال
ولم تأل كتب العلم درسا ومطلبا
ولم تك عنها في الثمانين بالسالي
وكنت تحل الفضل أسمى محلة
وتنزل أهل الفضل في المنزل العالي
ولم تتخير ألف خل وصاحب
ولكن من تختاره الواحد الغالي
حبيتك والدنيا تحبك كلها
وزدتك حبا عندما كثر القالي
وقست بك الأعيان حيا وميتا
فوالله ما جاء القياس بأمثال
ولو أن إنسانا من الموت يفتدى
فديتك بالنفس النفيسة والآل

تولستوي تجري اية العلم دمعها

تولستويُ تُجري آيةُ العِلمِ دمعَها
عليكَ ويبكي بائسٌ وفقيرُ
وشَعبٌ ضعيفُ الركنِ زالَ نصيرُهُ
وما كلُّ يومٍ للضعيفِ نصيرُ
ويندبُ فلاّحونَ أنتَ منارُهم
وأنتَ سراجٌ غيّبوهُ منيرُ
يُعانونَ في الأكواخِ ظلماً وظُلمةً
ولا يملكونَ البثَّ وهوَ يسيرُ
تطوفُ كعيسى بالحَنانِ وبالرِضى
عليهم وتغشى دورَهم وتزورُ
ويأسى عليكَ الدينُ إذ لكَ لُبُّهُ
وللخادِمينَ الناقمينَ قشورُ
أيَكفرُ بالإنجيلِ من تلكَ كتبُهُ
أناجيلُ منها منذِرٌ وبشيرُ
ويبكيكَ إلفٌ فوقَ ليلى ندامةً
غداةَ مشى بالعامِريِّ سريرُ
تناولَ ناعيكَ البلادَ كأنّهُ
يراعٌ لهُ في راحتَيكَ صريرُ
وقيلَ تولّى الشيخُ في الأرضِ هائماً
وقيلَ بديرِ الراهباتِ أسيرُ
وقيلَ قضى لم يُغنِ عنهُ طبيبُهُ
وللطبِّ من بطشِ القضاءِ عذيرُ
إذ أنتَ جاورتَ المعرّيَّ في الثرى
وجاورِ رضوى في الترابِ ثبيرُ
وأقبلَ جمعُ الخالدينَ عليكما
وغالَى بمقدارِ النظيرِ نظيرُ
جماجمُ تحتَ الأرضِ عطّرها شذىً
جناهُنَّ مسكٌ فوقَها وعبيرُ
بِهِنَّ يُباهي بطنُ حوّاءَ واحتوى
عليهنَّ بطنُ الأرضِ وهوَ فخورُ
فقل يا حكيمَ الدهرِ حدّث عنِ البلى
فأنتَ عليمٌ بالأمورِ خبيرُ
أحطتَ منَ الموتى قديماً وحادثاً
بما لم يُحصِّل مُنكرٌ ونكيرُ
طوانا الذي يطوي السماواتِ في غدٍ
وينشرُ بعدَ الطيِّ وهوَ قديرُ
تقادَمَ عهدانا على الموتِ واستوى
طويلُ زمانٍ في البِلى وقصيرُ
كأن لم تَضِق بالأمسِ عنّي كنيسةٌ
ولم يُؤوِني ديرٌ هناكَ طهورُ
أرى راحةً بينَ الجنادلِ والحصى
وكلُّ فراشٍ قد أراحَ وثيرُ
نظرنا بنورِ الموتِ كلَّ حقيقةٍ
وكنّا كلانا في الحياةِ ضريرُ
إليكَ اعترافي لا لقسٍّ وكاهنٍ
ونجوايَ بعدَ اللهِ وهوَ غفورُ
فزهدُكَ لم يُنكرْهُ في الأرضِ عارفٌ
ولا متعالٍ في السماءِ كبيرُ
بيانٌ يُشَمُّ الوحيُ من نفحاتهِ
وعلمٌ كعلمِ الأنبياءِ غزيرُ
