أحمدك الله وأطري الأنبياء

أَحمُدُكَ اللَهَ وَأُطري الأَنبِياء
مَصدَرَ الحِكمَةِ طُرّاً وَالضِياء
وَلَهُ الشُكرُ عَلى نُعمى الوُجود
وَعَلى ما نِلتُ مِن فَضلٍ وَجود
اُعبُدِ اللَهَ بِعَقلٍ يا بُنَيَّ
وَبِقَلبٍ مِن رَجاءِ اللَهِ حَي
اُرجُهُ تُعطَ مَقاليدَ الفَلَك
وَاِخشَهُ خَشيَةَ مَن فيهِ هَلَك
اُنظُرِ المُلكَ وَأَكبِر ما خَلَق
وَتَمَتَّع فيهِ مِن خَيرٍ رَزَق
أَنتَ في الكَونِ مَحَلُّ التَكرِمَه
كُلُّ شَيءٍ لَكَ عَبدٌ أَو أَمَه
سُخِّرَ العالَمُ مِن أَرضٍ وَماء
لَكَ وَالريحُ وَما تَحتَ السَماء
اُذكُرِ الآيَةَ إِذ أَنتَ جَنين
لَكَ في الظُلمَةِ لِلنورِ حَنين
كُلَّ يَومٍ لَكَ شَأنٌ في الظُلَم
حارَ فيهِ كُلُّ بُقراطٍ عَلَم
كانَ في جَنبِكَ شَيءٌ مِن عَلَقَ
حينَ مَسَّتهُ يَدُ اللَهِ خَفَق
صارَ حِسّاً وَحَياةً بَعدَما
كانَ في الأَضلاعِ لَحماً وَدَما
دَقَّ كَالناقوسِ وَسطَ الهَيكَل
في اِنتِفاضٍ كَاِنتِفاضِ البُلبُل
قُل لِمَن طَبَّبَ أَو مَن نَجَّما
صَنعَةُ اللَهِ وَلَكِن زِغتُما
آمِنا بِاللَهِ إيمانَ العَجوز
إِنَّ غَيرَ اللَهِ عَقلاً لا يَجوز
أَيُّها الطالِبُ لِلعِلمِ اِستَمِع
خَيرَ ما في طَلَبِ العِلمِ جُمِع
هُوَ إِن أوتيتَهُ أَسنى النِعَم
هَل تَرى الجُهّالَ إِلّا كَالنَعَم
اُطلُبِ العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا
لِظُهورٍ باطِلٍ بَينَ المَلا
عِندَ أَهلِ العِلمِ لِلعِلمِ مَذاق
فَإِذا فاتَكَ هَذا فَاِفتِراق
طَلَبُ المَحرومِ لِلعِلمِ سُدى
لَيسَ لِلأَعمى عَلى الضَوءِ هُدى
فَإِذا فاتَكَ تَوفيقُ العَليم
فَاِمتَنِع عَن كُلِّ تَحصيلٍ عَقيم
وَاِطلُبِ الرِزقَ هُنا أَو هَهُنا
كَم مَعَ الجَهلِ يَسارٌ وَغِنى
كُلُّ ما عَلَّمَكَ الدَهرُ اِعلَمِ
التَجاريبُ عُلومُ الفَهِمِ
إِنَّما الأَيّامُ وَالعَيشُ كِتاب
كُلَّ يَومٍ فيهِ لِلعِبرَةِ باب
إِن رُزِقتَ العِلمَ زِنهُ بِالبَيان
ما يُفيدُ العَقلُ إِن عَيَّ اللِسان
كَم عَليمٍ سَقَطَ العِيُّ بِهِ
مُظلِمٌ لا تَهتَدي في كُتبِهِ
وَأَديبٍ فاتَهُ العِلمُ فَما
جاءَ بِالحِكمَةِ فيما نَظَما
إِنَّ لِلعِلمِ جَميعاً فَلسَفَه
مَن تَغِب عَنهُ تَفُتهُ المَعرِفَه
اِقرَإِ التاريخَ إِذ فيهِ العِبَر
ضاعَ قَومٌ لَيسَ يَدرونَ الخَبَر
كُن إِلى المَوتِ عَلى حُبِّ الوَطَن
مَن يَخُن أَوطانَهُ يَوماً يُخَن
وَطَنُ المَرءِ جَماهُ المُفتَدى
يَذكُرُ المِنَّةَ مِنهُ وَاليَدا
قَد عَرَفتَ الدارَ وَالأَهلَ بِهِ
كُلُّ حُبٍّ شُعبَةٌ مِن حُبِّهِ
هُوَ مَحبوبُكَ بادٍ مُحتَجِب
يَعرِفُ الشَوقَ لَهُ مَن يَغتَرِب
لَكَ مِنهُ في الصِبا مَهدٌ رَحيم
فَإِذا وُريتَ فَالقَبرُ الكَريم
كَم عَزيزٍ عِندَكَ اِستَودَعتَهُ
وَعُهودٍ بَعدَكَ اِستَرعَيتَهُ
وَدَفينٍ لَكَ فيهِ كَرُما
تَذرِفُ الدَمعَ لِذِكراهُ دَما
كُن نَشيطاً عامِلاً جَمَّ الأَمَل
إِنَّما الصِحَّةُ وَالرِزقُ العَمَل
كُلُّ ما أَتقَنتَ مَحبوبٌ وَجيه
مُتقَنُ الأَعمالِ سِرُّ اللَهِ فيه
يُقبِلُ الناسُ عَلى الشَيءِ الحَسَن
كُلُّ شَيءٍ بِجَزاءٍ وَثَمَن
اِنظُرِ الآثارَ ما أَزيَنَها
قَد حَباها الخُلدَ مَن أَتقَنَها
تِلكَ آثارُ بَني مِصرَ الأُوَل
أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى في الجُعَل
أَيُّها التاجِرُ بُلِّغتَ الأَرَب
طالِعُ التاجِرِ في حُسنِ الأَدَب
بابُ حانوتِكَ بابُ الرازِقِ
لا تُفارِق بابَهُ أَو فارِقِ
وَاِحتَرِم في بابِهِ مَن دَخَلا
كُلُّهُم مِنهُ رَسولٌ وَصَلا
تاجِرُ القَومِ صَدوقٌ وَأَمين
لَفظَةٌ مِن فيهِ لِلقَومِ يَمين
إِنَّ لِلإِقدامِ ناساً كَالأُسُد
فَتَشَبَّه إِنَّ مَن يُقدِم يَسُد
مِنهُمو كُلُّ فَتىً سادَ وَشاد
مِنهُمو إِسكَندَرٌ وَاِبنُ زِياد
وَشُجاعُ النَفسِ مِنهُم في الكُروب
كَشُجاعِ القَلبِ في وَقتِ الحُروب
وابِلٌ سُقراطُ وَالشُجعانُ طَل
إِنَّما مَن يَنصُرُ الحَقَّ البَطَل
هُم جَمالُ الدَهرِ حيناً بَعدَ حين
مِن غُزاةٍ أَو دُعاةٍ مُصلِحين
لَهُمُ مِن هَيبَةٍ عِندَ الأُمَم
ما لِراعي غَنَمٍ عِندَ الغَنَم
قُل إِذا خاطَبتَ غَيرَ المُسلِمين
لَكُمو دينٌ رَضيتُم وَلِيَ دين
خَلِّ لِلدَيّانِ فيهِم شانَهُ
إِنَّهُ أَولى بِهِم سُبحانَهُ
كُلُّ حالٍ صائِرٌ يَوماً لِضِدّ
فَدَعِ الأَقدارَ تجري وَاِستَعَدّ
فَلَكٌ بِالسَعدِ وَالنَحسِ يَدور
لا تُعارِض أَبَداً مَجرى الأُمور
قُل إِذا شِئتَ صُروفٌ وَغِيَر
وَإِذا شِئتَ قَضاءٌ وَقَدَر
وَاِعمَلِ الخَيرَ فَإِن عِشتَ لَقي
طَيِّبَ الحَمدِ وَإِن مُتَّ بَقي
مَن يَمُت عَن مِنَّةٍ عِندَ يَتيم
فَرَحيمٌ سَوفَ يُجزى مِن رَحيم
كُن كَريماً إِن رَأى جُرحاً أَسا
وَتَعَهَّد وَتَوَلَّ البُوَسا
وَاِسخُ في الشِدَّةِ وَاِزدَد في الرَخاء
كُلُّ خُلقٍ فاضِلٍ دونَ السَخاء
فَبِهِ كُلُّ بَلاءٍ يُدفَعُ
لَستَ تَدري في غَدٍ ما يَقَعُ
جامِلِ الناسَ تَحُز رِقَّ الجَميع
رُبَّ قَيدٍ مِن جَميلٍ وَصَنيع
عامِلِ الكُلَّ بِإِحسانٍ تُحَب
فَقَديماً جَمَّلَ المَرءَ الأَدَب
وَتَجَنَّب كُلَّ خُلقٍ لَم يَرُق
إِنَّ ضيقَ الرِزقِ مِن ضيقِ الخُلُق
وَتَواضَع في اِرتِفاعٍ تُعتَبَر
فَهُما ضِدّانِ كِبَرٌ وَكِبَر
كُلُّ حَيٍّ ما خَلا اللَهَ يَموت
فَاِترُكِ الكِبرَ لَهُ وَالجَبَروت
وَأَرِح جَنبَكَ مِن داءِ الحَسَد
كَم حَسودٍ قَد تَوَفّاهُ الكَمَد
وَإِذا أُغضِبتَ فَاِغضَب لِعَظيم
شَرَفٍ قَد مُسَّ أَو عِرضٍ كَريم
وَتَجَنَّب في الصَغيراتِ الغَضَب
إِنَّهُ كَالنارِ وَالرُشدُ الَحطَب
اِطلُبِ الحَقَّ بِرِفقٍ تُحمَدِ
طالِبُ الحَقِّ بِعُنفٍ مُعتَدِ
وَاِعصِ في أَكثَرِ ما تَأتي الهَوى
كَم مُطيعٍ لِهَوى النَفسِ هَوى
اُذكُرِ المَوتَ وَلا تَفزَع فَمَن
يَحقِرِ المَوتَ يَنَل رِقَّ الزَمَن
أَحبِبِ الطِفلَ وَإِن لَم يَكُ لَك
إِنَّما الطِفلُ عَلى الأَرضِ مَلَك
هُوَ لُطفُ اللَهِ لَو تَعلَمُهُ
رَحِمَ اللَهُ اِمرَءاً يَرحَمُهُ
عَطفَةٌ مِنهُ عَلى لُعبَتِهِ
تُخرِجُ المَحزونَ مِن كُربَتِهِ
وَحَديثٌ ساعَةَ الضيقِ مَعَه
يَملَلأُ العَيشَ نَعيماً وَسَعَه
يا مُديمَ الصَومِ في الشَهرِ الكَريم
صُم عَنِ الغيبَةِ يَوماً وَالنَميم
وَإِذا صَلَّيتَ خَف مَن تَعبُدُ
كَم مُصَلٍّ ضَجَّ مِنهُ المَسجِدُ
وَاِجعَلِ الحَجَّ إِلى أُمِّ القُرى
غِبَّ حَجٍّ لِبُيوتِ الفُقَرا
هَكَذا طَهَ وَمَن كانَ مَعَه
مِن وَقارِ اللَهِ أَلّا تَخدَعَه
وَتَسَمَّح وَتَوَسَّع في الزَكاه
إِنَّها مَحبوبَةٌ عِندَ الإِلَه
فَرَضَ البِرَّ بِها فَرضُ حَكيم
فَإِذا ما زِدتَ فَاللَهُ كَريم
لَيسَ لي في طِبِّ جالينوسَ باع
بَيدَ أَنَّ العَيشَ دَرسٌ وَاِطِّلاع
اِحذَرِ التُخمَةَ إِن كُنتَ فَهِم
إِنَّ عِزرائيلَ في حَلقِ النَهِم
وَاِتَّقِ البَردَ فَكَم خَلقٍ قَتَل
مَن تَوَقّاهُ اِتَّقى نِصفَ العِلَل
اِتَّخِذ سُكناكَ في تَلقِ الجَواء
بَينَ شَمسٍ وَنَباتٍ وَهَواء
خَيمَةٌ في البيدِ خَيرٌ مِن قُصور
تَبخَلُ الشَمسُ عَلَيها بِالمُرور
في غَدٍ تَأوي إِلى قَفرٍ حَلِك
يَستَوي الصُعلوكُ فيهِ وَالمَلِك
وَاِترُكِ الخَمرَ لِمَشغوفٍ بِها
لا يَرى مَندوحَةً عَن شُربِها
لا تُنادِم غَيرَ مَأمونٍ كَريم
إِنَّ عَقلَ البَعضِ في كَفِّ النَديم
وَعَنِ المَيسِرِ ما اِسطَعتَ اِبتَعِد
فَهوَ سُلُّ المالِ بَل سُلُّ الكَبِد
وَتَعَشَّق وَتَعَفَّف وَاِتَّقِ
مادَرى اللَذَّةَ مَن لَم يَعشَقِ

