أخذت نعشك مصر باليمين

أَخَذَت نَعشَكِ مِصرُ بِاليَمين
وَحَوَتهُ مِن يَدِ الروحِ الأَمين
لَقِيَت طُهرَ بَقاياكِ كَما
لَقِيَت يَثرِبٌ أُمَّ المُؤمِنين
في سَوادَيها وَفي أَحشائِها
وَوَراءَ النَحرِ مِن حَبلِ الوَتين
خَرَجَت مِن قَصرِكِ الباكي إِلى
رَملَةِ الثَغرِ إِلى القَصرِ الحَزين
أَخَذَت بَينَ اليَتامى مَذهَباً
وَمَشَت في عَبَراتِ البائِسين
وَرَمَت طَرفاً إِلى البَحرِ تَرى
مِن وَراءِ الدَمعِ أَسرابَ السَفين
فَبَدَت جارِيَةٌ في حِضنِها
فَنَنُ الوَردِ وَفَرعُ الياسَمين
وَعَلى جُؤجُئِها نورُ الهُدى
وَعَلى سُكّانِها نورُ اليَقين
حَمَلَت مِن شاطِئِ مَرمَرَه
جَوهَرَ السُؤدُدِ وَالكَنزَ الثَمين
وَطَوَت بَحراً بِبَحرٍ وَجَرَت
في الأُجاجِ المِلحِ بِالعَذبِ المَعين
وَاِستَقَلَّت دُرَّةً كانَت سَنىً
وَسَناءً في جِباهِ المالِكين
ذَهَبَت عَن عِليَةٍ صَيدٍ وَعَن
خُرَّدٍ مِن خَفِراتِ البَيتِ عين
وَالتَقِيّاتُ بَناتُ المُتَّقي
وَالآميناتُ بُنَيّاتُ الأَمين
لَبِسَت في مَطلَعِ العِزِّ الضُحى
وَنَضَتهُ كَالشُموسِ الآفِلين
يَدُها بانِيَةٌ غارِسَةٌ
كَيَدِ الشَمسِ وَإِن غابَ الجَبين
رَبَّةُ العَرشَينِ في دَولَتِها
قَد رَكِبتِ اليَومَ عَرشَ العالَمين
أُضجِعَت قَبلَكِ فيهِ مَريَمٌ
وَتَوارى بِنِساءِ المُرَسَلين
إِنَّهُ رَحلُ الأَوالي شَدَّهُ
لَهُم آدَمُ رُسلِ الآخَرين
اِخلَعي الأَلقابَ إِلّا لَقَباً
عَبقَرِيّاً هُوَ أُمُّ المُحسِنين
وَدَعي المالَ يَسِر سُنَّتَهُ
يَمضِ عَن قَومٍ لِأَيدي آخَرين
وَاِقذِفي بِالهَمِّ في وَجهِ الثَرى
وَاِطرَحي مِن حالِقٍ عِبءَ السِنين
وَاِسخَري مِن شانِئٍ أَو شامِتٍ
لَيسَ بِالمُخطِئِ يَومُ الشامِتين
وَتَعَزّي عَن عَوادي دَولَةٍ
لَم تَدُم في وَلَدٍ أَو في قَرين
وَاِزهَدي في مَوكِبٍ لَو شِئتِهِ
لَتَغَطّى وَجهُها بِالدارِعين
ما الَّذي رَدَّ عَلى أَصحابِهِ
لَيسَ يُحيِ مَوكِبُ الدَفنِ الدَفين
رُبَّ مَحمولٍ عَلى المِدفَعِ ما
مَنَعَ الحَوضَ وَلا حاطَ العَرين
باطِلٌ مِن أُمَمٍ مَخدوعَةٍ
يَتَحَدّونَ بِهِ الحَقَّ المُبين
في فَروقٍ وَرُباها مَأتَمٌ
ذَرَفَت آماقَها فيهِ العُيون
قامَ فيها مِن عَقيلاتِ الحِمى
مَلَأٌ بُدِّلنَ مِن عِزٍّ بِهون
أُسَرٌ مالَت بِها الدُنيا فَلَم
تَلقَ إِلّا عِندَكِ الرُكنَ الرَكين
قَد خَلا بَيبَكُ مِن حاتِمِه
وَمِنَ الكاسينَ فيهِ الطاعِمين
طارَتِ النِعمَةُ عَن أَيكَتِه
وَاِنقَضى ما كانَ مِن خَفضٍ وَلين
اليَتامى نُوَّحٌ ناحِيَةً
وَالمَساكينُ يَمُدّونَ الرَنين
دَولَةٌ مالَت وَسُلطانٌ خَلا
دُوِّلَت نُعماهُ بَينَ الأَقرَبين
مُنهِضُ الشَرقِ عَلِيٌّ لَم يَزَل
مِن بَنيهِ سَيِّدٌ في عابِدين
يُصلِحُ اللَهُ بِهِ ما أَفسَدَت
فَتَراتُ الدَهرِ مِن دُنيا وَدين
أُمَّ عَبّاسٍ وَما لي لَم أَقُل
أُمَّ مِصرَ مِن بَناتٍ وَبَنين
كُنتِ كَالوَردِ لَهُم وَاِستَقبَلوا
دَولَةَ الرَيحانِ حيناً بَعدَ حين
فَيُقالُ الأُمُّ في مَوكِبِها
وَيُقالُ الحَرَمُ العالي المَصون
العَفيفِيُّ عَفافٌ وَهُدىً
كَالبَقيعِ الطُهرِ ضَمَّ الطاهِرين
اُدخُلي الجَنَّةَ مِن رَوضَتِه
إِنَّ فيها غُرفَةً لِلصابِرين