سلكتُ سبيلَ المُترَفينَ ولذَّ لي
بنونَ ومالٌ والحياةُ غرورُ
أداةُ شتائي الدفءُ في ظلِّ شاهقٍ
وعدّةُ صيفي جنّةٌ وغديرُ
ومتّعتُ بالدنيا ثمانينَ حِجّةً
ونضّرَ أيّامي غنىً وحبورُ
وذِكرٌ كضوءِ الشمسِ في كلِّ بلدةٍ
ولا حظَّ مثلُ الشمسِ حينَ تسيرُ
فما راعني إلّا عذارى أجرنني
وربَّ ضعيفٍ تحتَمي فيُجيرُ
أردتُ جوارَ اللهِ والعمرُ منقضٍ
وجاورتُهُ في العمرِ وهوَ نضيرُ
صِباً ونعيمٌ بينَ أهلٍ وموطنٍ
ولذّاتُ دنيا كلُّ ذاكَ نزورُ
بِهِنَّ وما يدرينَ ما الذنبُ خشيةٌ
ومن عجبٍ تخشى الخطيئةَ حورُ
أوانسُ في داجٍ منَ الليلِ موحشٍ
وللّهِ أُنسٌ في القلوبِ ونورُ
وأشبهُ طهرٍ في النساءِ بمريمٍ
فتاةٌ على نهجِ المسيحِ تسيرُ
تُسائلني هل غيَّرَ الناسُ ما بهم
وهل حدثت غيرَ الأمورِ أمورُ
وهل آثَرَ الإحسانَ والرفقَ عالمٌ
دواعي الأذى والشرِّ فيهِ كثيرُ
وهل سلكوا سُبلَ المحبّةِ بينهم
كما يتصافى أُسرةٌ وعشيرُ
وهل آنَ من أهلِ الكتابِ تسامحٌ
خليقٌ بآدابِ الكتابِ جديرُ
وهل عالجَ الأحياءُ بؤساً وشقوةً
وقلَّ فسادٌ بينهم وشرورُ
قُمِ انظر وأنتَ المالئُ الأرضَ حكمةً
أأجدى نظيمٌ أم أفادَ نثيرُ
أُناسٌ كما تدري ودنيا بحالها
ودهرٌ رخيٌّ تارةً وعسيرُ
وأحوالُ خلقٍ غابرٍ متجدّدٍ
تشابهَ فيها أوّلٌ وأخيرُ
تمرّ تباعاً في الحياةِ كأنها
ملاعبُ لا تُرخى لهنَّ ستورُ
وحرصٌ على الدنيا وميلٌ مع الهوى
وغِشٌّ وإفكٌ في الحياةِ وزورُ
وقامَ مقامَ الفردِ في كلِّ أُمّةٍ
على الحكمِ جمٌّ يستبدُّ غفيرُ
وحُوّرَ قولُ الناسِ مولىً وعبدُهُ
إلى قولِهم مُستأجرٌ وأجيرُ
وأضحى نفوذُ المالِ لا أمرَ في الورى
ولا نهيَ إلّا ما يرى ويشيرُ
تُساسُ حكوماتٌ بهِ وممالكٌ
ويُذعنُ أقيالٌ لهُ وصُدورُ
وعصرٌ بنوهُ في السلاحِ وحرصهُ
على السِلمِ يُجري ذكرَهُ ويديرُ
ومن عجبٍ في ظلِّها وهوَ وارفٌ
يُصادفُ شعباً آمِناً فيُغيرُ
ويأخذُ من قوتِ الفقيرِ وكسبهِ
ويُؤوي جيوشاً كالحصى ويميرُ
ولمّا استقلَّ البرَّ والبحرَ مذهباً
تعلَّقَ أسبابَ السماءِ يطيرُ

لقد نقل الراوون عني حكاية

لقد نقل الراوون عني حكاية
وقالوا كلاما ما أشدّ وأشاما
أيصفع مثلي ناشئ ويراعتي
أسالت دموع القوم في مصر عَندما
ألا اعتذروا لي عنده فأنا الذي
صفعت بصدغي كفه فتألما