ردت الروح على المضنى معك

رُدَّتِ الروحُ عَلى المُضنى مَعَك
أَحسَنُ الأَيّامِ يَومٌ أَرجَعَك
مَرَّ مِن بُعدِكَ ما رَوَّعَني
أَتُرى يا حُلوُ بُعدي رَوَّعَك
كَم شَكَوتُ البَينَ بِاللَيلِ إِلى
مَطلَعِ الفَجرِ عَسى أَن يُطلِعَك
وَبَعَثتُ الشَوقَ في ريحِ الصَبا
فَشَكا الحُرقَةَ مِمّا اِستَودَعَك
يا نَعيمي وَعَذابي في الهَوى
بِعَذولي في الهَوى ما جَمَعَك
أَنتَ روحي ظَلَمَ الواشي الَّذي
زَعَمَ القَلبَ سَلا أَو ضَيَّعَك
مَوقِعي عِندَكَ لا أَعلَمُه
آهِ لَو تَعلَمُ عِندي مَوقِعَك
أَرجَفوا أَنَّكَ شاكٍ موجَعٌ
لَيتَ لي فَوقَ الضَنا ما أَوجَعَك
نامَتِ الأَعيُنُ إِلّا مُقلَةً
تَسكُبُ الدَمعَ وَتَرعى مَضجَعَك

