تولستوي تجري آية العلم دمعها

تولُستويُ تُجري آيَةُ العِلمِ دَمعَها
عَلَيكَ وَيَبكي بائِسٌ وَفَقيرُ
وَشَعبٌ ضَعيفُ الرُكنِ زالَ نَصيرُهُ
وَما كُلُّ يَومٍ لِلضَعيفِ نَصيرُ
وَيَندُبُ فَلّاحونَ أَنتَ مَنارُهُم
وَأَنتَ سِراجٌ غَيَّبوهُ مُنيرُ
يُعانونَ في الأَكواخِ ظُلماً وَظُلمَةً
وَلا يَملُكونَ البَثَّ وَهوَ يَسيرُ
تَطوفُ كَعيسى بِالحَنانِ وَبِالرِضى
عَلَيهِم وَتَغشى دورَهُم وَتَزورُ
وَيَأسى عَلَيكَ الدينُ إِذ لَكَ لُبُّهُ
وَلِلخادِمينَ الناقِمينَ قُشورُ
أَيَكفُرُ بِالإِنجيلِ مَن تِلكَ كُتبُهُ
أَناجيلُ مِنها مُنذِرٌ وَبَشيرُ
وَيَبكيكَ إِلفٌ فَوقَ لَيلى نَدامَةً
غَداةَ مَشى بِالعامِرِيِّ سَريرُ
تَناوَلَ ناعيكَ البِلادَ كَأَنَّهُ
يَراعٌ لَهُ في راحَتَيكَ صَريرُ
وَقيلَ تَوَلّى الشَيخُ في الأَرضِ هائِماً
وَقيلَ بِدَيرِ الراهِباتِ أَسيرُ
وَقيلَ قَضى لَم يُغنِ عَنهُ طَبيبُهُ
وَلِلطِبِّ مَن بَطشِ القَضاءِ عَذيرُ
إِذ أَنتَ جاوَرتَ المَعَرِّيَّ في الثَرى
وَجاوَرِ رَضوى في التُرابِ ثَبيرُ
وَأَقبَلَ جَمعُ الخالِدينَ عَلَيكُما
وَغالى بِمِقدارِ النَظيرِ نَظيرُ
جَماجِمُ تَحتَ الأَرضِ عَطَّرَها شَذىً
جَناهُنَّ مِسكٌ فَوقَها وَعَبيرُ
بِهِنَّ يُباهي بَطنُ حَوّاءَ وَاِحتَوى
عَلَيهُنَّ بَطنُ الأَرضِ وَهوَ فَخورُ
فَقُل يا حَكيمَ الدَهرِ حَدِّث عَنِ البِلى
فَأَنتَ عَليمٌ بِالأُمورِ خَبيرُ
أَحَطتَ مِنَ المَوتى قَديماً وَحادِثاً
بِما لَم يُحَصِّل مُنكِرٌ وَنَكيرُ
طَوانا الَّذي يَطوي السَمَواتِ في غَدٍ
وَيَنشُرُ بَعدَ الطَيِّ وَهوَ قَديرُ
تَقادَمَ عَهدانا عَلى المَوتِ وَاِستَوى
طَويلُ زَمانٍ في البِلى وَقَصيرُ
كَأَن لَم تَضِق بِالأَمسِ عِنّى كَنيسَةٌ
وَلَم يُؤوِني دَيرٌ هُناكَ طَهورُ
أَرى راحَةً بَينَ الجَنادِلِ وَالحَصى
وَكُلُّ فِراشٍ قَد أَراحَ وَثيرُ
نَظَرنا بِنورِ المَوتِ كُلَّ حَقيقَةٍ
وَكُنّا كِلانا في الحَياةِ ضَريرُ
إِلَيكَ اِعتِرافي لا لِقَسٍَّ وَكاهِنٍ
وَنَجوايَ بَعدَ اللَهِ وَهوَ غَفورُ
فَزُهدُكَ لَم يُنكِرهُ في الأَرضِ عارِفٌ
وَلا مُتَعالٍ في السَماءِ كَبيرُ
بَيانٌ يُشَمُّ الوَحيُ مِن نَفَحاتِهِ
وَعِلمٌ كَعِلمِ الأَنبِياءِ غَزيرُ
سَلَكتُ سَبيلَ المُترَفينَ وَلَذَّ لي
بَنونَ وَمالٌ وَالحَياةُ غُرورُ
أَداةُ شِتائي الدِفءُ في ظِلِّ شاهِقٍ
