اخذت نعشك مصر باليمين

أَخَذَت نَعشَكِ مِصرُ بِاليَمين
وَحَوَتهُ مِن يَدِ الروحِ الأَمين
لَقِيَت طُهرَ بَقاياكِ كَما
لَقِيَت يَثرِبٌ أُمَّ المُؤمِنين
في سَوادَيها وَفي أَحشائِها
وَوَراءَ النَحرِ مِن حَبلِ الوَتين
خَرَجَت مِن قَصرِكِ الباكي إِلى
رَملَةِ الثَغرِ إِلى القَصرِ الحَزين
أَخَذَت بَينَ اليَتامى مَذهَباً
وَمَشَت في عَبَراتِ البائِسين
وَرَمَت طَرفاً إِلى البَحرِ تَرى
مِن وَراءِ الدَمعِ أَسرابَ السَفين
فَبَدَت جارِيَةٌ في حِضنِها
فَنَنُ الوَردِ وَفَرعُ الياسَمين
وَعَلى جُؤجُئِها نورُ الهُدى
وَعَلى سُكّانِها نورُ اليَقين
حَمَلَت مِن شاطِئِ مَرمَرَه
جَوهَرَ السُؤدُدِ وَالكَنزَ الثَمين
وَطَوَت بَحراً بِبَحرٍ وَجَرَت
في الأُجاجِ المِلحِ بِالعَذبِ المَعين
وَاِستَقَلَّت دُرَّةً كانَت سَنىً
وَسَناءً في جِباهِ المالِكين
ذَهَبَت عَن عِليَةٍ صَيدٍ وَعَن
خُرَّدٍ مِن خَفِراتِ البَيتِ عين
وَالتَقِيّاتُ بَناتُ المُتَّقي
وَالآميناتُ بُنَيّاتُ الأَمين
لَبِسَت في مَطلَعِ العِزِّ الضُحى
وَنَضَتهُ كَالشُموسِ الآفِلين
يَدُها بانِيَةٌ غارِسَةٌ
كَيَدِ الشَمسِ وَإِن غابَ الجَبين
رَبَّةُ العَرشَينِ في دَولَتِها
قَد رَكِبتِ اليَومَ عَرشَ العالَمين
أُضجِعَت قَبلَكِ فيهِ مَريَمٌ
وَتَوارى بِنِساءِ المُرَسَلين
إِنَّهُ رَحلُ الأَوالي شَدَّهُ
لَهُم آدَمُ رُسلِ الآخَرين
اِخلَعي الأَلقابَ إِلّا لَقَباً
عَبقَرِيّاً هُوَ أُمُّ المُحسِنين
وَدَعي المالَ يَسِر سُنَّتَهُ
يَمضِ عَن قَومٍ لِأَيدي آخَرين
وَاِقذِفي بِالهَمِّ في وَجهِ الثَرى
وَاِطرَحي مِن حالِقٍ عِبءَ السِنين
وَاِسخَري مِن شانِئٍ أَو شامِتٍ
لَيسَ بِالمُخطِئِ يَومُ الشامِتين
وَتَعَزّي عَن عَوادي دَولَةٍ
لَم تَدُم في وَلَدٍ أَو في قَرين
وَاِزهَدي في مَوكِبٍ لَو شِئتِهِ
لَتَغَطّى وَجهُها بِالدارِعين
ما الَّذي رَدَّ عَلى أَصحابِهِ
لَيسَ يُحيِ مَوكِبُ الدَفنِ الدَفين
رُبَّ مَحمولٍ عَلى المِدفَعِ ما
مَنَعَ الحَوضَ وَلا حاطَ العَرين
باطِلٌ مِن أُمَمٍ مَخدوعَةٍ
يَتَحَدّونَ بِهِ الحَقَّ المُبين
في فَروقٍ وَرُباها مَأتَمٌ
ذَرَفَت آماقَها فيهِ العُيون
قامَ فيها مِن عَقيلاتِ الحِمى
مَلَأٌ بُدِّلنَ مِن عِزٍّ بِهون
أُسَرٌ مالَت بِها الدُنيا فَلَم
تَلقَ إِلّا عِندَكِ الرُكنَ الرَكين
قَد خَلا بَيبَكُ مِن حاتِمِه
وَمِنَ الكاسينَ فيهِ الطاعِمين
طارَتِ النِعمَةُ عَن أَيكَتِه
وَاِنقَضى ما كانَ مِن خَفضٍ وَلين
اليَتامى نُوَّحٌ ناحِيَةً
وَالمَساكينُ يَمُدّونَ الرَنين
دَولَةٌ مالَت وَسُلطانٌ خَلا
دُوِّلَت نُعماهُ بَينَ الأَقرَبين
مُنهِضُ الشَرقِ عَلِيٌّ لَم يَزَل
مِن بَنيهِ سَيِّدٌ في عابِدين
يُصلِحُ اللَهُ بِهِ ما أَفسَدَت
فَتَراتُ الدَهرِ مِن دُنيا وَدين
أُمَّ عَبّاسٍ وَما لي لَم أَقُل
أُمَّ مِصرَ مِن بَناتٍ وَبَنين
كُنتِ كَالوَردِ لَهُم وَاِستَقبَلوا
دَولَةَ الرَيحانِ حيناً بَعدَ حين
فَيُقالُ الأُمُّ في مَوكِبِها
وَيُقالُ الحَرَمُ العالي المَصون
العَفيفِيُّ عَفافٌ وَهُدىً
كَالبَقيعِ الطُهرِ ضَمَّ الطاهِرين
اُدخُلي الجَنَّةَ مِن رَوضَتِه
إِنَّ فيها غُرفَةً لِلصابِرين