يا كريم العهد يا ابن الأكرمين

يا كريم العهد يا ابن الأكرمين
كل عيد لك عيد للبنين
مصر ترجوهم وترجوك لهم
في ذَرا العباس خير المالكين
وترى شأنك فيها شأنهم
أصلح الله شؤون الناشئين
ورعاهم لك واسترعاهم
بك مأمونا على العهد أمين
لك في مهد المعالي دولة
حسب الطفل عليها والجنين
أبدا عباس يبنى ركنها
لبنيه وبنينا باليمين
وأميري في غد ساعده
ومن الأشبال لليث معين
يشرق الكرسي من نورهما
كلما لاحا جبينا لجبين

لا يقيمن على الضيم الأسد

لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد
نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد
كَبُرَ الشِبلُ وَشَبَّت نابُهُ
وَتَغَطّى مَنكِباهُ بِاللُبَد
اِترُكوهُ يَمشِ في آجامِهِ
وَدَعوهُ عَن حِمى الغابِ يَذُد
وَاِعرُضوا الدُنيا عَلى أَظفارِهِ
وَاِبعَثوهُ في صَحاراها يَصِد
فِتيَةَ الوادي عَرَفنا صَوتَكُم
مَرحَباً بِالطائِرِ الشادي الغَرِد
هُوَ صَوتُ الحَقِّ لَم يَبغِ وَلَم
يَحمِلِ الحِقدَ وَلَم يُخفِ الحَسَد
وَخَلا مِن شَهوَةٍ ما خالَطَت
صالِحاً مِن عَمَلٍ إِلّا فَسَد
حَرَّكَ البُلبُلُ عِطفَي رَبوَةٍ
كانَ فيها البومُ بِالأَيكِ اِنفَرَد
زَنبَقُ المُدنِ وَرَيحانُ القُرى
قامَ في كُلِّ طَريقٍ وَقَعَد
باكِراً كَالنَحلِ في أَسرابِها
كُلُّ سِربٍ قَد تَلاقى وَاِحتَشَد
قَد جَنى ما قَلَّ مِن زَهرِ الرُبا
ثُمَّ أَعطى بَدَلَ الزَهرِ الشُهُد
بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه
وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد
يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه
وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد
كُلَّما مَرَّ بِبابٍ دَقَّهُ
أَو رَأى داراً عَلى الدَربِ قَصَد
غادِياً في المُدنِ أَو نَحوَ القِرى
رائِحاً يَسأَلُ قِرشاً لِلبَلَد
أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ
أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد
لا تَرُدّوا يَدَهُم فارِغَةً
طالِبُ العَونِ لِمِصرٍ لا يُرَد
سَيَرى الناسُ عَجيباً في غَدٍ
يَغرِسُ القِرشُ وَيَبني وَيَلِد
يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ
مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد
أَو يَزيدَ البِرَّ داراً قَعَدَت
لِكِفاحِ السُلِّ أَو حَربِ الرَمَد
وَهوَ في الأَيدي وَفي قُدرَتِها
لَم يَضِق عَنهُ وَلَم يَعجِز أَحَد
تِلكَ مِصرُ الغَدِ تَبني مُلكَها
نادَتِ الباني وَجاءَت بِالعُدَد
وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها
ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد
وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها
حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد
مَثَلٌ مِن هِمَّةٍ قَد بَعُدَت
وَمَداها في المَعالي قَد بَعُد
رَدَّها العَصرُ إِلى أُسلوبِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِأَساليبَ جُدُد
البَنونَ اِستَنهَضوا آبائَهُم
وَدَعا الشِبلُ مِنَ الوادي الأَسَد
أَصبَحَت مِصرُ وَأَضحى مَجدُها
هِمَّةَ الوالِدِ أَو شُغلَ الوَلَد
هَذِهِ الهِمَّةُ بِالأَمسِ جَرَت
فَحَوَت في طَلَبِ الحَقِّ الأَمَد
أَيُّها الجيلُ الَّذي نَرجو لِغَدٍ
غَدُكَ العِزُّ وَدُنياكَ الرَغَد
أَنتَ في مَدرَجَةِ السَيلِ وَقَد
ضَلَّ مَن في مَدرَجِ السَيلِ رَقَد
قُدتَ في الحَقِّ فَقُد في مِثلِهِ
مِن نَواحي القَصدِ أَو سُبلِ الرَشَد
رُبَّ عامٍ أَنتَ فيهِ واجِدٌ
وَاِدَّخِر فيهِ لِعامٍ لا تَجِد
عَلِّمِ الآباءَ وَاِهتِف قائِلاً
أَيُّها الشَعبُ تَعاوَن وَاِقتَصِد
اِجمَعِ القِرشَ إِلى القِرشِ يَكُن
لَكَ مِن جَمعِهِما مالٌ لُبَد
اُطلِبِ القُطنَ وَزاوِل غَيرَهُ
وَاِتَّخِذ سوقاً إِذا سوقٌ كَسَد
نَحنُ قَبلَ القُطنِ كُنّا أُمَّةً
تَهبِطُ الوادي وَتَرعى وَتَرِد
قَد أَخَذنا في الصِناعاتِ المَدى
وَبَنَينا في الأَوالي ما خَلَد
وَغَزَلنا قَبلَ إِدريسَ الكُسا
وَنَسَجنا قَبلَ داوُدَ الزَرَد
إِن تَكُ اليَومَ لِواءً قائِداً
كَم لِواءٍ لَكَ بِالأَمسِ اِنعَقَد