يا حماة الطفل خير المحسنين

يا حماة الطفل خير المحسنين
يدكم فيها يد الله المعين
أنظروا عند توافى جمعكم
تجدوا في الجمع جبريل الأمين
ظَلَّلَ الطفلَ ووافاه
مهرجان الله عرض المرسلين
يذكر الفضلَ على الدهر لكم
من رعيتم من بنات وبنين
عرفوا الدهر ولما يولَدوا
فسل الدهر أكانوا مذنبين
غرباء الأهل نزَّاح الحِمى
وجدوا الدار بكم والأقربين
قل لمن إن قيل في البِر لهم
قبضوا الراح وولوا معرضين
أتقوا الأيام في أعقابكم
أأخذتم لهمُ عهد السنين
يأخذ الله وإن طال المدى
ويُدان المرء ما كان يدين
خَلق الحظَّ جُمانا وحصى
خالقُ الإنسان من ماء وطين
ولأمر ما وسر غامض
تسعد النطفة أو يشقى الجنين
فوليد تسجد الدنيا له
وسواه في زوايا المهملين
وابن كسرى لا يُلَقَّى راية
يتلقاها ابن عبد باليمن
رب مهد أزرت البؤسى به
فيه كنز خبأ الغيبُ ثمين
مرضَعا يقطر بؤسا يومه
مغِدق النعمى غدا في العالمين
أو ضعيِف الركن في ألفافه
هو ركن القوم ضرغام العرين
أو طويلِ الصمت أعمى في الصبا
بين برديه المعرىُّ المبين
أو فتاة هينةٍ فوق الثرى
ولَدت من بالثريا يستهين
سيد النيل وواديه معا
مصرك الغرة والشرق الجبين
سعد الكل بناديك فلا
بائس يشقى ولا طفل حزين
ارحم الحساد واغفر للعدا
أنت عند الله والشعب مكين