يا حماة الطفل خير المحسنين

يا حماة الطفل خير المحسنين
يدكم فيها يد الله المعين
أنظروا عند توافى جمعكم
تجدوا في الجمع جبريل الأمين
ظَلَّلَ الطفلَ ووافاه
مهرجان الله عرض المرسلين
يذكر الفضلَ على الدهر لكم
من رعيتم من بنات وبنين
عرفوا الدهر ولما يولَدوا
فسل الدهر أكانوا مذنبين
غرباء الأهل نزَّاح الحِمى
وجدوا الدار بكم والأقربين
قل لمن إن قيل في البِر لهم
قبضوا الراح وولوا معرضين
أتقوا الأيام في أعقابكم
أأخذتم لهمُ عهد السنين
يأخذ الله وإن طال المدى
ويُدان المرء ما كان يدين
خَلق الحظَّ جُمانا وحصى
خالقُ الإنسان من ماء وطين
ولأمر ما وسر غامض
تسعد النطفة أو يشقى الجنين
فوليد تسجد الدنيا له
وسواه في زوايا المهملين
وابن كسرى لا يُلَقَّى راية
يتلقاها ابن عبد باليمن
رب مهد أزرت البؤسى به
فيه كنز خبأ الغيبُ ثمين
مرضَعا يقطر بؤسا يومه
مغِدق النعمى غدا في العالمين
أو ضعيِف الركن في ألفافه
هو ركن القوم ضرغام العرين
أو طويلِ الصمت أعمى في الصبا
بين برديه المعرىُّ المبين
أو فتاة هينةٍ فوق الثرى
ولَدت من بالثريا يستهين
سيد النيل وواديه معا
مصرك الغرة والشرق الجبين
سعد الكل بناديك فلا
بائس يشقى ولا طفل حزين
ارحم الحساد واغفر للعدا
أنت عند الله والشعب مكين