يقولون لم تطري عليا واخته

يقولون لم تطرى عليا وأخته
وتنسى حسينا والحسين كريم
فقلت فؤادى للثلاثة منزل
هما طُنُباه والحسين صميم
ثلاثة أسباب لأُنسى ولذتي
يبارك فيها مانِحِى ويديم
إذا ما بدا لي أن أفاضل بينهم
أبى لي قلب عادل ورحيم
أحبِ صغار العالمين لأجلهم
ويعطف قلبي ذو أب ويتيم
أمينتيَ الدنيا إذا هي أقبلت
على العيش منها نضرة ونعيم
ذكاء تمناه الفتى حلية له
ووجه يسر الناظرين وسيم
فأما علىٌّ فالمسيح حداثة
وقور إذا طاش الصغار حليم
وقبل حسين ما تكلم مرضع
ولا نال علياء البيان فطيم
إذا راح يهذى بالحديث فشاعر
فإن جدّ فيما قاله فحكيم
عصيفير روض رَبِّ صنه وأبِقه
فأنت بقلب قد خَلقت عليم

ابثك وجدي يا حمام واودع

أَبُثُّكَ وَجدي يا حَمامُ وَأودِعُ
فَإِنَّكَ دونَ الطَيرِ لِلسِرِّ مَوضِعُ
وَأَنتَ مُعينُ العاشِقينَ عَلى الهَوى
تَإِنُّ فَنُصغي أَو تَحِنُّ فَنَسمَعُ
أَراكَ يَمانِيّاً وَمِصرُ خَميلَتي
كِلانا غَريبٌ نازِحُ الدارِ موجَعُ
هُما اِثنانِ دانٍ في التَغَرُّبِ آمِنٌ
وَناءٍ عَلى قُربِ الدِيارِ مُروَعُ
وَمِن عَجَبِ الأَشياءِ أَبكي وَأَشتَكي
وَأَنتَ تُغَنّي في الغُصونِ وَتَسجَعُ
لَعَلَّكَ تُخفي الوَجدَ أَو تَكتُمُ الجَوى
فَقَد تُمسِكُ العَينانِ وَالقَلبُ يَدمَعُ
شَجاكَ صِغارٌ كَالجُمانِ وَمَوطِنٌ
نَدٍ مِثلَ أَيّامِ الحَداثَةِ مُمرَعُ
إِذا كانَ في الآجالِ طولٌ وَفُسحَةٌ
فَما البَينُ إِلّا حادِثٌ مُتَوَقَّعُ
وَما الأَهلُ وَالأَحبابُ إِلّا لَآلِئٌ
تُفَرِّقُها الأَيّامُ وَالسِمطُ يَجمَعُ
أَمُنكِرَتي قَلبي دَليلٌ وَشاهِدي
فَلا تُنكِريهِ فَهوَ عِندَكَ مودَعُ
أَسيرُكِ لَو يُفدى فَدَتهُ بِجَمعِها
جَوانِحُ في شَوقٍ إِلَيهِ وَأَضلُعُ
رَماهُ إِلَيكِ الدَهرُ في حالِقِ الهَوى
يُذالُ عَلى سَفحِ الهَوانِ وَيوضَعُ
وَمِن عَجَبٍ يَأسى إِذا قُلتُ مُتعَبٌ
وَيَطرَبُ إِن قُلتُ الأَسيرُ المُمَنَّعُ
لَقيتِ عَليماً بِالغَواني وَإِنَّما
هُوَ القَلبُ كَالإِنسانِ يُغرى وَيُخدَعُ
وَأَعلَمُ أَنَّ الغَدرَ في الناسِ شائِعٌ
وَأَنَّ خَليلَ الغانِياتِ مُضَيَّعُ
وَأَنَّ نِزاعَ الرُشدِ وَالغَيِّ حالَةٌ
تَجيءُ بِأَحلامِ الرِجالِ وَتَرجِعُ
وَأَنَّ أَمانِيَّ النُفوسِ قَواتِلٌ
وَكَثرَتُها مِن كَثرَةِ الزَهرِ أَصرَعُ
وَأَنَّ دُعاةَ الخَيرِ وَالحَقِّ حَربُهُم
زَمانٌ بِهِم مِن عَهدِ سُقراطَ مولَعُ

اذا ما جمعتم امركم وهممتمو

إذا ما جمعتم أمركم وهممتمو
بتقديم شئٍ للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوقٍ بغير جريرة
وسروال مجلودٍ وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه
من الشعر حكم خطه بيمين
ولا تقرأوه في شبرد بل اقرأوا
على ملأ من دنشواي حزين