قام من علته الشاكي الوصب

قامَ مِن عِلَّتِهِ الشاكي الوَصِب
وَتَلَقّى راحَةَ الدَهرِ التَعِب
أَيُّها النَفسُ اِصبِري وَاِستَرجِعي
هَتفَ الناعي بِعَبدِ المُطَّلِب
نَزَلَ التُربَ عَلى مَن قَبلَهُ
كُلُّ حَيٍّ مُنتَهاهُ في التُرُب
ذَهَبَ اللينُ في إِرشادِهِ
كَالأَبِ المُشفِقِ وَالحَدِّ الحَدِب
القَريبُ العَتبِ مِن مَعنى الرِضا
وَالقَريبُ الجِدِّ مِن مَعنى اللَعِب
وَالأَخُ الصادِقُ في الوُدِّ إِذا
ظَهَرَ الإِخوانُ بِالوُدِّ الكَذِب
خاشِعٌ في دَرسِهِ مُحتَشِمٌ
فَكِهٌ في مَجلِسِ الصَفوِ طَرِب
قَلَّدَ الأَوطانَ نَشءً صالِحاً
وَشَباباً أَهلَ دينٍ وَحَسَب
رُبَّما صالَت بِهِم في غَدِها
صَولَةَ الدَولَةِ بِالجَيشِ اللَجِب
جَعَلوا الأَقلامَ أَرماحَهُمُ
وَأَقاموها مَقاماتِ القُضُب
لا يَميلونَ إِلى البَغيِ بِها
كَيفَ يَبغي مَن إِلى العِلمِ اِنتَسَب
شاعِرَ البَدوِ وَمِنهُم جاءَنا
كُلُّ مَعنىً رَقَّ أَو لَفظٍ عَذُب
قَد جَرَت أَلسُنُهُم صافِيَةً
جَرَيانَ الماءِ في أَصلِ العُشُب
سَلِمَت مِن عَنَتِ الطَبعِ وَمِن
كُلفَةِ الأَقلامِ أَو حَشوِ الكُتُب
قَد نَزَلتَ اليَومَ في باديَةٍ
عَمَرَت فيها اِمرَأَ القَيسِ الحِقَب
وَمَشى المَجنونُ فيها سالِياً
نَفَضَ اللَوعَةَ عَنهُ وَالوَصَب
أَعِرِ الناسَ لِساناً يَنظُموا
لَكَ فيهِ الشِعرَ أَو يُنشوا الخُطَب
قُم صِفِ الخُلدَ لَنا في مُلكِهِ
مِن جَلالِ الخُلقِ وَالصُنعِ العَجَب
وَثِمارٍ في يَواقيتِ الرُبى
وَسُلافٍ في أَباريقِ الذَهَب
وَاِنثُرِ الشِعرَ عَلى الأَبرارِ في
قُدُسِ الساحِ وَعُلوِيِّ الرَحِب
وَاِستَعِر رُضوانَ عودَي قَصَبٍ
وَتَرَنَّم بِالقَوافي في القَصَب
وَاِسقِ بِالمَعنى إِلَهِيّاً كَما
تَتَساقَونَ الرَحيقَ المُنسَكِب
كُلَّما سَبَّحتَ لِلعَرشِ بِهِ
رَفَعَ الرَحمَنُ وَالرُسُلُ الحُجُب
قُم تَأَمَّل هَذِهِ الدارُ وَفى
لَكَ مِن طُلّابِها الجَمعُ الأَرِب
وَفَتِ الدارُ لِباني رُكنِها
وَقَضى الحَقَّ بَنو الدارِ النُجُب
طَلَبوا العِلمَ عَلى شَيخِهِمُ
زَمَناً ثُمَّ إِذا الشَيخُ طُلِب
غابَ عَن أَعيُنِهِم لَكِنَّهُ
ماثِلٌ في كُلِّ قَلبٍ لَم يَغِب
صورَةٌ مُحسَنَةٌ ما تَختَفي
وَمِثالٌ طَيِّبٌ ما يَحتَجِب
رَجُلُ الواجِبِ في الدُنيا مَضى
يُنصِفُ الأُخرى وَيَقضي ما وَجَب
عاشَ عَيشَ الناسِ في دُنياهُمُ
وَكَما قَد ذَهَبَ الناسُ ذَهَب
أَخَذَ الدَرسَ الَّذي لُقِّنَهُ
عَجَمُ الناسِ قَديماً وَالعَرَب