ليعنا كل معبود معين

لِيُعِنّا كل معبود معين
نحن حزب البكسِر المتفقين
كي نبيد الغرباء الماردين
إنهم في الصين كانوا مفسدين
ليس ذاك الجنس من نسل البشر
إن شككتم أمعنوا فيه النظر
إنه يا قوم مزرقّ البصر
من بنى إبليس شيطان لعين
جفت الأرض وجافاها السما
وديور الكفر أوقفن السما
أسخط الأرباب منها ما سما
وتولى الجنّ عنا مغضَبين
قد دعونا لنخلّى ديننا
ولنستهزى بأرباب لنا
ولنشرى بالمروءات الخنا
ولنزني والزنا شئ مهين
دونكم يا قوم إيقاد البخور
وألفظوا ألفاظ سحر لا يبور
وإذا شئتم رَدَى أهل الشرور
أتقنوا الحرب علوما وفنون
ها أتى الأرباب من أجبالهم
وتبدى الجنّ من أوغالهم
كي يُروا الأعداء من أفعالهم
أى لكم بشمال ويمين
فانزعوا من أرضكم خط الحديد
واقطعوا أسلاك برق لا تفيد
واخرقوا فُلك العدا كيما تبيد
وأريحوا الصين من شر السفين
ففرنسا ذلك الشعب العزيز
ما له من بأسكم حرز حريز
ألحقوا الروس به والانكليز
واحفظوا الملك على شنك المكين

لا يقيمن علي الضيم الاسد

لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد
نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد
كَبُرَ الشِبلُ وَشَبَّت نابُهُ
وَتَغَطّى مَنكِباهُ بِاللُبَد
اِترُكوهُ يَمشِ في آجامِهِ
وَدَعوهُ عَن حِمى الغابِ يَذُد
وَاِعرُضوا الدُنيا عَلى أَظفارِهِ
وَاِبعَثوهُ في صَحاراها يَصِد
فِتيَةَ الوادي عَرَفنا صَوتَكُم
مَرحَباً بِالطائِرِ الشادي الغَرِد
هُوَ صَوتُ الحَقِّ لَم يَبغِ وَلَم
يَحمِلِ الحِقدَ وَلَم يُخفِ الحَسَد
وَخَلا مِن شَهوَةٍ ما خالَطَت
صالِحاً مِن عَمَلٍ إِلّا فَسَد
حَرَّكَ البُلبُلُ عِطفَي رَبوَةٍ
كانَ فيها البومُ بِالأَيكِ اِنفَرَد
زَنبَقُ المُدنِ وَرَيحانُ القُرى
قامَ في كُلِّ طَريقٍ وَقَعَد
باكِراً كَالنَحلِ في أَسرابِها
كُلُّ سِربٍ قَد تَلاقى وَاِحتَشَد
قَد جَنى ما قَلَّ مِن زَهرِ الرُبا
ثُمَّ أَعطى بَدَلَ الزَهرِ الشُهُد
بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه
وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد
يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه
وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد
كُلَّما مَرَّ بِبابٍ دَقَّهُ
أَو رَأى داراً عَلى الدَربِ قَصَد
غادِياً في المُدنِ أَو نَحوَ القِرى
رائِحاً يَسأَلُ قِرشاً لِلبَلَد
أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ
أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد
لا تَرُدّوا يَدَهُم فارِغَةً
طالِبُ العَونِ لِمِصرٍ لا يُرَد
سَيَرى الناسُ عَجيباً في غَدٍ
يَغرِسُ القِرشُ وَيَبني وَيَلِد
يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ
مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد
أَو يَزيدَ البِرَّ داراً قَعَدَت
لِكِفاحِ السُلِّ أَو حَربِ الرَمَد
وَهوَ في الأَيدي وَفي قُدرَتِها
لَم يَضِق عَنهُ وَلَم يَعجِز أَحَد
تِلكَ مِصرُ الغَدِ تَبني مُلكَها
نادَتِ الباني وَجاءَت بِالعُدَد
وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها
ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد
وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها
حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد
مَثَلٌ مِن هِمَّةٍ قَد بَعُدَت
وَمَداها في المَعالي قَد بَعُد
رَدَّها العَصرُ إِلى أُسلوبِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِأَساليبَ جُدُد
البَنونَ اِستَنهَضوا آبائَهُم
وَدَعا الشِبلُ مِنَ الوادي الأَسَد
أَصبَحَت مِصرُ وَأَضحى مَجدُها
هِمَّةَ الوالِدِ أَو شُغلَ الوَلَد
هَذِهِ الهِمَّةُ بِالأَمسِ جَرَت
فَحَوَت في طَلَبِ الحَقِّ الأَمَد
أَيُّها الجيلُ الَّذي نَرجو لِغَدٍ
غَدُكَ العِزُّ وَدُنياكَ الرَغَد
أَنتَ في مَدرَجَةِ السَيلِ وَقَد
ضَلَّ مَن في مَدرَجِ السَيلِ رَقَد
قُدتَ في الحَقِّ فَقُد في مِثلِهِ
مِن نَواحي القَصدِ أَو سُبلِ الرَشَد
رُبَّ عامٍ أَنتَ فيهِ واجِدٌ
وَاِدَّخِر فيهِ لِعامٍ لا تَجِد
عَلِّمِ الآباءَ وَاِهتِف قائِلاً
أَيُّها الشَعبُ تَعاوَن وَاِقتَصِد
اِجمَعِ القِرشَ إِلى القِرشِ يَكُن
لَكَ مِن جَمعِهِما مالٌ لُبَد
اُطلِبِ القُطنَ وَزاوِل غَيرَهُ
وَاِتَّخِذ سوقاً إِذا سوقٌ كَسَد
نَحنُ قَبلَ القُطنِ كُنّا أُمَّةً
تَهبِطُ الوادي وَتَرعى وَتَرِد
قَد أَخَذنا في الصِناعاتِ المَدى
وَبَنَينا في الأَوالي ما خَلَد
وَغَزَلنا قَبلَ إِدريسَ الكُسا
وَنَسَجنا قَبلَ داوُدَ الزَرَد
إِن تَكُ اليَومَ لِواءً قائِداً
كَم لِواءٍ لَكَ بِالأَمسِ اِنعَقَد