فداها نساء الارض من جركسية

فداها نساء الأرض من جركسية
لها سيرة بين الملوك تدار
إذا برزت ود النهار قميصها
يُغير به شمس الضحى فتغار
وإن نهضت للمشي ودَّ قوامها
نساء طوال حولها وقصار
لها مبسم عاش العقيق لأجله
وعاشت لآل في العقيق صغار
وقطعة خد بينما هي جنة
لعينيك يا رائي إذا هي نار

الي الله اشكو من عوادي النوي سهما

إِلى اللَهِ أَشكو مِن عَوادي النَوى سَهما
أَصابَ سُوَيداءَ الفُؤادِ وَما أَصمى
مِنَ الهاتِكاتِ القَلبَ أَوَّلَ وَهلَةٍ
وَما دَخَلَت لَحماً وَلا لامَسَت عَظما
تَوارَدَ وَالناعي فَأَوجَستُ رَنَّةً
كَلاماً عَلى سَمعي وَفي كَبِدي كَلما
فَما هَتَفا حَتّى نَزا الجَنبُ وَاِنزَوى
فَيا وَيحَ جَنبي كَم يَسيلُ وَكَم يَدمى
طَوى الشَرقَ نَحوَ الغَربِ وَالماءَ لِلثَرى
إِلَيَّ وَلَم يَركَب بِساطاً وَلا يَمّا
أَبانَ وَلَم يَنبِس وَأَدّى وَلَم يَفُه
وَأَدمى وَما داوى وَأَوهى وَما رَمّا
إِذا طُوِيَت بِالشُهبِ وَالدُهمِ شَقَّةٌ
طَوى الشُهبَ أَوجابَ الغُدافِيَّةَ الدُهما
وَلَم أَرَ كَالأَحداثِ سَهماً إِذا جَرَت
وَلا كَاللَيالي رامِياً يُبعِدُ المَرمى
وَلَم أَرَ حُكماً كَالمَقاديرِ نافِذاً
وَلا كَلِقاءِ المَوتِ مِن بَينِها حَتما
إِلى حَيثُ آباءُ الفَتى يَذهَبُ الفَتى
سَبيلٌ يَدينُ العالَمونَ بِها قِدما
وَما العَيشُ إِلّا الجِسمُ في ظِلِّ روحِهِ
وَلا المَوتُ إِلّا الروحُ فارَقَتِ الجِسما
وَلا خُلدَ حَتّى تَملَأَ الدَهرَ حِكمَةً
عَلى نُزَلاءِ الدَهرِ بَعدَكَ أَو عِلما
زَجَرتُ تَصاريفَ الزَمانِ فَما يَقَع
لِيَ اليَومَ مِنها كانَ بِالأَمسِ لي وَهما
وَقَدَّرتُ لِلنُعمانِ يَوماً وَضِدَّهُ
فَما اِغتَرَّتِ البوسى وَلا غَرَّتِ النُعمى
شَرِبتُ الأَسى مَصروفَةً لَو تَعَرَّضَت
بِأَنفاسِها بِالفَمِّ لَم يَستَفِق غَمّا
فَأَترِع وَناوِل يا زَمانُ فَإِنَّما
نَديمُكَ سُقراطُ الَّذي اِبتَدَعَ السُمّا
قَتَلتُكَ حَتّى ما أُبالي أَدَرتَ لي
بِكَأسِكَ نَجماً أَم أَدَرتَ بِها رَجما
لَكِ اللَهُ مِن مَطعونَةٍ بِقَنا النَوى
شَهيدَةَ حَربٍ لَم تُقارِف لَها إِنما
مُدَلَّهَةٍ أَزكى مِنَ النارِ زَفرَةً
وَأَنزَهِ مِن دَمعِ الحَيا عَبرَةَ سَحما
سَقاها بَشيري وَهيَ تَبكي صَبابَةً
فَلَم يَقوَ مَغناها عَلى صَوبِهِ رَسما
أَسَت جُرحَها الأَنباءُ غَيرَ رَفيقَةٍ
وَكَم نازِعٍ سَهماً فَكانَ هُوَ السَهما
تَغارُ الحُمّى الفَضائِلُ وَالعُلا
لِما قَبَّلَت مِنها وَما ضَمَّتِ الحُمّى
أَكانَت تَمَنّاها وَتَهوى لِقاءَها
إِذا هِيَ سَمّاها بِذي الأَرضِ مَن سَمّى
أَلَمَّت عَلَيها وَاِتَّقَت ثَمَراتِها
فَلَمّا وُقوا الأَسواءَ لَم تَرَها ذَمّا
