سل الليل عن أفلاكه هل جرت سدى

سل الليل عن أفلاكه هل جرت سدى
وهيهات ما يجرين إلا إلى مدى
تنظَّمن في هام الفضاء وصدره
وحلينه فرقا وزنّ المقلدا
ولحنٌ به للقارئين قصيدة
من الحكمة العلياء لم ترض منشدا
تسيل بها نورا خلال كتابه
وتجرى حواشيه لجينا وعسجدا
سماءَ الدجى حركت ساكن خاطري
فهيجي بنات الشعر فيه لتسعِدا
تبدّدت الظلماء والشهب قبلها
وشمل همومي ما يريد تبدّدا
فيا ندمائي الظلماء والشهب قبلها
أرى الجام مهتزا بها متوقدا
ولا تشفقوا بي من ضلال فإنما
إلى ضِلتي في شربها ينتهى الهدى
لقد نهلت كفى وعلت بكأسها
مرارا وصدرى لا يُبلّ له صدى
وما قصِّرت بنت الكروم وإنما
مددتم بها الأيدي ومدّ الأسى يدا
ولست امرأ ترقى الهموم لصدره
ولكنها نفس تحاول مقصدا
أضيق بها حينا وطورا تضيق بي
كما عالج الغمد الحسام المهندا
وأشقى بها هما وأعيا مطالبا
وأتعب فيها بالمحبين حسدا
ومن يك قد ذم الأعادي فإنني
لدائي من الأحباب لا أظلم العدى
وما كنت من يرجوهم لمهمة
ولكنما استقضيت حقا مؤكدا
وما مال ذو حق وإن جل حقه
إلى الحقد إلا ضيع الحق واعتدى
ولو شئت جاءتني المعالي مطيعة
ولكن وجدت الصبر أعذب موردا
أرى الصدق ملكا والرياء عبودة
وإن كان ملكا للكثير وسؤددا
وأعلم أن اليوم بالأمس لاحق
وأن لعباس وللأمة الغدا

شجوني إذا جن الظلام كثير

شجوني إذا جُن الظلام كثير
يؤلبها عادي الهوى ويثير
إذا دهمت والليل من كل جانب
فنومي قتيل والصباح أسير
مشت لجناح واهن من جوانحي
ومالت على القلب الضعيف تُغير
فما ثار هذا الليل عندي وإنني
أليف له في جُنحه وسمير
إذ رقد الحياء نادمت نجمه
أدير له ذكر الكرى ويدير
ضعيفين لا نعطى حَراكا على الدجى
كلانا عليه مُقعد وعثور
نشدنا دفين الصبح في كل ظلمة
عليه كأنا منكر ونكير
يسائلني الساقي أَما لك نشوة
لعلك رضوى أو عساك ثبير
تكاد تخف الكأس من نفحاتها
وأنت على مر الكؤوس وقور
فقلت عوادي الهم بيني وبينها
تكاد تصدّ الكأس حين تدور
أتشغل قلبي الراح عن بعض ما به
وأشغال قلبي لو علمت كثير
برى البين ظُفريه وأذهب ريشه
وهدّ جناحيه فكيف يطير
يكاد يلين الجذع من زفراته
وييبس منها الفرع وهو نضير
كلانا غريب في المضاجع ليله
طويل وليل العالمين قصير
أقول له والغُدر بيني وبينه
ومن مدمعينا جدول وغدير
يلوم أناس ليس يدرون ما الهوى
لعلك دار يا حمام عذير
بعيشك خبرني وإن كنت عالما
هل الحب إلا جنة وسعير
أهنتُ عزيز الصبر فيك وخانني
إباء وفىٌّ في الخطوب وفير
وما أنا من ينضو عن النفس شيمة
ولكن سلطان الغرام قدير
خُلقت رحيم القلب آوى إلى الهوى
وأنكر ضيف الحقد حين يزور
وما خذلتني في بلاء سجية
وبعض السجايا خاذل ونصير
ولا رمت إلا النفع للناس مطلبا
ولا ارتاح لي إلا إليه ضمير
ومن يصحِب الأملاك عشرين حجة
يُجَمِّله خُلق في الخلال أمير
سما بي مديح الكابر ابن محمد
إلى حيث لا يبغى المزيد كبير
تجلى على الأبصار والصبح فانثنت
تباهي به شمس الضحى وتغير
وما استقبلت إلا ضياها تعيره
دليل الهوى من نورها ويعير
أغر تحلى بالحياء وبالهدى
فأعلاه نور والغضون نمير
فمتى الهمة الشماء فضلك سابق
وشعبك جاز بالولاء شكور
يروم رعاياك الذي نال غيرهم
وأنت بتحقيق المرام جدير
جمعت الأدانين الشجاعة والحجى
فكل عسير إن عزمت يسير
أتعلو علينا في المشارق أمة
وجدّك دل الشرق كيف يسير
حباه حياة في الحضارة جمة
يشير إليها العصر وهو فخور
وقد ترفع الأوطانَ للنجم همةُ
ويُرجع قوما للحياة شعور
ويبعث نورُ العلم شعبا تضمه
من المجهلات الحالكات قبور
ويمضي على حال ويأتي بضدها
زمان ظروف كله وأمور