روعوه فتولي مغضبا

رَوَّعوهُ فَتَوَلّى مُغضَبا
أَعَلِمتُم كَيفَ تَرتاعُ الظِبا
خُلِقَت لاهِيَةً ناعِمَةً
رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَبا
لي حَبيبٌ كُلَّما قيلَ لَهُ
صَدَّقَ القَولَ وَزَكّى الرِيَبا
كَذَبَ العُذّالُ فيما زَعَموا
أَمَلي في فاتِني ما كَذَبا
لَو رَأَونا وَالهَوى ثالِثُنا
وَالدُجى يُرخي عَلَينا الحُجُبا
في جِوارِ اللَيلِ في ذِمَّتِهِ
نَذكُرُ الصُبحَ بِأَن لا يَقرُبا
مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوى
حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبا
يا غَزالاً أَهِلَ القَلبُ بِهِ
قَلبِيَ السَفحُ وَأَحنى مَلعَبا
لَكَ ما أَحبَبتَ مِن حَبَّتِهِ
مَنهَلاً عَذباً وَمَرعىً طَيِّبا
هُوَ عِندَ المالِكِ الأَولى بِهِ
كَيفَ أَشكو أَنَّهُ قَد سُلِبا
إِن رَأى أَبقى عَلى مَملوكِهِ
أَو رَأى أَتلَفَهُ وَاِحتَسَبا
لَكَ قَدٌّ سَجَدَ البانُ لَهُ
وَتَمَنَّت لَو أَقَلَّتهُ الرُبى
وَلِحاظٌ مِن مَعاني سِحرِهِ
جَمَعَ الجَفنُ سِهاماً وَظُبى
كانَ عَن هَذا لِقَلبي غُنيَةٌ
ما لِقَلبِيَ وَالهَوى بَعدَ الصِبا
فِطرَتي لا آخُذُ القَلبَ بِها
خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لَو جَلَوا حُسنَكَ أَو غَنّوا بِهِ
لِلَبيدٍ في الثَمانينَ صَبا
أَيُّها النَفسُ تَجِدّينَ سُدىً
هَل رَأَيتِ العَيشَ إِلّا لَعِبا
جَرِّبي الدُنيا تَهُن عِندَكِ ما
أَهوَنَ الدُنيا عَلى مَن جَرَّبا
نِلتِ فيما نِلتِ مِن مَظهَرِها
وَمُنِحتِ الخُلدَ ذِكراً وَنَبا