وَعُدَّةُ صَيفي جَنَّةٌ وَغَديرُ
وَمُتِّعتُ بِالدُنيا ثَمانينَ حِجَّةً
وَنَضَّرَ أَيّامي غِنىً وَحُبورُ
وَذِكرٌ كَضَوءِ الشَمسِ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَلا حَظَّ مِثلُ الشَمسِ حينَ تَسيرُ
فَما راعَني إِلّا عَذارى أَجَرنَني
وَرُبَّ ضَعيفٍ تَحتَمي فَيُجيرُ
أَرَدتُ جِوارَ اللَهِ وَالعُمرُ مُنقَضٍ
وَجاوَرتُهُ في العُمرِ وَهوَ نَضيرُ
صِباً وَنَعيمٌ بَينَ أَهلٍ وَمَوطِنٍ
وَلَذّاتُ دُنيا كُلُّ ذاكَ نَزورُ
بِهِنَّ وَما يَدرينَ ما الذَنبُ خَشيَةٌ
وَمِن عَجَبٍ تَخشى الخَطيئَةَ حورُ
أَوانِسُ في داجٍ مِنَ اللَيلِ موحِشٍ
وَلِلَّهِ أُنسٌ في القُلوبِ وَنورُ
وَأَشبَهُ طُهرٍ في النِساءِ بِمَريَمٍ
فَتاةٌ عَلى نَهجِ المَسيحِ تَسيرُ
تُسائِلُني هَل غَيَّرَ الناسُ ما بِهِم
وَهَل حَدَثَت غَيرَ الأُمورِ أُمورُ
وَهَل آثَرَ الإِحسانَ وَالرِفقَ عالَمٌ
دَواعي الأَذى وَالشَرِّ فيهِ كَثيرُ
وَهَل سَلَكوا سُبلَ المَحَبَّةِ بَينَهُم
كَما يَتَصافى أُسرَةٌ وَعَشيرُ
وَهَل آنَ مِن أَهلِ الكِتابِ تَسامُحٌ
خَليقٌ بِآدابِ الكِتابِ جَديرُ
وَهَل عالَجَ الأَحياءُ بُؤساً وَشِقوَةً
وَقَلَّ فَسادٌ بَينَهُم وَشُرورُ
قُمِ اِنظُر وَأَنتَ المالِئُ الأَرضَ حِكمَةً
أَأَجدى نَظيمٌ أَم أَفادَ نَثيرُ
أُناسٌ كَما تَدري وَدُنيا بِحالِها
وَدَهرٌ رَخِيٌّ تارَةً وَعَسيرُ
وَأَحوالُ خَلقٍ غابِرٍ مُتَجَدِّدٍ
تَشابَهَ فيها أَوَّلٌ وَأَخيرُ
تَمُرُّ تِباعاً في الحَياةِ كَأَنَّها
مَلاعِبُ لا تُرخى لَهُنَّ سُتورُ
وَحِرصٌ عَلى الدُنيا وَمَيلٌ مَعَ الهَوى
وَغِشٌّ وَإِفكٌ في الحَياةِ وَزورُ
وَقامَ مَقامَ الفَردِ في كُلِّ أُمَّةٍ
عَلى الحُكمِ جَمٌّ يَستَبِدُّ غَفيرُ
وَحُوِّرَ قَولُ الناسِ مَولىً وَعَبدُهُ
إِلى قَولِهِم مُستَأجِرٌ وَأَجيرُ
وَأَضحى نُفوذُ المالِ لا أَمرَ في الوَرى
وَلا نَهيَ إِلّا ما يَرى وَيُشيرُ
تُساسُ حُكوماتٌ بِهِ وَمَمالِكٌ
وَيُذعِنُ أَقيالٌ لَهُ وَصُدورُ
وَعَصرٌ بَنوهُ في السِلاحِ وَحِرصُهُ
عَلى السِلمِ يُجري ذِكرَهُ وَيُديرُ
وَمِن عَجَبٍ في ظِلِّها وَهوَ وارِفٌ
يُصادِفُ شَعباً آمِناً فَيُغيرُ
وَيَأخُذُ مِن قوتِ الفَقيرِ وَكَسبِهِ
وَيُؤوي جُيوشاً كَالحَصى وَيَميرُ
وَلَمّا اِستَقَلَّ البَرَّ وَالبَحرَ مَذهَباً
تَعَلَّقَ أَسبابَ السَماءِ يَطيرُ