لقد لامني يا هند في الحب لائم

لَقَد لامَني يا هِندُ في الحُبِّ لائِمٌ
مُحِبٌّ إِذا عُدَّ الصِحابُ حَبيبُ
فَما هُوَ بِالواشي عَلى مَذهَبِ الهَوى
وَلا هُوَ في شَرعِ الوِدادِ مُريبُ
وَصَفتُ لَهُ مَن أَنتِ ثُمَّ جَرى لَنا
حَديثٌ يَهُمُّ العاشِقينَ عَجيبُ
وَقُلتُ لَه صَبراً فَكُلُّ أَخي هَوى
عَلى يَدِ مَن يَهوى غَداً سَيَتوبُ

مصاب بني الدنيا عظيم بأدهم

مُصابُ بَني الدُنيا عَظيمٌ بِأَدهَمِ
وَأَعظَمُ مِنهُ حَيرَةُ الشِعرِ في فَمي
أَأَنطُقُ وَالأَنباءُ تَترى بِطَيِّبٍ
وَأَسكُتُ وَالأَنباءُ تَترى بِمُؤلِمِ
أَتَيتُ بِغالٍ في الثَناءِ مُنَضَّدٍ
فَمَن لي بِغالٍ في الرِثاءِ مُنَظَّمِ
عَسى الشِعرُ أَن يَجزي جَريئاً لِفَقدِهِ
بَكى التُركُ وَاليونانُ بِالدَمعِ وَالدَمِ
وَكَم مِن شُجاعٍ في العِداةِ مُكَرَّمٍ
وَكَم مِن جَبانٍ في اللِداتِ مُذَمَّمِ
وَهَل نافِعٌ جَريُ القَوافي لِغايَةٍ
وَقَد فَتَكَت دُهمُ المَنايا بِأَدهَمِ
رَمَت فَأَصابَت خَيرَ رامٍ بِها العِدى
وَما السَهمُ إِلّا لِلقَضاءِ المُحَتَّمِ
فَتىً كانَ سَيفَ الهِندِ في صورَةِ اِمرِئٍ
وَكانَ فَتى الفِتيانِ في مَسكِ ضَيغَمِ
لَحاهُ عَلى الإِقدامِ حُسّادُ مَجدِهِ
وَما خُلِقَ الإِقبالُ إِلّا لِمُقدِمِ
مُزَعزَعُ أَجيالٍ وَغاشي مَعاقِلٍ
وَقائِدُ جَرّارٍ وَمُزجي عَرمرَمِ
سَلوا عَنهُ ميلونا وَما في شِعابِهِ
وَفي ذِروَتَيهِ مِن نُسورٍ وَأَعظُمِ
لَيالِيَ باتَ الدينُ في غَيرِ قَبضَةٍ
وَزُلزِلَ في إيمانِهِ كُلُّ مُسلِمِ
وَقالَ أُناسٌ آخِرُ العَهدِ بِالمَلا
وَهَمَّت ظُنونٌ بِالتُراثِ المُقَسَّمِ
فَأَطلَعَ لِلإِسلامِ وَالمُلكِ كَوكَباً
مِنَ النَصرِ في داجٍ مِنَ الشَكِّ مُظلِمِ
وَرُحنا نُباهي الشَرقَ وَالغَربَ عِزَّةً
وَكُنّا حَديثَ الشامِتِ المُتَرَحِّمِ
مَفاخِرُ لِلتاريخِ تُحصى لِأَدهَمٍ
وَمَن يُقرِضِ التاريخَ يَربَح وَيَغنَمِ
أَلا أَيُّها الساعونَ هَل لَبِسَ الصَفا
سَواداً وَقَد غَصَّ الوُرودُ بِزَمزَمِ
وَهَل أَقبَلَ الرُكبانُ يَنعونَ خالِداً
إِلى كُلِّ رامٍ بِالجِمارِ وَمُحرِمِ
وَهَل مَسجِدٌ تَتلونَ فيهِ رِثاءَهُ
فَكَم قَد تَلَوتُم مَدحَهُ بِالتَرَنُّمِ
وَكانَ إِذا خاضَ الأَسِنَّةَ وَالظُبى
تَنَحَّت إِلى أَن يَعبُرَ الفارِسُ الكَمي
وَمَن يُعطَ في هَذي الدَنِيَّةِ فُسحَةً
يُعَمَّر وَإِن لاقى الحُروبَ وَيَسلَمِ
عَلِيٌّ أَبو الزَهراءِ داهِيَةُ الوَغى
دَهاهُ بِبابِ الدارِ سَيفُ اِبنِ مُلجَمِ
فَروقُ اِضحَكي وَاِبكي فَخاراً وَلَوعَةً
وَقومي إِلى نَعشِ الفَقيدِ المُعَظَّمِ
كَأُمِّ شَهيدٍ قَد أَتاها نَعيُّهُ
فَخَفَّت لَهُ بَينَ البُكا وَالتَبَسُّمِ
وَخُطّي لَهُ بَينَ السَلاطينِ مَضجَعاً
وَقَبراً بِجَنبِ الفاتِحِ المُتَقَدِّمِ
بَخِلتِ عَلَيهِ في الحَياةِ بِمَوكِبٍ
فَتوبي إِلَيهِ في المَماتِ بِمَأتَمِ
وَيا داءُ ما أَنصَفتَ إِذ رُعتَ صَدرَهُ
وَقَد كانَ فيهِ المُلكُ إِن ريعَ يَحتَمي
وَيا أَيُّها الماشونَ حَولَ سَريرِهِ
أَحَطتُم بِتاريخٍ فَصيحِ التَكَلُّمِ
وَيا مِصرُ مَن شَيَّعتِ أَعلى هَمامَةٍ
وَأَثبَتُ قَلباً مِن رَواسي المُقَطَّمِ
وَيا قَومُ هَذا مَن يُقامُ لِمِثلِهِ
مِثالٌ لِباغي قُدوَةٍ مُتَعَلِّمِ
وَيا بَحرُ تَدري قَدرَ مَن أَنتَ حامِلٌ
وَيا أَرضُ صونيهِ وَيا رَبّي اِرحَمِ