علموه كيف يجفو فجفا

عَلَّموهُ كَيفَ يَجفو فَجَفا
ظالِمٌ لاقَيتُ مِنهُ ما كَفى
مُسرِفٌ في هَجرِهِ ما يَنتَهي
أَتُراهُم عَلَّموهُ السَرَفا
جَعَلوا ذَنبي لَدَيهِ سَهَري
لَيتَ يَدري إِذ دَرى الذَنبَ عَفا
عَرَفَ الناسُ حُقوقي عِندَهُ
وَغَريمي ما دَرى ما عَرَفا
صَحَّ لي في العُمرِ مِنهُ مَوعِدٌ
ثُمَّ ما صَدَّقتُ حَتّى أَخلَفا
وَيَرى لي الصَبرَ قَلبٌ ما دَرى
أَنَّ ما كَلَّفَني ما كَلَّفا
مُستَهامٌ في هَواهُ مُدنَفٌ
يَتَرَضّى مُستَهاماً مُدنَفا
يا خَليلَيَّ صِفا لي حيلَةً
وَأَرى الحيلَةَ أَن لا تَصِفا
أَنا لَو نادَيتُهُ في ذِلَّةٍ
هِيَ ذي روحي فَخُذها ما اِحتَفى

ناشئ في الورد من ايامه

ناشِئٌ في الوَردِ مِن أَيّامِهِ
حَسبُهُ اللَهُ أَبِالوَردِ عَثَر
سَدَّدَ السَهمَ إِلى صَدرِ الصِبا
وَرَماهُ في حَواشيهِ الغُرَر
بِيَدٍ لا تَعرِفُ الشَرَّ وَلا
صَلَحَت إِلّا لِتَلهو بِالأُكَر
بُسِطَت لِلسُمِّ وَالحَبلِ وَما
بُسِطَت لِلكَأسِ يَوماً وَالوَتَر
غَفَرَ اللَهُ لَهُ ما ضَرَّهُ
لَو قَضى مِن لَذَّةِ العَيشِ الوَطَر
لَم يُمَتَّع مِن صِبا أَيّامِهِ
وَلَياليهِ أَصيلٌ وَسَحَر
يَتَمَنّى الشَيخُ مِنهُ ساعَةً
بِحِجابِ السَمعِ أَو نورِ البَصَر
لَيسَ في الجَنَّةِ ما يُشبِهُهُ
خِفَّةً في الظِلِّ أَو طيبَ قِصَر
فَصِبا الخُلدِ كَثيرٌ دائِمٌ
وَصِبا الدُنيا عَزيزٌ مُختَصَر
كُلُّ يَومٍ خَبَرٌ عَن حَدَثٍ
سَئِمَ العَيشَ وَمَن يَسأَم يَذَر
عافَ بِالدُنيا بِناءً بَعدَ ما
خَطَبَ الدُنيا وَأَهدى وَمَهَر
حَلَّ يَومَ العُرسِ مِنها نَفسَهُ
رَحِمَ اللَهُ العَروسُ المُختَضَر
ضاقَ بِالعيشَةِ ذَرعاً فَهَوى
عَن شَفا اليَأسِ وَبِئسَ المُنحَدَر
راحِلاً في مِثلِ أَعمارِ المُنى
ذاهِباً في مِثلِ آجالِ الزَهَر
هارِباً مِن ساحَةِ العَيشِ وَما
شارَفَ الغَمرَةَ مِنها وَالغُدُر
لا أَرى الأَيّامَ إِلّا مَعرَكاً
وَأَرى الصِنديدَ فيهِ مَن صَبَر
رُبَّ واهي الجَأشِ فيهِ قَصَفٌ
ماتَ بِالجُبنِ وَأَودى بِالحَذَر
لامَهُ الناسُ وَما أَظلَمَهُم
وَقَليلٌ مَن تَغاضى أَو عَذَر
وَلَقَد أَبلاكَ عُذراً حَسَناً
مُرتَدي الأَكفانِ مُلقىً في الحُفَر
قالَ ناسٌ صَرعَةٌ مِن قَدَرٍ
وَقَديماً ظَلَمَ الناسُ القَدَر
وَيَقولُ الطِبُّ بَل مِن جَنَّةٍ
وَرَأَيتُ العَقلَ في الناسِ نَدَر
وَيَقولونَ جَفاءٌ راعَهُ
مِن أَبٍ أَغلَظَ قَلباً مِن حَجَر
وَاِمتِحانٌ صَعَّبَتهُ وَطأَةٌ
شَدَّها في العِلمِ أُستاذٌ نَكِر
لا أَرى إِلّا نِظاماً فاسِداً
فَكَّكَ الغَلمَ وَأَودى بِالأُسَر
مِن ضَحاياهُ وَما أَكثَرَها