روعوه فتولى مغضبا

رَوَّعوهُ فَتَوَلّى مُغضَبا
أَعَلِمتُم كَيفَ تَرتاعُ الظِبا
خُلِقَت لاهِيَةً ناعِمَةً
رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَبا
لي حَبيبٌ كُلَّما قيلَ لَهُ
صَدَّقَ القَولَ وَزَكّى الرِيَبا
كَذَبَ العُذّالُ فيما زَعَموا
أَمَلي في فاتِني ما كَذَبا
لَو رَأَونا وَالهَوى ثالِثُنا
وَالدُجى يُرخي عَلَينا الحُجُبا
في جِوارِ اللَيلِ في ذِمَّتِهِ
نَذكُرُ الصُبحَ بِأَن لا يَقرُبا
مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوى
حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبا
يا غَزالاً أَهِلَ القَلبُ بِهِ
قَلبِيَ السَفحُ وَأَحنى مَلعَبا
لَكَ ما أَحبَبتَ مِن حَبَّتِهِ
مَنهَلاً عَذباً وَمَرعىً طَيِّبا
هُوَ عِندَ المالِكِ الأَولى بِهِ
كَيفَ أَشكو أَنَّهُ قَد سُلِبا
إِن رَأى أَبقى عَلى مَملوكِهِ
أَو رَأى أَتلَفَهُ وَاِحتَسَبا
لَكَ قَدٌّ سَجَدَ البانُ لَهُ
وَتَمَنَّت لَو أَقَلَّتهُ الرُبى
وَلِحاظٌ مِن مَعاني سِحرِهِ
جَمَعَ الجَفنُ سِهاماً وَظُبى
كانَ عَن هَذا لِقَلبي غُنيَةٌ
ما لِقَلبِيَ وَالهَوى بَعدَ الصِبا
فِطرَتي لا آخُذُ القَلبَ بِها
خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لَو جَلَوا حُسنَكَ أَو غَنّوا بِهِ
لِلَبيدٍ في الثَمانينَ صَبا
أَيُّها النَفسُ تَجِدّينَ سُدىً
هَل رَأَيتِ العَيشَ إِلّا لَعِبا
جَرِّبي الدُنيا تَهُن عِندَكِ ما
أَهوَنَ الدُنيا عَلى مَن جَرَّبا
نِلتِ فيما نِلتِ مِن مَظهَرِها
وَمُنِحتِ الخُلدَ ذِكراً وَنَبا

روعوه فتولى مغضبا

روّعوه فتولى مغضبا
أعلمتم كيف ترتاع الظَّبا
خُلقت لاهية ناعمة
ربما روعها مر الصَّبا
لي حبيب كلما قيل له
صدَّق القول وزكّى الريبا
كذب العذال فيما زعموا
أملي في فاتِنِي ما كذبا
لو رأونا والهوى ثالثنا
والدجى يرخى علينا الحجبا
في جوار الليل في ذمته
نذكر الصبح بأن لا يقربا
ملء بردينا عفاف وهوى
حفِظ الحسن وصنت الأدبا
يا غزالا أهِل القلب به
قلبي السفح وأحنى ملعبا
لك ما أحببت من حبته
منهلا عذبا ومرعى طيبا
هو عند المالك الأولى به
كيف أشكو أنه قد سُلبا
إن رأى أبقى على مملوكه
أو رأى أتلفه واحتسبا
لك قدّ سجد البان له
وتمنت لو أقلّته الربى
ولحاظ من معاني سحره
جمع الجفن سهاما وظبى
كان عن ذا لقلبي غنية
ما لقلبي والهوى بعد الصبا
فطرتي لا آخذ القلب بها
خلق الشاعر سمحا طربا
لو جلوا حسنك أو غنوا به
للبيد في الثمانين صبا
أيها النفس تجدَّين سدى
هل رأيت العيش إلا لعبا
جربي الدنيا تهن عند ما
أهون الدنيا على من جربا
نلتِ في ما نلت من مظهرها
ومنحت الخلد ذكرا ونبا
أنا في دنياى أوآخرتي
شاعر النيل وحسبي لقبا
أرد الكوثر إلا أنني
لا أرى الكوثر منه أعذبا
شرفا صاحب مصر شرفا
فتً في هذا المقام الشهبا
كيفما ئشت تفرد بالعلى
نسبا آنا وآنا حسبا
أنت إن عد خواقين الورى
خيرهم جدّا وأزكاهم أبا
أُنشر العرفان واجمع أمة
مثلت في العالمين العربا
كل يوم آية دلت على
أن للعلم القُوى والغلبا
لو بنوا فوق السهى مملكة
لوجدت العلم فيها الطنبا
سُلّم الناس إلى المجد إذا
طلبوا سلمه والسببا
ربِّ بالهجرة بالداعي لها
بالذي هاجر ممن صحبا
إجعل العام رضا الإسلام أو
بلغ الإِسلام فيه مأربا
وأجِره منعما من أمم
كان رأسا حين كانوا الذنبا
حكموا فيه وفي خيراته
وغدوا أهلا وأمسى اجنبا
يا مراد الدهر من أعوامه
ما أتى من وفدها أو ذهبا
هو ذا العام وذى أيامه
جددا تهدى السعود القشبا
فز بها واحيَى إلى أمثالها
عدد الساعات منها حقبا

زعموا اللؤلؤ من طول النوى

زعموا اللؤلؤ من طول النوى
يظهر السقم ويبدى الاصفرار
فإذا رُدّ إلى موطنه
في جوار البحر يشفيه الجوار
وترى الأصداف لا تعطفها
فرقة الدار ولا بعد المزار
وكذاك النفس في احوالها
حسب الجوهر منها والنجار
إن تكن من صدف تنس الحمى
او تكن من لؤلؤ تبك الديار