روعوه فتولى مغضبا

رَوَّعوهُ فَتَوَلّى مُغضَبا
أَعَلِمتُم كَيفَ تَرتاعُ الظِبا
خُلِقَت لاهِيَةً ناعِمَةً
رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَبا
لي حَبيبٌ كُلَّما قيلَ لَهُ
صَدَّقَ القَولَ وَزَكّى الرِيَبا
كَذَبَ العُذّالُ فيما زَعَموا
أَمَلي في فاتِني ما كَذَبا
لَو رَأَونا وَالهَوى ثالِثُنا
وَالدُجى يُرخي عَلَينا الحُجُبا
في جِوارِ اللَيلِ في ذِمَّتِهِ
نَذكُرُ الصُبحَ بِأَن لا يَقرُبا
مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوى
حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبا
يا غَزالاً أَهِلَ القَلبُ بِهِ
قَلبِيَ السَفحُ وَأَحنى مَلعَبا
لَكَ ما أَحبَبتَ مِن حَبَّتِهِ
مَنهَلاً عَذباً وَمَرعىً طَيِّبا
هُوَ عِندَ المالِكِ الأَولى بِهِ
كَيفَ أَشكو أَنَّهُ قَد سُلِبا
إِن رَأى أَبقى عَلى مَملوكِهِ
أَو رَأى أَتلَفَهُ وَاِحتَسَبا
لَكَ قَدٌّ سَجَدَ البانُ لَهُ
وَتَمَنَّت لَو أَقَلَّتهُ الرُبى
وَلِحاظٌ مِن مَعاني سِحرِهِ
جَمَعَ الجَفنُ سِهاماً وَظُبى
كانَ عَن هَذا لِقَلبي غُنيَةٌ
ما لِقَلبِيَ وَالهَوى بَعدَ الصِبا
فِطرَتي لا آخُذُ القَلبَ بِها
خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لَو جَلَوا حُسنَكَ أَو غَنّوا بِهِ
لِلَبيدٍ في الثَمانينَ صَبا
أَيُّها النَفسُ تَجِدّينَ سُدىً
هَل رَأَيتِ العَيشَ إِلّا لَعِبا
جَرِّبي الدُنيا تَهُن عِندَكِ ما
أَهوَنَ الدُنيا عَلى مَن جَرَّبا
نِلتِ فيما نِلتِ مِن مَظهَرِها
وَمُنِحتِ الخُلدَ ذِكراً وَنَبا

لِيعِنا كل معبود معين

لِيُعِنّا كل معبود معين
نحن حزب البكسِر المتفقين
كي نبيد الغرباء الماردين
إنهم في الصين كانوا مفسدين
ليس ذاك الجنس من نسل البشر
إن شككتم أمعنوا فيه النظر
إنه يا قوم مزرقّ البصر
من بنى إبليس شيطان لعين
جفت الأرض وجافاها السما
وديور الكفر أوقفن السما
أسخط الأرباب منها ما سما
وتولى الجنّ عنا مغضَبين
قد دعونا لنخلّى ديننا
ولنستهزى بأرباب لنا
ولنشرى بالمروءات الخنا
ولنزني والزنا شئ مهين
دونكم يا قوم إيقاد البخور
وألفظوا ألفاظ سحر لا يبور
وإذا شئتم رَدَى أهل الشرور
أتقنوا الحرب علوما وفنون
ها أتى الأرباب من أجبالهم
وتبدى الجنّ من أوغالهم
كي يُروا الأعداء من أفعالهم
أى لكم بشمال ويمين
فانزعوا من أرضكم خط الحديد
واقطعوا أسلاك برق لا تفيد
واخرقوا فُلك العدا كيما تبيد
وأريحوا الصين من شر السفين
ففرنسا ذلك الشعب العزيز
ما له من بأسكم حرز حريز
ألحقوا الروس به والانكليز
واحفظوا الملك على شنك المكين

أيها القصر أترعى عهدنا

أيها القصر أترعى عهدنا
وتفى إن عز في الناس الوفى
لا تُضع عندك أسرار الهوى
واختزنها في الزوايا والحنِى
واتخذ ختما على أشيائه
إن أشياء الهوى كنز سنى
ذكريات كلما حركتها
ضاع من جدرانك المسك الزكي
قُبَل لم يحصها إلا الهوى
طِبن بالصبح وطيبن العشي
يجد الجسم لها همسا كما
خفق السنبل أو رنَ الحلى
وعناق كالجفون اشتبكت
والغصين التف باللدن الطرى
أيها القصر أنقضى عُرس الهوى
وطوى الإِصباح ليل الأنس طى
وقديما في الليالي لم تدم
بهجة العرس ولم يبق الدوِى

