لنا رقيب كان ما أثقله

لنا رقيب كان ما أثقله
الحمد لله الذي رحله
لو ابتلى الله به عاشقا
مات به لا بالجوى والوله
لو دام للصحف ودامت له
لم تنج منه الصحف المنزله
إذا رأي الباطل غالى به
وإن بدا الحق له أبطله
لو خال بسم الله في مصحف
تغضب تحسينا محا البسلمه
وعزة الله بلا عزت
لا تنفع القارى ولا خردله
جرائد الترك على عهده
كانت بلا شأن ولا منزله
إن تذكر الخنجر لفظا تصب
من شدّة الذعر به مقتله
وإن تصف قنبلة لم ينم
من هول ذكرى حادث القنبله
الشر بالشر فيا قوم لا
إثم إذا راقبتمو منزله
فحاصروا الأبواب واستوقفوا
من أخرج الزاد ومن أدخله
إن كان في السلة تفاحة
ضعوا له موضعها حنظله
أو جيء بالشرشر له فاملأوا
مكانها من علقم جردله
أو اشتهى الأبيض من ملبس
قولوا له الأسود ما أجمله
ذلك يا قوم جزاء امرئ
كم غَيَّر الحق وكم بدّله

هل تيم البان فؤاد الحمام

هَل تَيَّمَ البانُ فُؤادَ الحَمام
فَناحَ فَاِستَبكى جُفونَ الغَمام
أَم شَفَّهُ ما شَفَّني فَاِنثَنى
مُبَلبَلَ البالِ شَريدَ المَنام
يَهُزُّهُ الأَيكُ إِلى إِلفِهِ
هَزَّ الفِراشِ المُدنَفَ المُسَتهام
وَتوقِدُ الذِكرى بِأَحشائِهِ
جَمراً مِنَ الشَوقِ حَثيثَ الضِرام
كَذَلِكَ العاشِقُ عِندَ الدُجى
يا لِلهَوى مِمّا يُثيرُ الظلام
لَهُ إِذا هَبَّ الجَوى صَرعَةٌ
مِن دونِها السِحرُ وَفِعلُ المُدام
يا عادِيَ البَينِ كَفى قَسوَةً
رَوَّعتَ حَتّى مُهَجاتِ الحَمام
تِلكَ قُلوبُ الطَيرِ حَمَّلتَها
ما ضَعُفَت عَنهُ قُلوبُ الأَنام
لا ضَرَبَ المَقدورُ أَحبابَنا
وَلا أَعادينا بِهَذا الحُسام
يا زَمَنَ الوَصلِ لَأَنتَ المُنى
وَلِلمُنى عِقدٌ وَأَنتَ النِظام
لِلَّهِ عَيشٌ لي وَعَيشٌ لَها
كُنتَ بِهِ سَمحاً رَخِيَّ الزِمام
وَأُنسُ أَوقاتٍ ظَفِرنا بِها
في غَفلَةِ الأَيّامِ لَو دُمتَ دام
لَكِنَّهُ الدَهرُ قَليلُ الجَدى
مُضَيَّعُ العَهدِ لَئيمُ الذِمام
لَو سامَحَتنا في السَلامِ النَوى
لَطالَ حَتّى الحَشرِ ذاكَ السَلام
وَلَاِنقَضى العُمرانُ في وَقفَةٍ
نَسلو بِها الغُمضَ وَنَسلو الطَعام
قالَت وَقَد كادَ يَميدُ الثَرى
مِن هَدَّةِ الصَبرِ وَهَولِ المَقام
وَغابَتِ الأَعيُنُ في دَمعِها
وَنالَتِ الأَلسُنُ إِلّا الكَلام
يا بَينُ وَلّى جَلَدي فَاِتَّئِد
وَيا زَماني بَعضُ هَذا حَرام
فَقُلتُ وَالصَبرُ يُجاري الأَسى
وَاللُبُّ مَأخوذٌ وَدَمعي اِنسِجام
إِن كانَ لي عِندَكَ هَذا الهَوى
بِأَيِّما قُلتُ كَتَمتُ الغَرام