سر يا صليب الرفق في ساح الوغى

سِر يا صَليبَ الرِفقِ في ساحِ الوَغى
وَاِنشُر عَلَيها رَحمَةً وَحَنانا
وَاِدخِل عَلى المَوتِ الصُفوفَ مُواسِياً
وَأَعِن عَلى آلامِهِ الإِنسانا
وَاِلمُس جِراحاتِ البَرِيَّةِ شافِياً
ما كُنتَ إِلّا لِلمَسيحِ بَنانا
وَإِذا الوَطيسُ رَمى الشَبابَ بِنارِهِ
خُض كَالخَليلِ إِلَيهُمُ النيرانا
وَاِجعَل وَسيلَتَكَ المَسيحَ وَأُمَّهُ
وَاِضرَع وَسَل في خَلقِهِ الرَحمانا
اللَهُ جارُكَ في عَوانٍ لَم تَهَب
لِلَّهِ لا بِيَعاً وَلا صُلبانا
وَسَلِمتَ يا حَرَمَ المَعارِكِ مِن يَدٍ
هَدَمَت لِسِلمِ العالَمينَ كَيانا
يا أَهلَ مِصرَ رَمى القَضاءُ بِلُطفِهِ
وَأَرادَ أَمراً بِالبِلادِ فَكانا
إِنَّ الَّذي أَمرُ المَمالِكِ كُلِّها
بِيَدَيهِ أَحدَثَ في الكِنانَةِ شانا
أَبقى عَلَيها عَرشَها في بُرهَةٍ
تَرمي العُروشَ وَتَنثُرُ التيجانا
وَكَسا البِلادَ سَكينَةً مِن أَهلِها
وَوَقى مِنَ الفِتَنِ العِبادَ وَصانا
أَوَما تَرَونَ الأَرضَ خُرِّبَ نِصفُها
وَدِيارُ مِصرٍ لا تَزالُ جِنانا
يَرعى كَرامَتَها وَيَمنَعُ حَوضَها
جَيشٌ يَعافُ البَغيَ وَالعُدوانا
كَجُنودِ عَمروٍ أَينَما رَكَزوا القَنا
عَفّوا يَداً وَمُهَنَّداً وَسِنانا
إِنَّ الشُجاعَ هُوَ الجَبانُ عَنِ الأَذى
وَأَرى الجَريءَ عَلى الشُرورِ جَبانا
أُمَمُ الحَضارَةِ أَنتُمُ آباؤُنا
مِنكُم أَخَذنا العِلمَ وَالعِرفانا
رَقَّت لَكُم مِنّا القُلوبُ كَأَنَّما
جَرحاكُمُ يَومَ الوَغى جَرحانا
وَمِنَ المُروءَةِ وَهيَ حائِطُ دينِنا
أَن نَذكُرَ الإِصلاحَ وَالإِحسانا
وَلَئِن غَزاكُم مِن ذَوينا مَعشَرٌ
فَلَرُبَّ إِخوانٍ عَزَوا إِخوانا
حَتّى إِذا الشَحناءُ نامَت بَينَهُم
لَم يَعرِفوا الأَحقادَ وَالأَضغانا