حبذا الساحة والظل الظليل

حبذا الساحة والظل الظليل
وثناء في فم الدار جميل
لم تزل تجزى به تحت الثرى
لجة المعروف والنيل الجزيل
صنع إسماعيل جلت يده
كل بنيان على الباني دليل
أتراها سُدَّة من بابه
فتحت للخير جيلا بعد جيل
ملعب الأيام إلا أنه
ليس حظ الجدّ منه بالقليل
شهد الناس بِها عائدة
وشجى الأجيال من فردى الهديل
وأئتنفنا في ذَراها دولة
ركنها السؤدد والمجد الأثيل
أينعت عصرا طويلا وأتت
دون أن نستأنف العصر الطويل
كم ضفرنا الغار في محرابها
وعقدناه لسباق أصيل
كم بدور ودّعت يوم النوى
وشموس شيعت يوم الرحيل
رب عرس مر للبر بها
ماج بالخيرِّ والسمح المنيل
ضحك الأيتام في ليلته
ومشى يستروح البرء العليل
والتقى البائس والنعمى به
وسعى المأوى لأبناء السبيل
ومن الأرض جديب وندٍ
ومن الدور جواد وبخيل
يا شبابا حنفاء ضمهم
منزل ليس بمذموم النزيل
يصرف الشبان عن وِرد القذى
وينحّيهم عن المرعى الوبيل
اذهبوا فيه وجيئوا إخوة
بعضهم خِدن لبعض وخليل
لا يضرنَّكم قلته
كل مولود وإن جل ضئيل
أرجفت في أمركم طائفة
تَبَعُ الظن عن الإنصاف ميل
اجعلوا الصبر لهم حيلتكم
قَلَّت الحيلة في قال وقيل
أيريدون بكم أن تجمعوا
رقة الدين إلى الخلق الهزيل
خلت الأرض من الهَدى ومن
مرشد للنشء بالهدى كفيل
فترى الأسرة فوضى وترى
نَشَأً عن سُنَّة البر يميل
لا تكونوا السيل جهما خشنا
كلما عب وكونوا السلسبيل
رب عين سمحة خاشعة
روت العشب ولم تنس النخيل
لا تماروا الناس فيما اعتقدوا
كل نفس بكتاب وسبيل
وإذا جئتم إلى ناديكم
فاطرحوا خلفكم العبء الثقيل
هذه ليلتكم في الأوبرا
ليلة القدر من الشهر النبيل
مهرجان طوَّف الهادى به
ومشى بين يديه جبرئيل
وتجلت أوجه زيَّنَها
غُرر من لمحة الخير تسيل
فكأن الليل بالفجر انجلى
أو كأن الدار في ظل الأصيل
أيها الأجواد لا نجزيكم
لذة الخير من الخير بديل
رجل الأمة يُرجى عنده
لجليل العمل العونُ الجليل
إن دارا حُطتموها بالندى
أخذت عهد الندى ألا تميل

أيها الثغر بلغت الأملا

أيها الثغر بلغت الأملا
قم إلى الركب وزف المحملا
وامش في موكبه واجتله
موكب الرحمن نعم المجتلى
وتعطر بخَلِيلىِّ الشذى
وتمتع من خليلىّ الحلى
وإذا فاتك لمس بيد
فتزوّد باللحاظ القبلا
واذكر الداعين لله غدا
في منى وادع لهم مبتهلا
هكذا فليتدلل مولد
أخرج الملك الكريم المفضلا
سيقول الناس في أخبارهم
نقل المحمل عباس إلى
جمل يحمل للبيت حلى
ليتني كنت الحلى والجملا
ليتني خُف له أو كلكل
يوم يلقى في المقام الكلكلا
سار يحدوه ويحمى جحفل
ربنا أكلأه لنا والجحفلا
وفدك اللهم كن جارهمو
في بعيد البحر أو قاصى الفلا
وتقبل منهمو تلك الخطى
وأعنهم وأثبهممجزلا
يابن خير الخلق قبلت يدا
بلغ السؤل بها من قبَّلا
وبسطت الكف أبغى دعوة
يوم تأتي الله أصوات الملا
عرفات يعرف الإخلاص لي
و منى تعرف لي صدق الولا
إن تسل عن حسبي أو نسبي
فهما مدحي أباك المرسلا
صلتي عند لا أتركها
وكفاني صلة أن أصلا
أنت في عليا الذرى من أمة
رفعوا مُلكا وشادوا دولا
كلما سارت لأرض خيلهم
سبق العلم إليها الأَسلا
قسما بالقاع والثاوى به
وملاك غيبته كربلا
ما علمت المجد إلا مجدكم
قُصِر المجد عليكم والعلى
ورِث الناس نعيما باطلا
وورثتم وحى ربي المنزلا
دام للحج ولىٌّ منكم
يحرس البيت ويحمى السبلا