قف بهذا البحر وانظر ما غمر

قِف بِهَذا البَحرِ وَاُنظُر ما غَمَر
مَظهَرَ الشَمسِ وَإِقبالَ القَمَر
وَاَعرِضِ المَوجَ مَلِيّاً هَل تَرى
غَمرَةً أَودَت بِخَوّاصِ الغُمَر
أَخَذَت ناحِيَةَ الحَقِّ بِهِ
وَسَبيلَ الناسِ في خالي العُصُر
مَنَعَ اللُبثَ وَإِن طالَ المَدى
فَلَكٌ ما لِعَصاهُ مُستَقَر
دائِرُ الدولابِ بِالناسِ عَلى
جانِبَيهِ المُرتَقى وَالمُنحَدَر
نَقَضَ الإيوانَ مِن آساسِهِ
وَأَتى الأَهرامَ مِن أُمِّ الحُجَر
وَمَحا الحَمراءَ إِلّا عَمَداً
نَزعُها مِن عَضُدِ الأَرضِ عَسِر
أَينَ رومِيَّةُ ما قَيصَرُها
ما لَياليها المُرِنّاتُ الوَتَر
أَينَ وادي الطَلحِ وَاللائي بِهِ
مِن دُمىً يَسحَبنَ في المِسكِ الحِبَر
أَينَ نابِلِيونُ ما غاراتُهُ
شَنَّها الدَهرُ عَلَيهِ مِن غِيَر
أَيُّها الساكِنُ في ظِلِّ المُنى
نَم طَويلاً قَد تَوَسَّدتَ الزَهَر
شَجَرٌ نامٍ وَظِلٌّ سابِغٌ
بَيدَ أَنَّ الصِلَّ في أَصلِ الشَجَر
يَذَرُ المَرءُ وَيَأتي ما اِشتَهى
وَقَضاءُ اللَهِ يَأتي وَيَذَر
كُلُّ مَحمولٍ عَلى النَعشِ أَخٌ
لَكَ صافٍ وُدُّهُ بَعدَ الكَدَر
إِن تَكُن سِلماً لَهُ لَم يَنتَفِع
أَو تَكُن حَرباً فَقَد فاتَ الضَرَر
راكِبَ البَحرِ أَمَوجٌ ما تَرى
أَم كِتابُ الدَهرِ أَم صُحفُ القَدَر
لُجَّةٌ كَاللَوحِ لا يُحصى عَلى
قَلَمِ القُدرَةِ فيها ما سُطِر
فَتَلَفَّت وَتَنَسَّم حِكمَةً
وَاِلمِس العِبرَةَ مِن بَينِ الفِقَر
وَتَأَمَّل مَلعَباً أَعجَبُهُ
آيَةً جانِبُهُ المُرخى السُتُر
هَهُنا تَمشي الجَواري مَرَحاً
وَجَواري الدَهرِ يَمشينَ الخَمَر
رُبَّ سَيفٍ ضَرَبَ الجَمعُ بِهِ
في كُنوزِ البَحرِ مَطروحَ الكِسَر
وَنِجادَ لَم يُطاوَل ضَحوَةً
نالَهُ الفَجرُ عِشاءً بِالقِصَر
وَسَفينَ آمِرٍ فيها البِلى
طالَما أَوحَت إِلَيهِ فَأتَمَر
وَوُجوهٍ ذَهَبَ الماءُ بِها
في نَهارِ الفَرقِ أَو لَيلِ الشَعَر
وَعُيونٍ ساجِياتٍ سُجِّيَت
بِرُفاتِ السِحرِ أَو فَلِّ الحَوَر
قُل لِلَيثٍ خُسِفَ الغيلُ بِهِ
بَينَ طِمٍّ وَظَلامٍ مُعتَكِر
اُنظُرِ الفُلكَ أَمِنها أَثَرٌ
هَكَذا الدُنيا إِذا المَوتُ حَضَر
هَذِهِ مَنزِلَةٌ لَو زِدتَها
ضاقَ عَنكَ السَعدُ أَو ضاقَ العُمُر
فَاِمضِ شَيخاً في هَوى المَجدِ قَضى
رَحمَةَ المَجدِ وَرِفقاً بِالكِبَر
ميتَةٌ لَم تَلقَ مِنها عَلَزاً
مِن وَقارِ اللَيثِ أَن لا يُحتَضَر
أَنتُمُ القَومُ حِمى الماءِ لَكُم
يَرجِعُ الوِردُ إِلَيكُم وَالصَدَر
لُجَجُ الدَأماءِ أَوطانٌ لَكُم
وَمِنَ الأَوطانِ دورٌ وَحُفَر
لَستَ في البَحرِ وَحيداً فَاِستَضِف
فيهِ آباءَكَ تَنزِل بِالدُرَر
رَسَبوا فيهِ كِراماً وَطَفا
طائِفُ النَصرِ عَلَيهِم وَالظَفَر
نَشَأَ النيلُ إِلَيكُم سيرَةً
لَكُمو فيها عِظاتٌ وَعِبَر
إِقرَأوها يُكشَفُ العَصرُ لَكُم
كُلُّ عَصرٍ بِرِجالٍ وَسِيَر
لا تَقولوا شاعِرُ الوادي غَوى
مَن يُغالِط نَفسَهُ لا يُعتَبَر
مَوقِفُ التاريخِ مِن فَوقِ الهَوى
وَمَقامُ المَوتِ مِن فَوقِ الهَذَر
لَيسَ مَن ماتَ بِخافٍ عَنكُمو
أَو قَليلِ الفِعلِ فيكُم وَالأَثَر
شِدتُمو دُنياهُ في أَحسَنِها
غَزوَةَ السودانِ وَالفَتحِ الأَغَر
وَبَنى مَملَكَةَ النوبِ بِكُم
فَاِذكُروا القَتلى وَلا تَنسوا البِدَر
وَاِحذَروا مِن قِسمَةِ النيلِ فَيا
ضَيعَةَ الوادي إِذا النيلُ شُطِر
رَجُلٌ لَيسَ اِبنَ قارونَ وَلا
بِاِبنِ عادِيٍّ مِنَ العَظمِ النَخِر
لَيسَ بِالزاخِرِ في العِلمِ وَلا
هُوَ يَنبوعُ البَيانِ المُنفَجِر
رَضَعَ الأَخلاقَ مِن أَلبانِها
إِنَّ لِلأَخلاقِ وَقعاً في الصِغَر
وَرَآها صورَةً في أُمَّةٍ
وَمِنَ القُدوَةِ ما توحي الصُوَر
ذَلِكَ المَجدُ وَهَذي سُبلُهُ
بَيِّنٌ فيها سُبلُ المُعتَذِر
أَبَعدَ الساعونَ يَبغونَ المَدى
وَالمَدى في المَجدِ دانٍ لِنَفَر
كَجيادِ السَبقِ لَن تُغنِيَها
أَدَواتُ السَبقِ ما تُغني الفِطَر
وَجَناحُ السِلمِ إِلّا أَنَّها
ساعَةَ الرَوعِ جَناحٌ مِن سَقَر
مِن حَديدٍ جانِباها سابِغٍ
رَبَضَ المَوتُ عَلَيهِ وَفَغَر
أَشبَهَت أَفواهُها أَعجازَها
قُنفُذٌ في اليَمِّ مَشروعُ الإِبَر
أَرهَفَت سَمعَ العَصا وَاِكتَحَلَت
إِثمِدَ الزَرقاءِ في عَرضِ السَدَر
وَتُؤَدّي القَولَ لا يَسبِقُها
رُسُلُ الأَرواحِ في نَقلِ الفِكَر
خَطَرَت في مِحجَرَيها وَمَشَت
بِعُيونِ المُلكِ في بَحرٍ وَبَر
غابَةٌ تَجري بِسُلطانِ الشَرى
خادِراً مِن أَلفِ نابٍ وَظُفُر
وَإِذا المَوتُ إِلى النَفسِ مَشى
وَرَكِبتَ النَجمَ بِالمَوتِ عَثَر
رُبَّ ثاوٍ في الظُبى مُمتَنِعٍ
سَلَّهُ المِقدارُ مِن جَفنِ الحَذَر
تَسحَبُ الفولاذَ في مُلتَطَمٍ
بِالعَوادي مُتَعالٍ مُعتَكِر
لَو أَشارَت جاءَها ساحِلُه
في حَديدٍ وَعَديدٍ مُنتَصِر
أَو فَدى المَيِّتَ حَيٌّ فُدِيَت
بِوَقاحٍ في الجَواري وَخِفَر
بَعَثَ البَحرُ بِها كَالمَوجِ مِن
لُجَجِ السِندِ وَخُلجانِ الخَزَر
لَمَسَتها لِلمَقاديرِ يَدٌ
تَلمَسُ الماءَ فَيَرمي بِالشَرَر
ضَرَبَتها وَهيَ سِرٌّ في الدُجى
لَيسَ دونَ اللَهِ تَحتَ اللَيلِ سِر
وَجَفَت قَلباً وَخارَت جُؤجُؤاً
وَنَزَت جَنباً وَناءَت مِن أُخَر
طُعِنَت فَاِنبَجَسَت فَاِستَصرَخَت
فَأَتاها حينُها فَهيَ خَبَر