لمن غرة تنجلي من بعيد

لِمَن غُرَّةٌ تَنجَلي مِن بَعيد
بِمَرأىً كَما الحُلمُ ضاحَ سَعيد
تَهُزُّ الوُجودَ تَباشيرُها
كَما هَزَّ مِن والِدَيهِ الوَليد
وَيَغشى الدُنا مِن حُلاها سَنىً
أَضاءَ لَنا كُلَّ حالٍ نَضيد
مِنَ المَوجِ مُلتَمِعٌ مِثلَما
تَحَلَّت نُحورُ الدُمى بِالعُقود
أَتَتنا مِنَ الماءِ مُهتَزَّةً
مُنَوِّرَةً تَعتَلي لِلوُجود
وَتَصعَدُ مِن غَيرِ ما سُلَّمٍ
فَيا لِلمُصَوِّرِ هَذا الصُعود
وَهَذا المُنيرُ القَريبُ القَريب
وَهَذا المُنيرُ البَعيدُ البَعيد
وَهَذا المُنيرُ الَّذي لَن يُرى
وَهَذا المُنيرُ وَكُلٌّ شَهيد
وَهَذا الجُسامُ الخَفيفُ الخُطا
وَهَذا الجُسامُ الَّذي ما يَميد
وَيا لِلمُصَوِّرِ آثارَها
بِكُلِّ بِحارٍ وَفي كُلِّ بيد
وَتَقليلِها كُلَّ جَمِّ السَنا
وَتَصغيرِها كُلَّ عالٍ مَشيد
مِنَ النارِ لَكِنَّ أَطرافَها
تَدورُ بِياقوتَةٍ لَن تَبيد
مِنَ النارِ لَكِنَّ أَنوارَها
إِلَهِيَّةٌ زُيِّنَت لِلعَبيد
هِيَ الشَمسُ كانَت كَما شاءَها
مَماتُ القَديمِ حَياةُ الجَديد
تَرُدُّ المِياهَ إِلى حَدِّها
وَتُبلي جِبالَ الصَفا وَالحَديد
وَتَطلُعُ بِالعَيشِ أَو بِالرَدى
عَلى الزَرعِ قائِمِهِ وَالحَصيد
وَتَسعى لِذا الناسِ مَهما سَعَت
بِخَيرِ الوُعودِ وَشَرِّ الوَعيد
وَقَد تَتَجَلّى إِذا أَقبَلَت
بِنُعمى الشَقِيِّ وَبُؤسى السَعيد
وَقَد تَتَوَلّى إِذا أَدبَرَت
وَلَيسَت بِمَأمونَةٍ أَن تَعود
فَما لِلغُروبِ يَهيجُ الأَسى
وَكانَ الشُروقُ لَنا أَيَّ عيد
كَذا المَرءُ ساعَةَ ميلادِهِ
وَساعَةَ يَدعو الحِمامُ العَنيد
وَلَيسَ بِجارٍ وَلا واقِعٍ
سِوى الحَقِّ مِمّا قَضاهُ المُريد

أتغلبني ذات الدلال على صبري

أَتَغلِبُني ذاتُ الدَلالِ عَلى صَبري
إِذَن أَنا أَولى بِالقِناعِ وَبِالخِدرِ
تَتيهُ وَلي حِلمٌ إِذا ما رَكِبتُهُ
رَدَدتُ بِهِ أَمرَ الغَرامِ إِلى أَمري
وَما دَفعِيَ اللُوّامَ فيها سَآمَةٌ
وَلَكِنَّ نَفسَ الحُرِّ أَزجَرُ لِلحُرِّ
وَلَيلٍ كَأَنَّ الحَشرَ مَطلَعُ فَجرِهِ
تَراءَت دُموعي فيهِ سابِقَةَ الفَجرِ
سَرَيتُ بِهِ طَيفاً إِلى مَن أُحِبُّها
وَهَل بِالسُها في حُلَّةِ السُقمِ مِن نُكرِ
طَرَقتُ حِماها بَعدَ ما هَبَّ أَهلُها
أَخوضُ غِمارَ الظَنِّ وَالنَظَرِ الشَزرِ
فَما راعَني إِلّا نِساءٌ لَقَينَني
يُبالِغنَ في زَجري وَيُسرِفنَ في نَهري
يَقُلنَ لِمَن أَهوى وَآنَسنَ ريبَةً
نَرى حالَةً بَينَ الصَبابَةِ وَالسِحرِ
إِلَيكُنَّ جاراتِ الحِمى عَن مَلامَتي
وَذَرنَ قَضاءَ اللَهِ في خَلقِهِ يَجري
وَأَحرَجَني دَمعي فَلَمّا زَجَرتُهُ
رَدَدتُ قُلوبَ العاذِلاتِ إِلى العُذرِ
فَساءَلنَها ما اِسمي فَسَمَّت فَجِئنَني
يَقُلنَ أَماناً لِلعَذارى مِنَ الشِعرِ
فَقُلتُ أَخافُ اللَهَ فيكُنَّ إِنَّني
وَجَدتُ مَقالَ الهُجرِ يُزرى بِأَن يُزري
أَخَذتُ بِحَظِّ مَن هَواها وَبَينِها
وَمَن يَهوَ يَعدِل في الوِصالِ وَفي الهَجرِ
إِذا لَم يَكُن لِلمَرءِ عَن عيشَةٍ غِنىً
فَلا بُدَّ مِن يُسرٍ وَلا بُدَّ مِن عُسرِ
وَمَن يَخبُرِ الدُنيا وَيَشرَب بِكَأسِها
يَجِد مُرَّها في الحُلوِ وَالحُلوَ في المُرِّ
وَمَن كانَ يَغزو بِالتَعِلّاتِ فَقرَهُ
فَإِنّي وَجَدتُ الكَدَّ أَقتَلَ لِلفَقرِ
وَمَن يَستَعِن في أَمرِهِ غَيرَ نَفسِهِ
يَخُنهُ الرَفيقُ العَون في المَسلَكِ الوَعرِ
وَمَن لَم يُقِم سِتراً عَلى عَيبِ غَيرِهِ
يَعِش مُستَباحَ العِرضِ مُنهَتِكَ السِترِ
وَمَن لَم يُجَمِّل بِالتَواضُعِ فَضلَهُ
يَبِن فَضلُهُ عَنهُ وَيَعطَل مِنَ الفَخرِ