أشرق عباس على شعبه

أشرق عباس على شعبه
كأنه المأمون في ركبه
زار رعاياه فأغناهم
عن زورة الغيث وعن خصبه
واستبشر القطر فأهلوه في
أمنٍ مِن العام ومِن جدبه
مرّبهم والأرض في جنة
ربيعها يختال من عجبه
فزادها طيبا على طيبها
وزادهم يسرا فأهلا به
ماجت دمنهو بسكانها
وهزها الشوق إلى قربه
فأقبلت تسعى إلى حضرة
ما إن لها في البر من مشبه
ترجو قبولا علها ترتوى
من مورد تهفو إلى عذبه
يا لابس التاجين عش سالما
ترعاك عين الله من حجبه

قد سمع الثعلب أهل القرى

قَد سَمِعَ الثَعلَبُ أَهلَ القُرى
يَدعونَ مُحتالاً بِيا ثَعلَبُ
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ غايَةٌ
في الفَخرِ لا تُؤتى وَلا تُطلَبُ
مَن في النُهى مِثلِيَ حَتّى الوَرى
أَصبَحتُ فيهِم مَثَلاً يُضرَبُ
ما ضَرَّ لَو وافَيتُهُم زائِراً
أُريهُمُ فَوقَ الَّذي اِستَغرَبوا
لَعَلَّهُم يُحيونَ لي زينَةً
يَحضُرُها الديكُ أَوِ الأَرنَبُ
وَقَصَدَ القَومَ وَحَيّاهُمُ
وَقامَ فيما بَينَهُم يَخطُبُ
فَأُخِذَ الزائِرُ مِن أُذنِهِ
وَأُعطِيَ الكَلبَ بِهِ يَلعَبُ
فَلا تَثِق يَوماً بِذي حيلَةٍ
إِذ رُبَّما يَنخَدِعُ الثَعلَبُ

بثثت شكواي فذاب الجليد

بَثَثتُ شَكوايَ فَذابَ الجَليدُ
وَأَشفَقَ الصَخرُ وَلانَ الحَديد
وَقَلبُكَ القاسي عَلى حالِهِ
هَيهاتَ بَل قَسوَتُهُ لي تَزيد

يا ليلة سميتها ليلتي

يا ليلة سميتها ليلتي
لأنها بالناس ما مرت
الموت عجلان إلى ولدى
والوضع مستعص على زوجتي
هذا فتى يُبكى على موته
وهذه في أوّل النشأة
والقلب ما بينهما حائر
من بلدة يسرى إلى بلدة
حتى أتى الصبح فولى أبي
وأقبلت بعد العناء إبنتي
فقلت أحكامك حرنا لها
يا مخرج الحىّ من الميت

بات المعنى والدجى يبتلى

بات المعنّى والدجى يبتلى
والبرح لا وانٍ ولا منجلي
والشهب في كل سبيل له
بموقف اللُّوّام والعذل
إذا رعاها ساهيا ساهرا
رعينه بالحدق الغفّل
يا ليل قد جرت ولم تعدل
ما أنت يا أسود إلا خلى
تالله لو حكِّمت في الصبح أن
تفعل خفت الله لم تفعل
أو طلت سيفا في جيوش الضحى
ما كنت للأعداء ما أنت لي
أبيت أشقى ويدير الجوى
والكأس لا تفنى ولا تمتلي
والخدّ من دمعي ومن فيضه
يشرب من عين ومن جدول
والشوق نار في رماد الأسى
والفكر يذكي والحشا يصطلى
والقلب قوّام على أضلعي
كأنه الناقوس في الهيكل
غدت برب النفس من شِقوتي
وبالركاب الأسعد المقبل
أهلا برب النيل رب القرى
رب البطاح الكثر مما يلى
الجامع العرشين في واحد
واللابس التاجين في المحفل
والساحب الذيل على عصره
على ملوك الزمن الأوّل
أهلا بمولانا وسهلا به
ومرحبا بالسيد المفضل
الممتطى متن السها عزة
فلو أشار الدهر لم ينزل
المنعم المجزل عن نفسه
عن جدّه عن جدّه المجزل
الجاعل الأمة من عدله
والفضل بين الظل والمنهل
عاصمة النيل أزدهِى وأنجلي
واتخِذي اليوم صنوف الحلى
واستعرضي الخيل ومدّى الع
يد بالجحفل فالجحفل
وأنت يا قصر ابتهج وابتهل
وأهد الملا بالعلم المرسل
وأزلف الوفد إلى ربهم
وظلل السدّة واظّلل
ويا بني مصر أهرعوا وأضرعوا
بحفظ مولى مصر والموئل
هذا لكم وجه الندى والهدى
فاستقبلوه خير مستقبل