فَيا حَسرَتا أَلّا تَراهُم أَهِلَّةً
إِذا أَقصَرَ البَدرُ التَمامُ مَضَوا قُدما
رَياحينُ في أَنفِ الوَلِيِّ وَما لَها
عَدُوٌّ تَراهُم في مَعاطِسِهِ رَغما
وَأَلّا يَطوفوا خُشَّعاً حَولَ نَعشِها
وَلا يُشبِعوا الرُكنَ اِستِلاماً وَلا لَثما
حَلَفتُ بِما أَسلَفتِ في المَهدِ مِن يَدٍ
وَأَولَيتِ جُثماني مِن المِنَّةِ العُظمى
وَقَبرٍ مَنوطٍ بِالجَلالِ مُقَلَّدٍ
تَليدَ الخِلالِ الكُثرَ وَالطارِفَ الجَمّا
وَبِالغادِياتِ الساقِياتِ نَزيلَهُ
مِنَ الصَلَواتِ الخَمسِ وَالآيِ وَالأَسما
لَما كانَ لي في الحَربِ رَأيٌ وَلا هَوىً
وَلا رُمتُ هَذا الثُكلَ لِلناسِ وَاليُتما
وَلَم يَكُ ظُلمُ الطَيرِ بِالرِقِّ لي رِضاً
فَكَيفَ رِضائي أَن يَرى البَشَرُ الظُلما
وَلَم آلُ شُبّانَ البَرِيَّةِ رِقَّةً
كَأَنَّ ثِمارَ القَلبِ مِن وَلَدي ثَمّا
وَكُنتُ عَلى نَهجٍ مِنَ الرَأيِ واضِحٍ
أَرى الناسَ صِنفَينِ الذِئابَ أَوِ البَهما
وَما الحُكمُ إِلّا أولي البَأسِ دَولَةً
وَلا العَدلُ إِلّا حائِطٌ يَعصِمُ الحُكما
نَزَلتُ رُبى الدُنيا وَجَنّاتِ عَدنِها
فَما وَجَدَت نَفسي لِأَنهارِها طَعما
أَريحُ أَريجَ المِسكِ في عَرَصاتِها
وَإِن لَم أُرِح مَروانَ فيها وَلا لَخما
إِذا ضَحِكَت زَهواً إِلَيَّ سَماوَها
بَكَيتُ النَدى في الأَرضِ وَالبَأسَ وَالحَزما
أُطيفُ بِرَسمٍ أَو أُلِمُّ بِدِمنَةٍ
أَخالُ القُصورَ الزُهرَ وَالغُرَفَ الشُمّا
فَما بَرَحَت مِن خاطِري مِصرُ ساعَةً
وَلا أَنتِ في ذي الدارِ زايَلتِ لي هَمّا
إِذا جَنَّني اللَيلُ اِهتَزَزتُ إِلَيكُما
فَجَنحا إِلى سُعدى وَجَنحا إِلى سَلمى
فَلَما بَدا لِلناسِ صُبحٌ مِنَ المُنى
وَأَبصَرَ فيهِ ذو البَصيرَةِ وَالأَعمى
وَقَرَّت سُيوفُ الهِندِ وَاِرتَكَزَ القَنا
وَأَقلَعَتِ البَلوى وَأَقشَعَتِ الغُمّى
وَحَنَّت نَواقيسٌ وَرَنَّت مَآذِنٌ
وَرَفَّت وُجوهُ الأَرضِ تَستَقبِلُ السُلمى
أَتى الدَهرُ مِن دونِ الهَناءِ وَلَم يَزَل
وَلوعاً بِبُنيانِ الرَجاءِ إِذا تَمّا
إِذا جالَ في الأَعيادِ حَلَّ نِظامَها
أَوِ العُرسِ أَبلى في مَعالِمِهِ هَدما
لَئِن فاتَ ما أَمَّلتِهِ مِن مَواكِبٍ
فَدونَكِ هَذا الحَشدَ وَالمَوكِبَ الضَخما
رَثَيتُ بِهِ ذاتَ التُقى وَنَظَمتُهُ
لِعُنصُرِهِ الأَزكى وَجَوهَرِهِ الأَسمى
نَمَتكِ مَناجيبُ العُلا وَنَمَيتِها
فَلَم تُلحَقي بِنتاً وَلَم تُسبَقي أُمّا
وَكُنتِ إِذا هَذي السَماءُ تَخايَلَت
تَواضَعتِ وَلَكِن بَعدَ ما فُتِّها نَجما
أَتَيتِ بِهِ لَم يَنظُمِ الشِعرَ مِثلَهُ
وَجِئتِ لِأَخلاقِ الكِرامِ بِهِ نَظما
وَلَو نَهَضَت عَنهُ السَماءُ وَمَخَّضَت
بِهِ الأَرضُ كانَ المُزنَ وَالتِبرَ وَالكَرما