ذَلِكَ الكارِهُ في غَضِّ العُمُر
ما رَأى في العَيشِ شَيئاً سَرَّهُ
وَأَخَفُّ العَيشِ ما ساءَ وَسَر
نَزَلَ العَيشَ فَلَم يَنزِل سِوى
شُعبَةِ الهَمِّ وَبَيداءِ الفِكَر
وَنَهارٍ لَيسَ فيهِ غِبطَةٌ
وَلَيالٍ لَيسَ فيهِنَّ سَمَر
وَدُروسٍ لَم يُذَلِّل قَطفَها
عالِمٌ إِن نَطَقَ الدَرسَ سَحَر
وَلَقَد تُنهِكُهُ نَهكَ الضَنى
ضَرَّةٌ مَنظَرُها سُقمٌ وَضُر
وَيُلاقي نَصَباً مِمّا اِنطَوى
في بَني العَلّاتِ مِن ضِغنٍ وَشَر
إِخوَةٌ ما جَمَعَتهُم رَحِمٌ
بَعضُهُم يَمشونَ لِلبَعضِ الخَمَر
لَم يُرَفرِف مَلَكُ الحُبِّ عَلى
أَبَوَيهِم أَو يُبارِك في الثَمَر
خَلَقَ اللَهُ مِنَ الحُبِّ الوَرى
وَبَنى المُلكَ عَلَيهِ وَعَمَر
نَشَأَ الخَيرِ رُوَيداً قَتلُكُم
في الصِبا النَفسَ ضَلالٌ وَخُسُر
لَو عَصَيتُمُ كاذِبِ اليَأسِ فَما
في صِباها يَنحَرُ النَفَسَ الضَجَر
تُضمِرُ اليَأسَ مِنَ الدُنيا وَما
عِندَها عَن حادِثِ الدُنيا خَبَر
فيمَ تَجنونَ عَلى آبائِكُم
أَلَمَ الثُكلِ شَديداً في الكِبَر
وَتَعُقّونَ بِلاداً لَم تَزَل
بَينَ إِشفاقٍ عَلَيكُم وَحَذَر
فَمُصابُ المُلكِ في شُبّانِهِ
كَمُصابِ الأَرضِ في الزَرعِ النَضِر
لَيسَ يَدري أَحَدٌ مِنكُم بِما
كانَ يُعطى لَو تَأَنّى وَاِنتَظَر
رُبَّ طِفلٍ بَرَّحَ البُؤسُ بِهِ
مُطِرَ الخَيرَ فَتِيّاً وَمَطَر
وَصَبِيٍّ أَزرَتِ الدُنيا بِهِ
شَبَّ بَينَ العِزِّ فيها وَالخَطَر
وَرَفيعٍ لَم يُسَوِّدهُ أَبٌ
مَن أَبو الشَمسِ وَمَن جَدُّ القَمَر
فَلَكٌ جارٍ وَدُنيا لَم يَدُم
عِندَها السَعدُ وَلا النَحسُ اِستَمَر
رَوِّحوا القَلبَ بِلَذّاتِ الصِبا
فَكَفى الشَيبُ مَجالاً لِلكَدَر
عالِجوا الحِكمَةَ وَاِستَشفوا بِها
وَاِنشُدوا ما ضَلَّ مِنها في السِيَر
وَاِقرَأوا آدابَ مَن قَبلِكُم
رُبَّما عَلَّمَ حَيّاً مَن غَبَر
وَاِغنَموا ما سَخَّرَ اللَهُ لَكُم
مِن جَمالٍ في المَعاني وَالصُوَر
وَاِطلُبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا
لِشَهاداتٍ وَآرابٍ أُخَر
كَم غُلامٍ خامِلٍ في دَرسِهِ
صارَ بَحرَ العِلمِ أُستاذَ العُصُر
وَمُجِدٍّ فيهِ أَمسى خامِلاً
لَيسَ فيمَن غابَ أَو فيمَن حَضَر
قاتِلُ النَفسِ لَو كانَت لَهُ
أَسخَطَ اللَهَ وَلَم يُرضِ البَشَر
ساحَةُ العَيشِ إِلى اللَهِ الَّذي
جَعَلَ الوِردَ بِإِذنٍ وَالصَدَر
لا تَموتُ النَفسُ إِلّا بِاِسمِهِ
قامَ بِالمَوتِ عَلَيها وَقَهَر
إِنَّما يَسمَحُ بِالروحِ الفَتى
ساعَةَ الرَوعِ إِذا الجَمعُ اِشتَجَر
فَهُناكَ الأَجرُ وَالفَخرُ مَعاً
مَن يَعِش يُحمَد وَمَن ماتَ أُجِر