من لنضو يتنزى ألما

مَن لِنِضوٍ يَتَنَزّى أَلَما
بَرَّحَ الشَوقَ بِهِ في الغَلَسِ
حَنَّ لِلبانِ وَناجى العَلَما
أَينَ شَرقُ الأَرضِ مِن أَندَلُسِ
بُلبُلٌ عَلَّمَهُ البَينُ البَيان
باتَ في حَبلِ الشُجونِ اِرتَبَكا
في سَماءِ اللَيلِ مَخلوعَ العِنان
ضاقَتِ الأَرضُ عَلَيهِ شَبَكا
كُلَّما اِستَوحَشَ في ظِلِّ الجِنان
جُنَّ فَاِسَتَضحَكَ مِن حَيثُ بَكى
اِرتَدى بُرنُسَهُ وَاِلتَثَما
وَخَطا خُطوَةَ شَيخٍ مُرعَسِ
وَيُرى ذا حَدَبٍ إِن جَثَما
فَإِن اِرتَدَّ بَدا ذا قَعَسِ
فَمُهُ القاني عَلى لَبَّتِهِ
كَبَقايا الدَمِ في نَصلِ دَقيقِ
مَدَّهُ فَاِنشَقَّ مِن مَنبَتِهِ
مَن رَأى شِقَّي مِقَصٍ مِن عَقيقِ
وَبَكى شَجواً عَلى شَعبِهِ
شَجوَ ذاتِ الثُكلِ في السِترِ الرَقيقِ
سَلَّ مَن فيهِ لِساناً عَنَماً
ماضِياً في البَثِّ لَم يَحتَبِسِ
وَتَرٌ مِن غَيرِ ضَربٍ رَنَّما
في الدُجى أَو شَرَرٌ مِن قَبَسِ
نَفَرَت لَوعَتُهُ بَعدَ الهُدوء
وَالدُجى بَيتُ الجَوى وَالبُرَحا
يَتَعايا بِجَناحٍ وَيَنوء
بِجناحٍ مُذ وَهى ما صَلَحا
سائَهُ الدَهرُ وَما زالَ يَسوء
ما عَلَيهِ لَو أَسا ما جَرَحا
كُلَّما أَدمى يَدَيهِ نَدَماً
سالَتا مِن طَوقِهِ وَالبُرنُسِ
فَنِيَت أَهدابُهُ إِلّا دَماً
قامَ كَالياقوتِ لَم يَنبَجِسِ
مَدَّ في اللَيلِ أَنيناً وَخَفَق
خَفَقانَ القُرطِ في جُنحِ الشَعَر
فَرَغَت مِنهُ النَوى غَيرَ رَمَق
فَضلَةَ الجُرحِ إِذا الجُرحُ نَغَر
يَتَلاشى نَزَواتٍ في حُرَق
كَذُبالٍ آخِرَ اللَيلِ اِستَعَر
لَم يَكُن طَوقاً وَلَكِن ضَرَما
ما عَلى لَبَّتِهِ مِن قَبَسِ
رَحمَةُ اللَهِ لَهُ هَل عَلِما
أَنَّ تِلكَ النَفسَ مِن ذا النَفَسِ
قُلتُ لِلَّيلِ وَلِلَّيلِ عَواد
مَن أَخو البَثِّ فَقالَ فِراق
قُلتُ ما واديهِ قالَ الشَجوُ واد
لَيسَ فيهِ مِن حِجازٍ أَو عِراق
قُلتُ لَكِن جَفنُهُ غَيرُ جَواد
قالَ شَرُّ الدَمعِ ما لَيسَ يُراق
نَغبِطُ الطَيرَ وَما نَعلَمُ ما
هِيَ فيهِ مِن عَذابٍ بَئِسِ
فَدَعِ الطَيرَ وَحَظّاً قُسِما
صَيَّرَ الأَيكَ كَدورِ الأَنَسِ
ناحَ إِذ جَفنايَ في أَسرِ النُجوم
رَسَفا في السُهدِ وَالدَمعُ طَليق
أَيُّها الصارِخُ مِن بَحرِ الهُموم
ما عَسى يُغني غَريقٌ مِن غَريق
إِنَّ هَذا السَهمَ لي مِنهُ كُلوم
كُلُّنا نازِحُ أَيكٍ وَفَريق
قَلِّبِ الدُنيا تَجِدها قِسَماً
صُرِّفَت مِن أَنعُمٍ أَو أَبؤُسِ
وَاِنظُرِ الناسَ تَجِد مَن سَلِما
مِن سِهامِ الدَهرِ شَجَّتهُ القِسي
يا شَبابَ الشَرقِ عُنوانَ الشَباب
ثَمَراتِ الحَسَبِ الزاكي النَمير
حَسبُكُم في الكَرَمِ المَحضِ اللُباب
سيرَةٌ تَبقى بَقاءَ اِبنَي سَمير
في كِتابِ الفَخرِ لِلداخِلِ باب
لَم يَلِجهُ مِن بَني المُلكِ أَمير
في الشُموسِ الزُهرِ بِالشامِ اِنتَمى
وَنَمى الأَقمارَ بِالأَندَلُسِ
قَعَدَ الشَرقُ عَلَيهِم مَأتَما
وَاِنثَنى الغَربُ بِهِم في عُرُسِ
هَل لَكُم في نَبَإِ خَيرِ نَبَأ
حِليَةِ التاريخِ مَأثورٍ عَظيم
حَلَّ في الأَنباءِ ما حَلَّت سَبَأ
مَنزِلَ الوُسطى مِنَ العِقدِ النَظيم
مِثلَهُ المِقدارُ يَوماً ما خَبَأ
لِسَليبِ التاجِ وَالعَرشِ كَظيم
يُعجِزُ القُصّاصَ إِلّا قَلَما
في سَوادٍ مِن هَوىً لَم يُغمَسِ
يُؤثِرُ الصِدقَ وَيَجزي عَلَما
قَلَبَ العالَمَ لَو لَم يُطمَسِ
عَن عِصامِيٍّ نَبيلٍ مُعرِقِ
في بُناةِ المَجدِ أَبناءِ الفَخار
نَهَضَت دَولَتُهُم بِالمَشرِقِ
نَهضَةَ الشَمسِ بِأَطرافِ النَهار
ثُمَّ خانَ التاجُ وُدَّ المَفرِقِ
وَنَبَت بِالأَنجُمِ الزُهرِ الدِيار
غَفَلوا عَن ساهِرٍ حَولَ الحِمى
باسِطٍ مِن ساعِدَي مُفتَرِسِ
حامَ حَولَ المُلكِ ثُمَّ اِقتَحَما
وَمَشى في الدَمِ مَشيَ الضِرسِ
ثَأرُ عُثمانَ لِمَروانٍ مَجاز
وَدَمَ السِبطِ أَثارَ الأَقرَبون
حَسَّنوا لِلشامِ ثَأراً وَالحِجاز
فَتَغالى الناسُ فيما يَطلُبون
مَكرُ سُوّاسٍ عَلى الدَهماءِ جاز
وَرُعاةٌ بِالرَعايا يَلعَبون
جَعَلوا الحَقَّ لِبَغيٍ سُلَّما
فَهوَ كَالسِترِ لَهُم وَالتُرُسِ
وَقَديماً بِاِسمِهِ قَد ظَلَما
كُلُّ ذي مِئذَنَةٍ أَو جَرَسِ
جُزِيَت مَروانُ عَن آبائِها
ما أَراقوا مِن دِماءٍ وَدُموع
وَمِنَ النَفسِ وَمِن أَهوائِها
ما يُؤَدّيهِ عَنِ الأَصلِ وَالفُروع
خَلَتِ الأَعوادُ مِن أَسمائِها
وَتَغَطَّت بِالمَصاليبِ الجُذوع
ظَلَمَت حَتّى أَصابَت أَظلَما
حاصِدَ السَيفِ وَبيءَ المَحبَسِ
فَطِناً في دَعوَةِ الآلِ لِما
هَمَسَ الشاني وَما لَم يَهمِسِ
لَبِسَت بُردَ النَبِيِّ النَيِّرات
مِن بَني العَبّاسِ نوراً فَوقَ نور
وَقَديماً عِندَ مَروانٍ تِرات
لِزَكِيّاتٍ مِنَ الأَنفُسِ نور
فَنَجا الداخِلُ سَبخاً بِالفُرات
تارِكَ الفِتنَةِ تَطغى وَتَنور
غَسَّ كَالحوتِ بِهِ وَاِقتَحَما
بَينَ عِبرَيهِ عُيونَ الحَرَسِ
وَلَقَد يُجدي الفَتى أَن يَعلَما
صَهوَةَ الماءِ وَمَتنِ الفَرَسِ
صَحِبَ الداخِلَ مِن إِخوَتِهِ
حَدَثٌ خاضَ الغُمارَ اِبنَ ثَمان
غَلَبَ المَوجَ عَلى قُوَّتِهِ
فَكَأَنَّ المَوجَ مِن جُندِ الزَمان
وَإِذا بِالشَطِّ مِن شِقوَتِهِ
صائِحٌ صاحَ بِهِ نِلتَ الأَمان
فَاِنثَنى مُنخَدِعاً مُستَسلِماً