لا السهد يدنيني اليه ولا الكري

لا السُهدُ يُدنيني إِلَيهِ وَلا الكَرى
طَيفٌ يَزورُ بِفَضلِهِ مَهما سَرى
تَخِذَ الدُجى وَسَماءَهُ وَنُجومَهُ
سُبُلاً إِلى جَفنَيكِ لَم يَرضَ الثَرى
وَأَتاكَ مَوفورَ النَعيمِ تَخالُهُ
مَلَكاً تَنُمُّ بِهِ السَماءُ مُطَهَّرا
عَلِمَ الظَلامُ هُبوطَهُ فَمَشَت لَهُ
أَهدابُهُ يَأخُذنَهُ مُتَحَدِّرا
وَحَمى النَسائِمَ أَن تَروحَ وَأَن تَجي
حَذَراً وَخَوفاً أَن يُراعَ وَيُذعَرا
وَرَقَدتَ تُزلِفُ لِلخَيالِ مَكانَهُ
بَينَ الجُفونِ وَبَينَ هُدبِكَ وَالكَرى
فَهَنِئتَهُ مِثلَ السَعادَةِ شائِقاً
مُتَصَوِّراً ما شِئتَ أَن يَتَصَوَّرا
تَطوي لَهُ الرَقباءُ مَنصورَ الهَوى
وَتَدوسُ أَلسِنَةَ الوُشاةِ مُظَفَّرا
لَولا اِمتِنانُ العَينِ يا طَيفَ الرِضا
ما سامَحَت أَيّامَها فيما جَرى
باتَت مُشَوَّقَةً وَباتَ سَوادُها
زونا بِتِمثالِ الجَمالِ مُنَوِّرا
تُعطى المُنى وَتُنيلُهُنَّ خَليقَةً
بِكَ أَن تُقَدِّمَ في المِنى وَتُؤَخِّرا
وَتُعانِقُ القَمَرَ السَنِيَّ عَزيزَةً
حَتّى إِذا وَدَّعتَ عانَقتَ الثَرى
في لَيلَةٍ قَدِمَ الوُجودَ هِلالُها
فَدَنَت كَواكِبُها تُعَلِّمُهُ السُرى
وَتُريهِ آثارَ البُدورِ لِيَقتَفي
وَيَرى لَهُ الميلادُ أَن يَتَصَدَّرا
ناجَيتُ مَن أَهوى وَناجاني بِها
بَينَ الرِياضِ وَبَينَ ماءِ سُوَيسِرا
حَيثُ الجِبالُ صِغارُها وَكِبارُها
مِن كُلِّ أَبيَضَ في الفَضاءِ وَأَخضَرا
تَخِذَ الغَمامُ بِها بُيوتاً فَاِنجَلَت
مَشبوبَةَ الأَجرامِ شائِبَةَ الذُرى
وَالصَخرُ عالٍ قامَ يُشبِهُ قاعِداً
وَأَنافَ مَكشوفَ الجَوانِبِ مُنذِرا
بَينَ الكَواكِبِ وَالسَحابِ تَرى لَهُ
أُذُناً مِنَ الحَجَرِ الأَصَمِّ وَمِشفَرا
وَالسَفحُ مِن أَيِّ الجِهاتِ أَتَيتَهُ
أَلفَيتَهُ دَرَجاً يَموجُ مُدَوَّرا
نَثَرَ الفَضاءُ عَلَيهِ عِقدَ نُجومِهِ
فَبَدا زَبَرجَدُهُ بِهِنَّ مُجَوهَرا
وَتَنَظَّمَت بيضُ البُيوتِ كَأَنَّها
أَوكارُ طَيرٍ أَو خَميسٌ عَسكَرا
وَالنَجمُ يَبعَثُ لِلمِياهِ ضِياءَهُ