زعموا اللؤلؤ من طول النوي

زعموا اللؤلؤ من طول النوى
يظهر السقم ويبدى الاصفرار
فإذا رُدّ إلى موطنه
في جوار البحر يشفيه الجوار
وترى الأصداف لا تعطفها
فرقة الدار ولا بعد المزار
وكذاك النفس في احوالها
حسب الجوهر منها والنجار
إن تكن من صدف تنس الحمى
او تكن من لؤلؤ تبك الديار

انما البنت وان ضاقوا بها

إنما البنت وإن ضاقوا بها
سعة يرزقها الله عباده
أثر الرحمة من والداها
ودليل البر عنوان الوداده
يا سماء أطبقت هالاتها
أمطري أقمار عز وسعادة
أمطرى مصر وشرق الأرض من
ولد الأمجاد أملاكا وساده
ثم مدِّى من بنيهم سرحة
تملأ النيل قراه وبلاده
يسكن الناس إلى أفيائها
ويوافي تحتها الكل مَراده
يا أمير الحلم لا تضجر فما
خاب من أيدّ بالصبر مُراده
إننا نطمع من هذا الصبا
بالذرارىّ الكثير المستزاده
فهو للملك عماد وكفى
إن توانى النسل لم يرفع عماده
قد رضينا قسمة الله لنا
وقرنّا بالرضا شكر الإرادة

قم الي الاهرام واخشع واطرح

قم إلى الأهرام واخشع واطَّرح
خِيلة الصِّيد وزهو الفاتحين
وتمهَّل إنما تمشى على
حَرَم الدهر ونادى الأولين
وارتق الأحجار واصعد منبرا
لم يُسَخَّر لأمير المؤمنين
ادعُ قومي من ذرى أعواده
لخلال كالصباح المستبين
قل لهم عهدىَ فيكم أمةً
عرفوا الحق وقوما صابرين
عطف الدهر على ثورتكم
ولوى الناسَ عليها معجبين
هزت الليث ولما يَصح من
دم غليومَ وصيدٍ آخرين
فرأى ما لم يقع في وهمه
مصر تستكبر والألمان دِين
ثورة أقبلت السلمُ بها
عجبُ الرائين سحرُ السامعين
قام رهط منكم فاقتحموا
كبرياء الفاتحين الظافرين
جحدوا السيف وردّوا حكمه
عُزَّلا إلا من الحق المبين
همة تكتبها مصر لهم
إن أبيتم أن تكونوا الكاتبين
استخفّ الليثُ إجماعكم
وهو نابُ العَجَم الداهي الرزين
فزأرتم زأرة أقعى لها
وأجال اللحظ فيهم يستبين
مستعيذا منكُم بالله أن
تُصبحوا الهند وتمسوا الصِين فِين
نفر تأوى إليهم أمة
ووزير يَتولى الثائرين
وشباب من رآهم عصبةً
قال نَحلٌ أُوذنت بالمعتدين
وجموع عُزَّل ما أكترثت
لجموع بالمواضي معلنين
زادهم سعد شَباتَي همة
كالحسام العضب والرمح السَّنين