هنيئا أمير المؤمنين فإنما

هَنيئاً أَميرَ المُؤمِنينَ فَإِنَّما
نَجاتُكَ لِلدينِ الحَنيفِ نَجاةُ
هَنيئاً لِطَهَ وَالكِتابِ وَأُمَّةٍ
بَقاؤُكَ إِبقاءٌ لَها وَحَياةُ
أَخَذتَ عَلى الأَقدارِ عَهداً وَمَوثِقاً
فَلَستَ الَّذي تَرقى إِلَيهِ أَذاةُ
وَمَن يَكُ في بُردِ النَبِيِّ وَثَوبِهِ
تَجُزهُ إِلى أَعدائِهِ الرَمَياتُ
يَكادُ يَسيرُ البَيتُ شُكراً لِرَبِّهِ
إِلَيكَ وَيَسعى هاتِفاً عَرَفاتُ
وَتَستَوهِبُ الصَفحَ المَساجِدُ خُشَّعاً
وَتَبسُطُ راحَ التَوبَةِ الجُمُعاتُ
وَتَستَغفِرُ الأَرضُ الخَصيبُ وَما جَنَت
وَلَكِن سَقاها قاتِلونَ جُناةُ
وَتُثني مِنَ الجَرحى عَلَيكَ جِراحُهُم
وَتَأتي مِنَ القَتلى لَكَ الدَعَواتُ
ضَحِكتَ مِنَ الأَهوالِ ثُمَّ بَكَيتَهُم
بِدَمعٍ جَرَت في إِثرِهِ الرَحَماتُ
تُثابُ بِغاليهِ وَتُجزى بِطُهرِهِ
إِلى البَعثِ أَشلاءٌ لَهُم وَرُفاتُ
وَما كُنتَ تُحييهِم فَكِلهُم لِرَبِّهِم
فَما ماتَ قَومٌ في سَبيلِكَ ماتوا
رَمَتهُم بِسَهمِ الغَدرِ عِندَ صَلاتِهِم
عِصابَةُ شَرٍّ لِلصَلاةِ عُداةُ
تَبَرَّأَ عيسى مِنهُمُ وَصِحابِهِ
أَأَتباعُ عيسى ذي الحَنانِ جُفاةُ
يُعادونَ ديناً لا يُعادونَ دَولَةً
لَقَد كَذِبَت دَعوى لَهُم وَشُكاةُ
وَلا خَيرَ في الدُنيا وَلا في حُقوقِها
إِذا قيلَ طُلّابُ الحُقوقِ بُغاةُ
بِأَيِّ فُؤادٍ تَلتَقي الهَولَ ثابِتاً
وَما لِقُلوبِ العالَمينَ ثَباتُ
إِذا زُلزِلَت مِن حَولِكَ الأَرضُ رادَها
وَقارُكَ حَتّى تَسكُنَ الجَنَباتُ
وَإِن خَرَجَت نارٌ فَكانَت جَهَنَّماً
تُغَذّى بِأَجسادِ الوَرى وَتُقاتُ
وَتَرتَجُّ مِنها لُجَّةٌ وَمَدينَةٌ
وَتَصلى نَواحٍ حَرَّها وَجِهاتُ
تَمَشَّيتَ في بُردِ الخَليلِ فَخُضتَها
سَلاماً وَبُرداً حَولَكَ الغَمَراتُ
وَسِرتَ وَمِلءُ الأَرضِ أَدرُعٌ
وَدِرعُكَ قَلبٌ خاشِعٌ وَصَلاةُ
ضَحوكاً وَأَصنافُ المَنايا عَوابِسٌ
وَقوراً وَأَنواعُ الحُتوفِ طُغاةُ
يَحوطُكَ إِن خانَ الحُماةَ اِنتِباهُهُم
مَلائِكُ مِن عِندِ الإِلَهِ حُماةُ
تُشيرُ بِوَجهٍ أَحمَدِيٍّ مُنَوِّرٍ
عُيونُ البَرايا فيهِ مُنحَسِراتُ
يُحَيِّ الرَعايا وَالقَضاءُ مُهَلِّلٌ
يُحَييهِ وَالأَقدارُ مُعتَذِراتُ
نَجاتُكَ نُعمى لِلإِلَهِ سَنِيَّةٌ
لَها فيكَ شُكرٌ واجِبٌ وَزَكاةُ
فَصَيِّر أَميرَ المُؤمِنينَ ثَناءَها