وَالكَهرُباءُ تُضيءُ أَثناءَ الثَرى
هامَ الفِراشُ بِها وَحامَ كَتائِباً
يَحكي حَوالَيها الغَمامُ مُسَيَّرا
خُلِقَت لِرَحمَتِهِ فَباتَت نارُهُ
بَرداً وَنارُ العاشِقينَ تَسَعُّرا
وَالماءُ مِن فَوقِ الدِيارِ وَتَحتَها
وَخِلالِها يَجري وَمِن حَولِ القُرى
مُتَصَوِّباً مُتَصَعِّداً مُتَمَهِّلاً
مُتَسَرِّعاً مُتَسَلسِلاً مُتَعَثِّرا
وَالأَرضُ جِسرٌ حَيثُ دُرتَ وَمَعبَرٌ
يَصِلانِ جِسراً في المِياهِ وَمَعبَرا
وَالفُلكُ في ظِلِّ البُيوتِ مَواخِراً
تَطوي الجَداوِلَ نَحوَها وَالأَنهُرا
حَتّى إِذا هَدَأَ المَلا في لَيلِهِ
جاذَبتُ لَيلي ثَوبَهُ مُتَحَيِّرا
وَخَرَجتُ مِن بَينَ الجُسورِ لَعَلَّني
أَستَقبِلُ العَرفَ الحَبيبَ إِذا سَرى
آوي إِلى الشَجَراتِ وَهيَ تَهُزُّني
وَقَدِ اِطمَأَنَّ الطَيرُ فيها بِالكَرى
وَيَهُزُّ مِنّي الماءُ في لَمَعانِهِ
فَأَميلُ أَنظُرُ فيهِ أَطمَعُ أَن أَرى
وَهُنالِكَ اِزدَهَتِ السَماءُ وَكانَ أَن
آنَستُ نوراً ما أَتَمَّ وَأَبهَرا
فَسَرَيتُ في لَألائِهِ وَإِذا بِهِ
بَدرٌ تُسايِرُهُ الكَواكِبُ خُطَّرا
حُلُمٌ أَعارَتني العِنايَةُ سَمعَها
فيهِ فَما اِستَتمَمتُ حَتّى فُسِّرا
فَرَأَيتُ صَفوى جَهرَةً وَأَخَذتُ أَن
سى يَقظَةً وَمُنايَ لَبَّت حُضَّرا
وَأَشَرتَ هَل لُقيا فَأوحِيَ أَن غَداً
بِالطَودِ أَبيَضَ مِن جِبالِ سُوَيسِرا
إِن أَشرَقَت زَهراءَ تَسمو لِلضُحى
وَإِذا هَوَت حَمراءَ في تِلكَ الذُرى
فَشُروقُها مِنهُ أَتَمُّ مَعانِياً
وَغُروبُها أَجلى وَأَكمَلُ مَنظَرا
تَبدو هُنالِكَ لِلوُجودِ وَليدَةً
تَهنا بِها الدُنيا وَيَغتَبِطُ الثَرى
وَتُضيءُ أَثناءَ الفَضاءِ بِغُرَّةٍ
لاحَت بِرَأسِ الطَودِ تاجاً أَزهَرا
فَسَمَت فَكانَت نِصفَ طارٍ ما بَدا
حَتّى أَنافَ فَلاحَ طاراً أَكبَرا
يَعلو العَوالِمَ مُستَقِلّاً نامِياً
مُستَعصِياً بِمَكانِهِ أَن يُنقَرا
سالَت بِهِ الآفاقُ لَكِن عَسجَداً
وَتَغَطَّتِ الأَشباحُ لَكِن جَوهَرا
وَاِهتَزَّ فَالدُنيا لَهُ مُهتَزَّةٌ