ناشئ في الورد من أيامه

ناشِئٌ في الوَردِ مِن أَيّامِهِ
حَسبُهُ اللَهُ أَبِالوَردِ عَثَر
سَدَّدَ السَهمَ إِلى صَدرِ الصِبا
وَرَماهُ في حَواشيهِ الغُرَر
بِيَدٍ لا تَعرِفُ الشَرَّ وَلا
صَلَحَت إِلّا لِتَلهو بِالأُكَر
بُسِطَت لِلسُمِّ وَالحَبلِ وَما
بُسِطَت لِلكَأسِ يَوماً وَالوَتَر
غَفَرَ اللَهُ لَهُ ما ضَرَّهُ
لَو قَضى مِن لَذَّةِ العَيشِ الوَطَر
لَم يُمَتَّع مِن صِبا أَيّامِهِ
وَلَياليهِ أَصيلٌ وَسَحَر
يَتَمَنّى الشَيخُ مِنهُ ساعَةً
بِحِجابِ السَمعِ أَو نورِ البَصَر
لَيسَ في الجَنَّةِ ما يُشبِهُهُ
خِفَّةً في الظِلِّ أَو طيبَ قِصَر
فَصِبا الخُلدِ كَثيرٌ دائِمٌ
وَصِبا الدُنيا عَزيزٌ مُختَصَر
كُلُّ يَومٍ خَبَرٌ عَن حَدَثٍ
سَئِمَ العَيشَ وَمَن يَسأَم يَذَر
عافَ بِالدُنيا بِناءً بَعدَ ما
خَطَبَ الدُنيا وَأَهدى وَمَهَر
حَلَّ يَومَ العُرسِ مِنها نَفسَهُ
رَحِمَ اللَهُ العَروسُ المُختَضَر
ضاقَ بِالعيشَةِ ذَرعاً فَهَوى
عَن شَفا اليَأسِ وَبِئسَ المُنحَدَر
راحِلاً في مِثلِ أَعمارِ المُنى
ذاهِباً في مِثلِ آجالِ الزَهَر
هارِباً مِن ساحَةِ العَيشِ وَما
شارَفَ الغَمرَةَ مِنها وَالغُدُر
لا أَرى الأَيّامَ إِلّا مَعرَكاً
وَأَرى الصِنديدَ فيهِ مَن صَبَر
رُبَّ واهي الجَأشِ فيهِ قَصَفٌ
ماتَ بِالجُبنِ وَأَودى بِالحَذَر
لامَهُ الناسُ وَما أَظلَمَهُم
وَقَليلٌ مَن تَغاضى أَو عَذَر
وَلَقَد أَبلاكَ عُذراً حَسَناً
مُرتَدي الأَكفانِ مُلقىً في الحُفَر
قالَ ناسٌ صَرعَةٌ مِن قَدَرٍ
وَقَديماً ظَلَمَ الناسُ القَدَر
وَيَقولُ الطِبُّ بَل مِن جَنَّةٍ
وَرَأَيتُ العَقلَ في الناسِ نَدَر
وَيَقولونَ جَفاءٌ راعَهُ
مِن أَبٍ أَغلَظَ قَلباً مِن حَجَر
وَاِمتِحانٌ صَعَّبَتهُ وَطأَةٌ
شَدَّها في العِلمِ أُستاذٌ نَكِر
لا أَرى إِلّا نِظاماً فاسِداً
فَكَّكَ الغَلمَ وَأَودى بِالأُسَر
مِن ضَحاياهُ وَما أَكثَرَها
ذَلِكَ الكارِهُ في غَضِّ العُمُر
ما رَأى في العَيشِ شَيئاً سَرَّهُ
وَأَخَفُّ العَيشِ ما ساءَ وَسَر
نَزَلَ العَيشَ فَلَم يَنزِل سِوى
شُعبَةِ الهَمِّ وَبَيداءِ الفِكَر
وَنَهارٍ لَيسَ فيهِ غِبطَةٌ
وَلَيالٍ لَيسَ فيهِنَّ سَمَر
وَدُروسٍ لَم يُذَلِّل قَطفَها
عالِمٌ إِن نَطَقَ الدَرسَ سَحَر
وَلَقَد تُنهِكُهُ نَهكَ الضَنى
ضَرَّةٌ مَنظَرُها سُقمٌ وَضُر
وَيُلاقي نَصَباً مِمّا اِنطَوى
في بَني العَلّاتِ مِن ضِغنٍ وَشَر