مَآثِرَ تُحيِ الأَرضَ وَهيَ مَواتُ
إِذا لَم يَفُتنا مِن وُجودِكَ فائِتٌ
فَلَيسَ لِآمالِ النُفوسِ فَواتُ
بَلَوناكَ يَقظانَ الصَوارِمِ وَالقَنا
إِذا ضَيَّعَ الصيدَ المُلوكَ سُباتُ
سَهِرتَ وَلَذَّ النَومُ وَهوَ مَنِيَّةٌ
رَعايا تَوَلّاها الهَوى وَرُعاةُ
فَلَولاكَ مُلكُ المُسلِمينَ مُضَيَّعٌ
وَلَولاكَ شَملُ المُسلِمينَ شَتاتُ
لَقَد ذَهَبَت راياتُهُم غَيرَ رايَةٍ
لَها النَصرُ وَسمٌ وَالفُتوحُ شِياتُ
تَظَلُّ عَلى الأَيّامِ غَرّاءَ حُرَّةً
مُحَجَّلَةً في ظِلِّها الغَزَواتُ
حَنيفِيَّةٌ قَد عَزَّها وَأَعَزَّها
ثَلاثونَ مَلكاً فاتِحونَ غُزاةُ
حَماها وَأَسماها عَلى الدَهرِ مِنهُمُ
مُلوكٌ عَلى أَملاكِهِ سَرَواتُ
غَمائِمُ في مَحلِ السِنينِ هَواطِلٌ
مَصابيحُ في لَيلِ الشُكوكِ هُداةُ
تَهادَت سَلاماً في ذَراكَ مَطيفَةً
لَها رَغَباتُ الخَلقِ وَالرَهَباتُ
تَموتُ سِباعُ الجَوِّ غَرثى حِيالَها
وَتَحيا نُفوسُ الخَلقِ وَالمُهَجاتِ
سَنَنتَ اِعتِدالَ الدَهرِ في أَمرِ أَهلِهِ
فَباتَ رَضِيّاً في دَراكَ وَباتوا
فَأَنتَ غَمامٌ وَالزَمانُ خَميلَةٌ
وَأَنتَ سِنانٌ وَالزَمانُ قَناةُ
وَأَنتَ مِلاكُ السِلمِ إِن مادَ رُكنُهُ
وَأَشفَقَ قُوّامٌ عَلَيهِ ثُقاتُ
أَكانَ لِهَذا الأَمرِ غَيرُكَ صالِحٌ
وَقَد هَوَّنَتهُ عِندَكَ السَنَواتُ
وَمَن يَسُسِ الدُنيا ثَلاثينَ حِجَّةً
تُعِنهُ عَلَيها حِكمَةٌ وَأَناةُ
مَلَكتَ أَميرَ المُؤمِنينَ اِبنَ هانِئٍ
بِفَضلٍ لَهُ الأَلبابُ مُمتَلَكاتُ
وَمازِلتُ حَسّانَ المَقامِ وَلَم تَزَل
تَليني وَتَسري مِنكَ لي النَفَحاتُ
زَهِدتُ الَّذي في راحَتَيكَ وَشاقَني
جَوائِزُ عِندَ اللَهِ مُبتَغَياتُ
وَمَن كانَ مِثلي أَحمَدَ الوَقتِ لَم تَجُز
عَلَيهِ وَلَو مِن مِثلِكَ الصَدَقاتُ
وَلي دُرَرُ الأَخلاقِ في المَدحِ وَالهَوى
وَلِلمُتَنَبّي دُرَّةٌ وَحَصاةُ
نَجَت أُمَّةٌ لَمّا نَجَوتَ وَدورِكَت
بِلادٌ وَطالَت لِلسَريرِ حَياةُ
وَصينَ جَلالُ المُلكِ وَاِمتَدَّ عِزُّهُ
وَدامَ عَلَيهِ الحُسنُ وَالحَسَناتُ
وَأُمِّنَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
يَتامى عَلى أَقواتِهِم وَعُفاةُ
سَلامِيَ عَن هَذا المَقامِ مُقَصِّرٌ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَالبَرَكاتُ

لقد لامني يا هند في الحب لائم

لقد لامني يا هند في الحب لائم
محب إذا عُدّ الصحاب حبيب
فما هو بالواشي على مذهب الهوى
ولا هو في شرع الغرام مريبُ
وصفت له من أنتِ ثم جرى لنا
حديثٌ يهمُ العاشقين عجيبُ
وقلت له صبراً فكل أخي هوى
على يد من يهواه سوف يتوب

بني القبط إخوان الدهور رويدكم

بَني القِبطِ إِخوانُ الدُهورِ رُوَيدَكُم
هَبوهُ يَسوعاً في البَرِيَّةِ ثانِيا
حَمَلتُم لِحِكمِ اللَهِ صَلبَ اِبنِ مَريَمٍ
وَهَذا قَضاءُ اللَهِ قَد غالَ غالِيا
سَديدُ المَرامي قَد رَماهُ مُسَدِّدٌ
وَداهِيَةُ السُوّاسِ لاقى الدَواهِيا
وَوَاللَهِ أَو لَم يُطلِقِ النارَ مُطلِقٌ
عَلَيهِ لَأَودى فَجأَةً أَو تَداوِيا
قَضاءٌ وَمِقدارٌ وَآجالُ أَنفُسٍ
إِذا هِيَ حانَت لَم تُؤَخَّر ثَوانِيا
نَبيدُ كَما بادَت قَبائِلُ قَبلَنا
وَيَبقى الأَنامُ اِثنَينِ مَيتاً وَناعِيا
تَعالَوا عَسى نَطوي الجَفاءَ وَعَهدَهُ
وَنَنبِذُ أَسبابَ الشِقاقِ نَواحِيا
أَلَم تَكُ مِصرٌ مَهدَنا ثُمَّ لَحدَنا
وَبَينَهُما كانَت لِكُلٍّ مَغانِيا
أَلَم نَكُ مِن قَبلِ المَسيحِ اِبنِ مَريَمٍ
وَموسى وَطَهَ نَعبُدُ النيلَ جارِيا
فَهَلّا تَساقَينا عَلى حُبِّهِ الهَوى
وَهَلّا فَدَيناهُ ضِفافاً وَوادِيا
وَما زالَ مِنكُم أَهلُ وُدٍّ وَرَحمَةٍ
وَفي المُسلِمينَ الخَيرُ ما زالَ باقِيا
فَلا يَثنِكُم عَن ذِمَّةٍ قَتلُ بُطرُسٍ
فَقِدماً عَرَفنا القَتلَ في الناسِ فاشِيا