لمن ذلك الملك الذي عز جانبه

لِمَن ذَلِكَ المُلكُ الَّذي عَزَّ جانِبُهُ
لَقَد وَعَظَ الأَملاكَ وَالناسَ صاحِبُه
أَمُلكُكَ يا داوُدُ وَالمُلكُ الَّذي
يَغارُ عَلَيهِ وَالَّذي هُوَ واهِبُه
أَرادَ بِهِ أَمراً فَجَلَّت صُدورُهُ
فَأَتبَعَهُ لُطفاً فَجَلَّت عَواقِبُه
رَمى وَاِستَرَدَّ السَهمَ وَالخَلقُ غافِلٌ
فَهَل يَتَّقيهِ خَلقُهُ أَو يُراقِبُه
أَيَبطُلُ عيدُ الدَهرِ مِن أَجلِ دُمَّلٍ
وَتَخبو مَجاليهِ وَتُطوى مَواكِبُه
وَيَرجِعُ بِالقَلبِ الكَسيرِ وُفودُهُ
وَفيهِم مَصابيحُ الوَرى وَكَواكِبُه
وَتَسمو يَدُ الدَهرِ اِرتِجالاً بِبَأسِها
إِلى طُنُبِ الأَقواسِ وَالنَصرُ ضارِبُه
وَيَستَغفِرُ الشَعبُ الفَخورُ لِرَبِّهِ
وَيَجمَعُ مِن ذَيلِ المَخيلَةِ ساحِبُه
وَيُحجَبُ رَبُّ العيدِ ساعَةَ عيدِهِ
وَتَنقُصُ مِن أَطرافِهِنَّ مَآرِبُه
أَلا هَكَذا الدُنيا وَذَلِكَ وُدُّها
فَهَلّا تَأَتّى في الأَمانِيِّ خاطِبُه
أَعَدَّ لَها إِدوَردُ أَعيادَ تاجِهِ
وَما في حِسابِ اللَهِ ما هُوَ حاسِبُه
مَشَت في الثَرى أَنباؤُها فَتَساءَلَت
مَشارِقُهُ عَن أَمرِها وَمَغارِبُه
وَكاثَرَ في البَرِّ الحَصى مَن يَجوبُهُ
وَكاثَرَ مَوجَ البَحرِ راكِبُه
إِلى مَوكِبٍ لَم تُخرِجِ الأَرضُ مِثلَهُ
وَلَن يَتهادى فَوقَها ما يُقارِبُه
إِذا سارَ فيهِ سارَتِ الناسُ خَلفَهُ
وَشَدَّت مَغاويرَ المُلوكِ رَكائِبُه
تُحيطُ بِهِ كَالنَملِ في البَرِّ خَيلُهُ
وَتَملَأُ آفاقَ البِحارِ مَراكِبُه
نِظامُ المَجالي وَالمَواكِبِ حَلَّهُ
زَمانٌ وَشيكٌ رَيبُهُ وَنَوائِبُه
فَبَينا سَبيلُ القَومِ أَمنٌ إِلى المُنى
إِذا هُوَ خَوفٌ في الظُنونِ مَذاهِبُه
إِذا جَاءَتِ الأَعيادُ في كُلِّ مَسمَعٍ
تَجوبُ الثَرى شَرقاً وَغَرباً جَوائِبُه
رَجاءٌ فَلَم يَلبُث فَخَوفٌ فَلَم يَدُم
سَلِ الدَهرَ أَيُّ الحادِثَينِ عَجائِبُه
فيا لَيتَ شِعري أَينَ كانَت جُنودُهُ
وَكَيفَ تَراخَت في الفِداءِ قَواضِبُه
وَرُدَّت عَلى أَعقابِهِنَّ سَفينُهُ
وَما رَدَّها في البَحرِ يَوماً مُحارِبُه
وَكَيفَ أَفاتَتهُ الحَوادِثُ طِلبَةً
وَما عَوَّدتَهُ أَن تَفوتَ رَغائِبُه
لَكَ المُلكُ يا مَن خَصَّ بِالعِزِّ ذاتَهُ
وَمَن فَوقَ آرابَ المُلوكِ مَآرِبُه
فَلا عَرشَ إِلّا أَنتَ وارِثُ عِزِّهِ
وَلا تاجَ إِلّا أَنتَ بِالحَقِّ كاسِبُه
وَآمَنتُ بِالعِلمِ الَّذي أَنتَ نورُهُ
وَمِنكَ أَياديهِ وَمِنكَ مَناقِبُه
تُؤامِنُ مِن خَوفٍ بِهِ كُلُّ غالِبٍ
عَلى أَمرِهِ في الأَرضِ وَالداءُ غالِبُه
سَلوا صاحِبَ المُلكَينِ هَل مَلَك القُوى
وَأُسدُ الشَرى تَعنو لَهُ وَتُحارِبُه
وَهَل رَفَعَ الداءَ العُضالَ وَزيرُهُ
وَهَل حَجَبَ البابَ المُمَنَّعَ حاجِبُه
وَهَل قَدَّمَت إِلّا دُعاةً شُعوبُهُ
وَساعَفَ إِلّا بِالصَلاةِ أَقارِبُه
هُنالِكَ كانَ العِلمُ يُبلي بَلاءَهُ
وَكانَ سِلاحُ النَفسِ تُغني تَجارِبُه
كَريمُ الظُبا لا يَقرُبُ الشَرَّ حَدُّهُ
وَفي غَيرِهِ شَرُّ الوَرى وَمَعاطِبُه
إِذا مَرَّ نَحوَ المَرءِ كانَ حَياتَهُ
كَإِصبَعِ عيسى نَحوَ مَيتٍ يُخاطِبُه
وَأَيسَرُ مِن جُرحِ الصُدودِ فِعالُهُ
وَأَسهَلُ مِن سَيفِ اللِحاظِ مَضارِبُه
عَجيبٌ يُرَجّى مِشرَطاً أَو يَهابُهُ
مَنِ الغَربُ راجيهِ مَنِ الشَرقُ هائِبُه
فَلَو تُفتَدى بِالبيضِ وَالسُمرِ فِديَةٌ
لَأَلقَت قَناها في البِلادِ كَتائِبُه
وَلَو أَنَّ فَوقَ العِلمِ تاجاً لَتَوَّجوا
طَبيباً لَهُ بِالأَمسِ كانَ يُصاحِبُه
فَآمَنتُ بِاللَهِ الَّذي عَزَّ شَأنُهُ
وَآمَنتُ بِالعِلمِ الَّذي عَزَّ طالِبُه