شاةٌ اِغتَرَّت بِعَهدِ الأَلَسِ
خَضَبَ الجُندُ بِهِ الأَرضَ دَما
وَقُلوبُ الجُندِ كَالصَخرِ القَسي
أَيُّها اليائِسُ مُت قَبلَ المَمات
أَو إِذا شِئتَ حَياةً فَالرَجا
لا يَضِق ذَرعُكَ عِندَ الأَزَمات
إِن هِيَ اِشتَدَّت وَأَمِّل فَرَجا
ذَلِكَ الداخِلُ لاقى مُظلِمات
لَم يَكُن يَأمُلُ مِنها مَخرَجا
قَد تَوَلّى عِزُّهُ وَاِنصَرَما
فَمَضى مِن غَدِهِ لَم يَيأَسِ
رامَ بِالمَغرِبِ مُلكاً فَرَمى
أَبَعدَ الغَمرِ وَأَقصى اليَبَسِ
ذاكَ وَاللَهِ الغِنى كُلُّ الغِنى
أَيُّ صَعبٍ في المَعالي ما سَلَك
لَيسَ بِالسائِلِ إِن هَمَّ مَتى
لا وَلا الناظِرِ ما يوحي الفَلَك
زايَلَ المُلكُ ذَويهِ فَأَتى
مُلكَ قَومٍ ضَيَّعوهُ فَمَلَك
غَمَراتٌ عارَضَت مُقتَحِما
عالِيَ النَفسِ أَشَمَّ المَعطِسِ
كُلُّ أَرضٍ حَلَّ فيها أَو حِمى
مَنزِلُ البَدرِ وَغابُ البَيهَسِ
نَزَلَ الناجي عَلى حُكمِ النَوى
وَتَوارى بِالسُرى مِن طالِبيه
غَيرَ ذي رَحلٍ وَلا زادٍ سِوى
جَوهَرٍ وافاهُ مِن بَيتِ أَبيهِ
قَمَرٌ لاقى خُسوفاً فَاِنزَوى
لَيسَ مِن آبائِهِ إِلّا نَبيه
لَم يَجِد أَعوانَهُ وَالخَدَما
جانَبوهُ غَيرَ بَدرِ الكَيِّسِ
مِن مَواليهِ الثِقاتِ القُدُما
لَم يَخُنهُ في الزَمانِ الموئِسِ
حينَ في إِفريقيا اِنحَلَّ الوِئام
وَاِضمَحَلَّت آيَةُ الفَتحِ الجَليل
ماتَتِ الأُمَّةُ في غَيرِ اِلتِئام
وَكَثيرٌ لَيسَ يَلتامُ قَليل
يَمَنٌ سَلَّت ظُباها وَالشَآم
شامَها هِندِيَّةً ذاتَ صَليل
فَرَّقَ الجُندَ الغِنى فَاِنقَسَما
وَغَدا بَينَهُم الحَقُّ نَسي
أَوحَشَ السُؤدُدُ فيهِم وَسَما
لِلمَعالي مَن بِهِ لَم تانَسِ
رُحِموا بِالعَبقَرِيِّ النابِهِ
البَعيدِ الهِمَّةِ الصَعبِ القِياد
مَدَّ في الفَتحِ وَفي أَطنابِهِ
لَم يَقِف عِندَ بِناءِ اِبنِ زِياد
هَجَرَ الصَيدَ فَما يُغنى بِهِ
وَهوَ بِالمُلكِ رَفيقٌ ذو اِصطِياد
سَل بِهِ أَندَلُساً هَل سَلِما
مِن أَخي صَيدٍ رَفيقٍ مَرِسِ
جَرَّدَ السَيفَ وَهَزَّ القَلَما
وَرَمى بِالرَأيِ أُمَّ الخُلَسِ
بِسَلامٍ يا شِراعاً ما دَرى
ما عَلَيهِ مِن حَياءٍ وَسَخاء
في جَناحِ المَلَكِ الروحُ جَرى
وَبِريحٍ حَفَّها اللُطفُ رُخاء
غَسَلَ اليَمُّ جِراحاتِ الثَرى
وَمَحا الشِدَّةَ مَن يَمحو الرَخاء
هَل دَرى أَندَلُسٌ مَن قَدِما
دارَهُ مِن نَحوِ بَيتِ المَقدِسِ
بِسَليلِ الأَمَوِيّينَ سَما
فَتحُ موسى مُستَقِرَّ الأُسُسِ
أَمَوِيٌّ لِلعُلا رِحلَتُهُ
وَالمَعالي بِمَطِيٍّ وَطُرُق
كَالهِلالِ اِنفَرَدَت نُقلَتُهُ
لا يُجاريهِ رُكابٌ في الأُفُق
ما بُنِيَت مِن خُلُقٍ دَولَتُهُ
قَد يَشيدُ الدُوَلَ الشُمَّ الخُلُق
وَإِذا الأَخلاقُ كانَت سُلَّما
نالَتِ النَجمَ يَدُ المُلتَمِسِ
فَاِرقَ فيها تَرقَ أَسبابَ السَما
وَعَلى ناصِيَةِ الشَمسِ اِجلِسِ
أَيُّ ملُكٍ مِن بِناياتِ الهِمَم
أَسَّسَ الداخِلُ في الغَربِ وَشاد
ذَلِكَ الناشِئُ في خَيرِ الأُمَم
سادَ في الأَرضِ وَلَم يُخلَق يُساد
حَكَمَت فيهِ اللَيالي وَحَكَم
في عَواديها قِياداً بِقِياد
سُلِبَ العِزَّ بِشَرقٍ فَرَمى
جانِبَ الغَربِ لِعِزٍّ أَقعَسِ
وَإِذا الخَيرُ لِعَبدٍ قُسِما
سَنَحَ السَعدُ لَهُ في النَحسِ
أَيُّها القَلبُ أَحَقٌّ أَنتَ جار
لِلَّذي كانَ عَلى الدَهرِ يَجير
هاهُنا حَلَّ بِهِ الرَكبُ وَسار
وَهُنا ثاوٍ إِلى البَعثِ الأَسير
فَلَكٌ بِالسَعدِ وَالنَحسِ مُدار
صَرَعَ الجامَ وَأَلوى بِالمُدير
ها هُنا كُنتَ تَرى حُوَّ الدُمى
فاتِناتٍ بِالشِفاهِ اللُعُسِ
ناقِلاتٍ في العَبيرِ القَدَما
واطِئاتٍ في حَبيرِ السُندُسِ
خُذ عَنِ الدُنيا بَليغَ العِظَةِ
قَد تَجَلَّت في بَليغِ الكَلِمِ
طَرَفاها جُمِعا في لَفظَةٍ
فَتَأَمَّل طَرَفَيها تَعلَمِ
الأَماني حُلمٌ في يَقظَةِ
وَالمَنايا يَقظَةٌ مِن حُلُمِ
كُلُّ ذي سِقطَينِ في الجَوِّ سَما
واقِعٌ يَوماً وَإِن لَم يُغرَسِ
وَسَيَلقى حَينَهُ نَسرُ السَما
يَومَ تُطوى كَالكِتابِ الدَرسِ
أَينَ يا واحِدَ مَروانَ عَلَم
مَن دَعاكَ الصَقرُ سَمّاهُ العُقاب
رايَةٌ صَرَّفَها الفَردُ العَلَم
عَن وُجوهِ النَصرِ تَصريفَ النِقاب
كُنتَ إِن جَرَّدتَ سَيفاً أَو قَلَم
أُبتَ بِالأَلبابِ أَو دِنتَ الرِقاب
ما رَأى الناسُ سِواهُ عَلَما
لَم يُرَم في لُجَّةٍ أَي يَبَسِ
أَعَلى رُكنِ السِماكِ اِدَّعَما
وَتَغَطّى بِجَناحِ القُدُسِ
قَصرُكَ المُنيَةُ مِن قُرطُبَه
فيهِ وارَوكَ وَلِلَّهِ المَصير
صَدَفٌ خُطَّ عَلى جَوهَرَةٍ
بَيدَ أَنَّ الدَهرَ نَبّاشٌ بَصير
لَم يَدَع ظِلّاً لِقَصرِ المُنيَةِ
وَكَذا عُمرُ الأَمانِيِّ قَصير
كُنتَ صَقراً قُرَشِيّاً عَلَما
ما عَلى الصَقرِ إِذ لَم يُرمَسِ
إِن تَسَل أَينَ قُبورُ العُظَما
فَعَلى الأَفواهِ أَو في الأَنفُسِ
كَم قُبورٍ زَيَّنَت جيدَ الثَرى
تَحتَها أَنجَسُ مِن مَيتِ المَجوس
كانَ مَن فيها وَإِن جازوا الثَرى
قَبلَ مَوتِ الجِسمِ أَمواتُ النُفوس
وَعِظامٌ تَتَزَكّى عَنبَراً
مِن ثَناءٍ صِرنَ أَغفالَ الرُموس
فَاِتَّخِذ قَبرَكَ مِن ذِكرٍ فَما
تَبنِ مِن مَحمودِهِ لا يُطمَسِ
هَبكَ مِن حِرصٍ سَكَنتَ الهَرَما
أَينَ بانيهِ المَنيعُ المَلمَسِ