إِخوَةٌ ما جَمَعَتهُم رَحِمٌ
بَعضُهُم يَمشونَ لِلبَعضِ الخَمَر
لَم يُرَفرِف مَلَكُ الحُبِّ عَلى
أَبَوَيهِم أَو يُبارِك في الثَمَر
خَلَقَ اللَهُ مِنَ الحُبِّ الوَرى
وَبَنى المُلكَ عَلَيهِ وَعَمَر
نَشَأَ الخَيرِ رُوَيداً قَتلُكُم
في الصِبا النَفسَ ضَلالٌ وَخُسُر
لَو عَصَيتُمُ كاذِبِ اليَأسِ فَما
في صِباها يَنحَرُ النَفَسَ الضَجَر
تُضمِرُ اليَأسَ مِنَ الدُنيا وَما
عِندَها عَن حادِثِ الدُنيا خَبَر
فيمَ تَجنونَ عَلى آبائِكُم
أَلَمَ الثُكلِ شَديداً في الكِبَر
وَتَعُقّونَ بِلاداً لَم تَزَل
بَينَ إِشفاقٍ عَلَيكُم وَحَذَر
فَمُصابُ المُلكِ في شُبّانِهِ
كَمُصابِ الأَرضِ في الزَرعِ النَضِر
لَيسَ يَدري أَحَدٌ مِنكُم بِما
كانَ يُعطى لَو تَأَنّى وَاِنتَظَر
رُبَّ طِفلٍ بَرَّحَ البُؤسُ بِهِ
مُطِرَ الخَيرَ فَتِيّاً وَمَطَر
وَصَبِيٍّ أَزرَتِ الدُنيا بِهِ
شَبَّ بَينَ العِزِّ فيها وَالخَطَر
وَرَفيعٍ لَم يُسَوِّدهُ أَبٌ
مَن أَبو الشَمسِ وَمَن جَدُّ القَمَر
فَلَكٌ جارٍ وَدُنيا لَم يَدُم
عِندَها السَعدُ وَلا النَحسُ اِستَمَر
رَوِّحوا القَلبَ بِلَذّاتِ الصِبا
فَكَفى الشَيبُ مَجالاً لِلكَدَر
عالِجوا الحِكمَةَ وَاِستَشفوا بِها
وَاِنشُدوا ما ضَلَّ مِنها في السِيَر
وَاِقرَأوا آدابَ مَن قَبلِكُم
رُبَّما عَلَّمَ حَيّاً مَن غَبَر
وَاِغنَموا ما سَخَّرَ اللَهُ لَكُم
مِن جَمالٍ في المَعاني وَالصُوَر
وَاِطلُبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا
لِشَهاداتٍ وَآرابٍ أُخَر
كَم غُلامٍ خامِلٍ في دَرسِهِ
صارَ بَحرَ العِلمِ أُستاذَ العُصُر
وَمُجِدٍّ فيهِ أَمسى خامِلاً
لَيسَ فيمَن غابَ أَو فيمَن حَضَر
قاتِلُ النَفسِ لَو كانَت لَهُ
أَسخَطَ اللَهَ وَلَم يُرضِ البَشَر
ساحَةُ العَيشِ إِلى اللَهِ الَّذي
جَعَلَ الوِردَ بِإِذنٍ وَالصَدَر
لا تَموتُ النَفسُ إِلّا بِاِسمِهِ
قامَ بِالمَوتِ عَلَيها وَقَهَر
إِنَّما يَسمَحُ بِالروحِ الفَتى
ساعَةَ الرَوعِ إِذا الجَمعُ اِشتَجَر
فَهُناكَ الأَجرُ وَالفَخرُ مَعاً
مَن يَعِش يُحمَد وَمَن ماتَ أُجِر

زعموا اللؤلؤ من طول النوى

زعموا اللؤلؤ من طول النوى
يظهر السقم ويبدى الاصفرار
فإذا رُدّ إلى موطنه
في جوار البحر يشفيه الجوار
وترى الأصداف لا تعطفها
فرقة الدار ولا بعد المزار
وكذاك النفس في احوالها
حسب الجوهر منها والنجار
إن تكن من صدف تنس الحمى
او تكن من لؤلؤ تبك الديار