تفديك يا مكس الجياد الصلادم

تفَدّيكَ يا مَكسُ الجِيادُ الصَلادِمُ
وَتَفدي الأساةُ النُطسُ مَن أَنتَ خادِمُ
كَأَنَّكَ إِن حارَبتَ فَوقَكَ عَنتَرٌ
وَتَحتَ اِبنِ سينا أَنتَ حينَ تُسالِمُ
سَتُجزى التَماثيلَ الَّتي لَيسَ مِثلُها
إِذا جاءَ يَومٌ فيهِ تُجزى البَهائِمُ
فَإِنَّكَ شَمسٌ وَالجِيادُ كَواكِبٌ
وَإِنَّكَ دينارٌ وَهُنَّ الدَراهِمُ
مِثالٌ بِساحِ البَرلَمانِ مُنَصَّبٌ
وَآخَرُ في بارِ اللِوا لَكَ قائِمُ
وَلا تَظفَرُ الأَهرامُ إِلّا بِثالِثٍ
مَزاميرُ داوُدٍ عَلَيهِ نَواغِمُ
وَكَم تَدَّعي السودانَ يا مَكسُ هازِلاً
وَما أَنتَ مُسَوَّدٌ وَلا أَنتَ قاتِمُ
وَما بِكَ مِمّا تُبصِرُ العَينُ شُبهَةٌ
وَلَكِن مَشيبٌ عَجَّلَتهُ العَظائِمُ
كَأَنَّكَ خَيلُ التُركِ شابَت مُتونُها
وَشابَت نَواصيها وَشابَ القَوائِمُ
فَيا رُبَّ أَيّامٍ شَهِدتَ عَصيبَةٍ
وَقائِعُها مَشهورَةٌ وَالمَلاحِمُ

لقد صفعوه صفعة جل شأنها

لقد صفعوه صفعة جل شأنها
وأعيا على حذق الطبيب علاجها
ولو أتبعوا صفعا بصفع لأحسنوا
وزان اللآلى في النحور ازدواجها

نجدد ذكرى عهدكم ونعيد

نُجَدِّدُ ذِكرى عَهدِكُم وَنُعيدُ
وَنُدني خَيالَ الأَمسِ وَهوَ بَعيدُ
وَلِلناسِ في الماضي بَصائِرُ يَهتَدي
عَلَيهِنَّ غاوٍ أَو يَسيرُ رَشيدُ
إِذا المَيتُ لَم يَكرُم بِأَرضٍ ثَناؤُهُ
تَحَيَّرَ فيها الحَيُّ كَيفَ يَسودُ
وَنَحنُ قُضاةُ الحَقِّ نَرعى قَديمَهُ
وَإِن لَم يَفُتنا في الحُقوقِ جَديدُ
وَنَعلَمُ أَنّا في البِناءِ دَعائِمٌ
وَأَنتُم أَساسٌ في البِناءِ وَطيدُ
فَريدُ ضَحايانا كَثيرٌ وَإِنَّما
مَجالُ الضَحايا أَنتَ فيهِ فَريدُ
فَما خَلفَ ما كابَدتَ في الحَقِّ غايَةٌ
وَلا فَوقَ ما قاسَيتَ فيهِ مَزيدُ
تَغَرَّبتَ عَشراً أَنتَ فيهنَّ بائِسٌ
وَأَنتَ بِآفاقِ البِلادِ شَريدُ
تَجوعُ بِبُلدانٍ وَتَعرى بِغَيرِها
وَتَرزَحُ تَحتَ الداءِ وَهوَ عَتيدُ
أَلا في سَبيلِ اللَهِ وَالحَقِّ طارِفٌ
مِنَ المالِ لَم تَبخَل بِهِ وَتَليدُ
وَجودُكَ بَعدَ المالِ بِالنَفسِ صابِراً
إِذا جَزعَ المَحضورُ وَهوَ يَجودُ
فَلا زِلتَ تِمثالاً مِنَ الحَقِّ خالِصاً
عَلى سِرِّهِ نَبني العُلا وَنَشيدُ
يُعلِمُ نَشءَ الحَيِّ كَيفَ هَوى الحِمى
وَكَيفَ يُحامي دونَهُ وَيَذودُ