ما وصل من تهوى على أنسة

ما وصل من تهوى على أنسةٍ
بالبدر في ظل الربيع الظليل
على بساط نسجته الربى
شتى الحُلَى والوشى غض طليل
أبدى الرياحين وأهدى الشذا
وجر أذيال النسيم العليل
واستضحك الماءُ فهاج البكى
في كل خدر لبنات الهديل
بالمجلس الممتع ما لم تزد
فيه ابنةَ الكرم وشعرَ الخليل
شعر جرى من جنبات الصّبا
يا طيب واديه وطيب المسيل
فيه روايات الصِّبا والهوى
تسلسلت أشهى من السلسبيل
قد صانها الشاعر عن حُلوةٍ
في مفضلٍ أو مرة في بخيل
شيبوب ديوانك باكورة
وفجرك الأوّل نور السبيل
الشعر صنفان فباق على
قائله أو ذاهب يوم قيل
ما فيه عصرىّ ولا دارس
الدهر عمر للقريض الأصيل
لفظ ومعنى هو فاعمد إلى
لفظٍ شريف أو لمعنى نبيل
واخلُق إذا ما كنت ذا قدرة
رُبَّ خيال يخلق المستحيل
ما رفَع القالة أو حطهم
إلا خيال جامد أو منيل
من يصف الإِبل يصف ناقة
طارت بهم وارتفعت ألف ميل
سائل بنى عصرك هل منهم
من لبس الإكليل بعد الكليل
وأيهم كالمتنبى آمرؤ
صوّاغ أمثالٍ عزيزُ المثيل
والله ما موسِّى وليلاته
وما لمرتين ولا جِيرزِيل
أحق بالشعر ولا بالهوى
من قيسٍ المجنونِ أو من جميل
قد صوّرا الحب وأحداثه
في القلب من مستصغر أو جليل
تصوير من تبقى دُمى شعره
في كل دهر وعلى كل جيل