وَأَنارَ فَاِنكَشَفَ الوُجودُ مُنَوَّرا
حَتّى إِذا بَلَغَ السُمُوُّ كَمالَهُ
أَذِنَت لِداعي النَقصِ تَهوى القَهقَرى
فَدَنَت لِناظِرِها وَدانَ عَنانُها
وَتَبَدَّلَ المُستَعظِمُ المُستَصغِرا
وَاِصفَرَّ أَبيَضُ كُلِّ شَيءٍ حَولَها
وَاِحمَرَّ بُرقُعُها وَكانَ الأَصفَرا
وَسَما إِلَيها الطَودُ يَأخُذُها وَقَد
جَعَلَت أَعالِيَهُ شَريطاً أَحمَرا
مَسَّتهُ فَاِشتَعَلَت بِها جَنَباتُهُ
وَبَدَت ذُراهُ الشُمُّ تَحمِلُ مِجمَرا
فَكَأَنَّما مَدَّت بِهِ نيرانَها
شَرَكاً لِتَصطادَ النَهارَ المُدبِرا
حَرَقَتهُ وَاِحتَرَقَت بِهِ فَتَوَلَّيا
وَأَتى طُلولَهُما الظَلامُ فَعَسكَرا
فَشُروقُها الأَمَلُ الحَبيبُ لِمَن رَأى
وَغُروبُها الأَجَلُ البَغيضُ لِمَن دَرى
خَطبانِ قاما بِالفَناءِ عَلى الصَفا
ما كانَ بَينَهُما الصَفاءُ لِيَعمُرا
تَتَغَيَّرُ الأَشياءُ مَهما عاوَدا
وَاللَهُ عَزَّ وَجَلَّ لَن يَتَغَيَّرا
أَنهارُنا تَحتَ السَليفِ وَفَوقَهُ
وَلَدى جَوانِبِهِ وَما بَينَ الذُرى
رَجلاً وَرُكباناً وَزَحلَقَةً عَلى
عَجلٍ هُنالِكَ كَهرُبائِيِّ السَرى
في مَركَبٍ مُستَأنِسٍ سالَت بِهِ
قُضُبُ الحَديدِ تَعَرُّجاً وَتَحَدُّرا
يَنسابُ ما بَينَ الصُخورِ تَمَهُّلاً
وَيَخِفُّ بَينَ الهُوَّتَينِ تَخَطُّرا
وَإِذا اِعتَلى بِالكَهرُباءِ لِذَروَةٍ
عَصماءَ هَمَّ مُعانِقاً مُتَسَوِّرا
لَمّا نَزَلنا عَنهُ في أُمِّ الذُرى
قُمنا عَلى فَرعِ السَليفِ لِنَنظُرا
أَرضٌ تَموجُ بِها المَناظِرُ جَمَّةٌ
وَعَوالِمٌ نِعمَ الكِتابُ لِمَن قَرا
وَقُرىً ضَرَبنَ عَلى المَدائِنِ هالَةً
وَمَدائِنٌ حَلَّينَ أَجيادَ القُرى
وَمَزارِعٌ لِلناظِرينَ رَوائِعٌ
لَبِسَ الفَضاءُ بِها طِرازاً أَخضَرا
وَالماءُ غَدرٌ ما أَرَقَّ وَأَغزَرا
وَجَداوِلٌ هُنَّ اللُجَينُ وَقَد جَرى
فَحَشَونَ أَفواهَ السُهولِ سَبائِكاً
وَمَلَأنَ أَقبالَ الرَواسِخِ جَوهَرا
قَد صَغَّرَ البُعدُ الوُجودَ لَنا فَيا
لِلَّهِ ما أَحلى الوُجودَ مُصَغَّرا