قم إلى الأهرام واخشع واطرح

قم إلى الأهرام واخشع واطَّرح
خِيلة الصِّيد وزهو الفاتحين
وتمهَّل إنما تمشى على
حَرَم الدهر ونادى الأولين
وارتق الأحجار واصعد منبرا
لم يُسَخَّر لأمير المؤمنين
ادعُ قومي من ذرى أعواده
لخلال كالصباح المستبين
قل لهم عهدىَ فيكم أمةً
عرفوا الحق وقوما صابرين
عطف الدهر على ثورتكم
ولوى الناسَ عليها معجبين
هزت الليث ولما يَصح من
دم غليومَ وصيدٍ آخرين
فرأى ما لم يقع في وهمه
مصر تستكبر والألمان دِين
ثورة أقبلت السلمُ بها
عجبُ الرائين سحرُ السامعين
قام رهط منكم فاقتحموا
كبرياء الفاتحين الظافرين
جحدوا السيف وردّوا حكمه
عُزَّلا إلا من الحق المبين
همة تكتبها مصر لهم
إن أبيتم أن تكونوا الكاتبين
استخفّ الليثُ إجماعكم
وهو نابُ العَجَم الداهي الرزين
فزأرتم زأرة أقعى لها
وأجال اللحظ فيهم يستبين
مستعيذا منكُم بالله أن
تُصبحوا الهند وتمسوا الصِين فِين
نفر تأوى إليهم أمة
ووزير يَتولى الثائرين
وشباب من رآهم عصبةً
قال نَحلٌ أُوذنت بالمعتدين
وجموع عُزَّل ما أكترثت
لجموع بالمواضي معلنين
زادهم سعد شَباتَي همة
كالحسام العضب والرمح السَّنين