يود من الأرواح ما لا توده

يودّ من الأرواح ما لا تودّه
ويفتك فيها مسرفا وهي جنده
نمير تواليه المحاسن ورَّدا
وتنهل منه النفس لو راق وِرده
خذوه بنفسي إنه هو قاتلي
ولا تقتلوه إنني أنا عبده
ولا تسألوه ما ذنوبي واسألوا
قبول متابي قبل ذنب أعدّه
ولا تذكروني عنده بشفاعة
فإن شفيع الواجد الصب وجده
لحاني الذي لم يعرف السهد جفنه
ولم تدر تقليب المضاجع كبده
وقاطعني من كنت أرجو وفاءه
وأين أخو الود الذي دام وده
فيا مدنيَ العذال ماشاء عِطفه
ويا مقصى العشاق ما شاء صده
أيُمنح منك القرب من سار ذمه
ويمنع منك اللفظ من سار حمده
ويأوي لظل من سواك رجاؤه
ويعتنق الحرمان من أنت قصده
أعوذ بعيد الملك من أن يمرّ بي
فلا يلتقي بي في غرامك سعده
فتى تشرق الدنيا إذا ذكر اسمه
ويهتز اشياخ الزمان ومرده
إذا ما الليالي نمن لم يغف حزمه
وفوق سهاد الدهر في الخطب سهده
وإن يرتجل وعدا وفي الليل هجعه
تجلى على الصدق الصباح ووعده
فتى النيل أضحى عصمة بك ملكه
وكان سلاما في يمينك عهده
وشعب أطاش الدهر ثابت جأشه
فخار فلما جئته جاء رشده
فلو أن حالا دام لم ينقض الأسى
ولكنها الأيام حال وضده