كنيسة صارت إلى مسجد

كَنيسَةٌ صارَت إِلى مَسجِدِ
هَدِيَّةُ السَيِّدِ لِلسَيِّدِ
كانَت لِعيسى حَرَماً فَاِنتَهَت
بِنُصرَةِ الروحِ إِلى أَحمَدِ
شَيَّدَها الرومُ وَأَقيالُهُمُ
عَلى مِثالِ الهَرَمِ المُخلَدِ
تُنبِئُ عَن عِزٍّ وَعَن صَولَةٍ
وَعَن هَوىً لِلدينِ لَم يَخمُدِ
مَجامِرُ الياقوتِ في صَحنِها
تَملُؤُهُ مِن نَدِّها الموقَدِ
وَمِثلُ ما قَد أودِعَت مِن حُلىً
لَم تَتَّخِذ داراً وَلَم تُحشَدِ
كانَت بِها العَذراءُ مِن فَضَّةٍ
وَكانَ روحُ اللَهِ مِن عَسجَدِ
عيسى مِنَ الأُمِّ لَدى هالَةٍ
وَالأُمُّ مِن عيسى لَدى فَرقَدِ
جَلّاهُما فيها وَحَلّاهُما
مُصَوِّرُ الرومِ القَديرُ اليَدِ
وَأَودَعَ الجُدرانَ مِن نَقشِهِ
بَدائِعاً مِن فَنِّهِ المُفرَدِ
فَمِن مَلاكٍ في الدُجى رائِحٍ
عِندَ مَلاكٍ في الضُحى مُغتَدي
وَمِن نَباتٍ عاشَ كَالبَبَّغا
وَهوَ عَلى الحائِطِ غَضٌّ نَدي
فَقُل لِمَن شادَ فَهَدَّ القُوى
قُوى الأَجيرِ المُتعَبِ المُجهَدِ
كَأَنَّهُ فِرعَونُ لَمّا بَنى
لِرَبِّهِ بَيتاً فَلَم يَقصِدِ
أَيُعبَدُ اللَهُ بِسَومِ الوَرى
ما لا يُسامُ العَيرُ في المِقوَدِ
كَنيسَةٌ كَالفَدَنِ المُعتَلي
وَمَسجِدٌ كَالقَصرِ مِن أَصيَدِ
وَاللَهُ عَن هَذا وَذا في غِنىً
لَو يَعقِلُ الإِنسانُ أَو يَهتَدي
قَد جاءَها الفاتِحُ في عُصبَةٍ
مِنَ الأُسودِ الرُكَّعِ السُجَّدِ
رَمى بِهِم بُنيانَها مِثلَما
يَصطَدِمُ الجَلمَدُ بِالجَلمَدِ
فَكَبَّروا فيها وَصَلّى العِدا
وَاِختَلَطَ المَشهَدُ بِالمَشهَدِ
وَما تَوانى الرومُ يَفدونَها
وَالسَيفُ في المُفدِيِّ وَالمُفتَدي
فَخانَها مِن قَيصَرٍ سَعدُهُ
وَأُيِّدَت بِالقَيصَرِ الأَسعَدِ
بِفاتِحٍ غازٍ عَفيفِ القَنا
لا يَحمِلُ الحِقدَ وَلا يَعتَدي
أَجارَ مَن أَلقى مَقاليدَهُ
مِنهُم وَأَصفى الأَمنَ لِلمُرتَدي
وَنابَ عَمّا كانَ مِن زُخرُفٍ
جَلالَةُ المَعبودِ في المَعبَدِ
فَيا لِثَأرٍ بَينَنا بَعدَهُ
أَقامَ لَم يَقرُب وَلَم يَبعُدِ
باقٍ كَثَأرِ القُدسِ مِن قَبلِهِ
لا نَنتَهي مِنهُ وَلا يَبتَدي
فَلا يَغُرَّنكَ سُكونُ المَلا
فَالشَرُّ حَولَ الصارِمِ المُغمَدِ
لَن يَترُكَ الرومُ عِباداتِهِم
أَو يَنزِلَ التُركُ عَنِ السُؤدَدِ
هَذا لَهُم بَيتٌ عَلى بَيتِهِم
ما أَشبَهَ المَسجِدَ بِالمَسجِدِ
فَإِن يُعادوا في مَفاتيحِهِ
فَيا لِيَومٍ لِلوَرى أَسوَدِ
يَشيبُ فيهِ الطِفلُ في مَهدِهِ
وَيُزعَجُ المَيتُ مِنَ الَمرقَدِ
فَكُن لَنا اللَهُمَّ في أَمسِنا
وَكُن لَنا اليَومَ وَكُن في غَدِ
لَولا ضَلالٌ سابِقٌ لَم يَقُم
مِن أَجلِكَ الخَلقُ وَلَم يَقعُدِ
فَكُلُّ شَرٍّ بَينَهُم أَو أَذى
أَنتَ بَراءٌ مِنهُ طُهرُ اليَدِ

لولا الليالي ما حملنا القذى

لولا الليالي ما حملنا القذى
ليتك عنا يا ليالي نيام
هبِك حميِت النفس أن تشتكي
لن تمنعيها أن تمج اللئام
نرحو بحلمي أن سنعلو وأن
تبقى معاليا ليوم القيام
وأن نصون الحق عن معشر
قد كتموا الحق وظنوا اكتتام
لعل أن ينصر من نصره ال
نصر ومن يرجى به الانتقام