رآك تحب السجع حتى تظنه

رآك تحب السجع حتى تظنه
هو الحسن لا ما جاء من جودة الطبع
فثقل من صفع بسجع وما درى
بأن أجل السجع ما خف في السمع

إلى عرفات الله يا خير زائر

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ
وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً
وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ
عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ
تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ
إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم
لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ
لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ
رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ
وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ
بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ
وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما
أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ
وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً
مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ
وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي
وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ
يُحَيّيكَ طَهَ في مَضاجِعِ طُهرِهِ
وَيَعلَمُ ما عالَجتَ مِن عَقَباتِ
وَيُثني عَلَيكَ الراشِدونَ بِصالِحٍ
وَرُبَّ ثَناءٍ مِن لِسانِ رُفاتِ
لَكَ الدينُ يا رَبَّ الحَجيجِ جَمَعتَهُم
لِبَيتٍ طَهورِ الساحِ وَالعَرَصاتِ
أَرى الناسَ أَصنافاً وَمِن كُلِّ بُقعَةٍ
إِلَيكَ اِنتَهَوا مِن غُربَةٍ وَشَتاتِ
تَساوَوا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ
لَدَيكَ وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ
عَنَت لَكَ في التُربِ المُقَدَّسِ جَبهَةٌ
يَدينُ لَها العاتي مِنَ الجَبَهاتِ
مُنَوِّرَةٌ كَالبَدرِ شَمّاءُ كَالسُها
وَتُخفَضُ في حَقٍّ وَعِندَ صَلاةِ
وَيا رَبِّ لَو سَخَّرتَ ناقَةَ صالِحٍ
لِعَبدِكَ ما كانَت مِنَ السَلِساتِ
وَيا رَبِّ هَل سَيّارَةٌ أَو مَطارَةٌ
فَيَدنو بَعيدُ البيدِ وَالفَلَواتِ
وَيا رَبِّ هَل تُغني عَنِ العَبدِ حَجَّةٌ
وَفي العُمرِ ما فيهِ مِنَ الهَفَواتِ
وَتَشهَدُ ما آذَيتُ نَفساً وَلَم أَضِر
وَلَم أَبغِ في جَهري وَلا خَطَراتي
وَلا غَلَبَتني شِقوَةٌ أَو سَعادَةٌ
عَلى حِكمَةٍ آتَيتَني وَأَناةِ
وَلا جالَ إِلّا الخَيرُ بَينَ سَرائِري
لَدى سُدَّةٍ خَيرِيَّةِ الرَغَباتِ
وَلا بِتُّ إِلّا كَاِبنِ مَريَمَ مُشفِقاً
عَلى حُسَّدي مُستَغفِراً لِعِداتي
وَلا حُمِّلَت نَفسٌ هَوىً لِبِلادِها
كَنَفسِيَ في فِعلي وَفي نَفَثاتي
وَإِنّي وَلا مَنٌّ عَلَيكَ بِطاعَةٍ
أُجِلُّ وَأُغلي في الفُروضِ زَكاتي
أُبلَغُ فيها وَهيَ عَدلٌ وَرَحمَةٌ
وَيَترُكُها النُسّاكُ في الخَلَواتِ
وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ
مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي
وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرِر
يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ
وَرَكِبَ كَإِقبالِ الزَمانِ مُحَجَّلٍ
كَريمِ الحَواشي كابِرِ الخُطُواتِ
يَسيرُ بِأَرضٍ أَخرَجَت خَيرَ أُمَّةٍ
وَتَحتَ سَماءِ الوَحيِ وَالسُوَراتِ
يُفيضُ عَلَيها اليُمنَ في غَدَواتِهِ
وَيُضفي عَلَيها الأَمنَ في الرَوَحاتِ
إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ
وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ
وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً
لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ
وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ
وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ
لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ
وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ
أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ
فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ
وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم
فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي
وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ
مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ
مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا
بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ
فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي
وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