من أعجب الأخبار أن الأرنبا

مِن أَعجَبِ الأَخبارِ أَنَّ الأَرنَبا
لَمّا رَأى الديكَ يَسُبُّ الثَعلَبا
وَهوَ عَلى الجِدارِ في أَمانِ
يَغلِبُ بِالمَكانِ لا الإِمكانِ
داخَلَهُ الظَنُّ بِأَنَّ الماكِرا
أَمسى مِنَ الضَعفِ يُطيقُ الساخِرا
فَجاءَهُ يَلعَنُ مِثلَ الأَوَّلِ
عِدادَ ما في الأَرضِ مِن مُغَفَّلِ
فَعَصَفَ الثَعلَبُ بِالضَعيفِ
عَصفَ أَخيهِ الذيبِ بِالخَروفِ
وَقالَ لي في دَمِكَ المَسفوكِ
تَسلِيَةٌ عَن خَيبَتي في الديكِ
فَاِلتَفَتَ الديكُ إِلى الذَبيحِ
وَقالَ قَولَ عارِفٍ فَصيحِ
ما كُلُّنا يَنفَعُهُ لِسانُه
في الناسِ مَن يُنطِقُهُ مَكانُه

كان لسلطان نديم واف

كانَ لِسُلطانٍ نَديمٌ وافِ
يُعيدُ ما قالَ بِلا اِختِلافِ
وَقَد يَزيدُ في الثَنا عَلَيهِ
إِذا رَأى شَيئاً حَلا لَدَيهِ
وَكانَ مَولاهُ يَرى وَيَعلَمُ
وَيَسمَعُ التَمليقَ لَكِن يَكتُمُ
فَجَلسا يَوماً عَلى الخِوانِ
وَجيءَ في الأَكلِ بِباذِنجانِ
فَأَكَلَ السُلطانُ مِنهُ ما أَكَل
وَقالَ هَذا في المَذاقِ كَالعَسَل
قالَ النَديمُ صَدقَ السُلطانُ
لا يَستَوي شَهدٌ وَباذِنجانُ
هَذا الَّذي غَنى بِهِ الرَئيسُ
وَقالَ فيهِ الشِعرَ جالينوسُ
يُذهِبُ أَلفَ عِلَّةٍ وَعِلَّه
وَيُبرِدُ الصَدرَ وَيَشفي الغُلَّه
قالَ وَلَكِن عِندَهُ مَرارَه
وَما حَمَدتُ مَرَّةً آثارَه
قالَ نَعَم مُرٌّ وَهَذا عَيبُه
مُذ كُنتُ يا مَولايَ لا أُحِبُّه
هَذا الَّذي ماتَ بِهِ بُقراطُ
وَسُمَّ في الكَأسِ بِهِ سُقراطُ
فَاِلتَفَتَ السُلطانُ فيمَن حَولَهُ
وَقالَ كَيفَ تَجِدونَ قَولَه
قالَ النَديمُ يا مَليكَ الناسِ
عُذراً فَما في فِعلَتي مِن باسِ
جُعِلتُ كَي أُنادِمَ السُلطانا
وَلَم أُنادِم قَطُّ باذِنجانا

قم سابق الساعة واسبق وعدها

قُم سابِقِ الساعَةَ وَاِسبِق وَعدَها
الأَرضُ ضاقَت عَنكَ فَاِصدَع غِمدَها
وَاِملَأ رِماحاً غَورَها وَنَجدَها
وَاِفتَح أُصولَ النيلِ وَاِستَرِدَّها
شَلّالَها وَعَذبَها وَعِدَّها
وَاِصرِف إِلَينا جَزرَها وَمَدَّها
تِلكَ الوُجوهُ لا شَكَونا فَقدَها
بَيَّضَتِ القُربى لَنا مُسوَدَّها
سُلِلَت مِن وادي المُلوكِ فَاِزدَهى
وَأَلقَتِ الشَمسُ عَلَيهِ رَأدَها
وَاِستَرجَعَت دَولَتُهُ إِفرِندَها
أَبيَضَ رَيّانَ المُتونِ وَردَها
أَبلى ظُبى الدَهرِ وَفَلَّ حَدَّها
وَأَخلَقَ العُصورَ وَاِستَجَدَّها
سافَرَ أَربَعينَ قَرناً عَدَّها
حَتّى أَتى الدارَ فَأَلفى عِندَها
إِنجِلتِرا وَجَيشَها وَلوردَها
مَسلولَةَ الهِندِيِّ تَحمي هِندَها
قامَت عَلى السودانِ تَبني سَدَّها
وَرَكَزَت دونَ القَناةِ بَندَها
فَقالَ وَالحَسرَةُ ما أَشَدَّها
لَيتَ جِدارَ القَبرِ ما تَدَهدَها
وَلَيتَ عَيني لَم تُفارِق رَقدَها
قُم نَبِّني يا بَنتَؤورُ ما دَها
مِصرُ فَتاتي لَم تُوَقِّر جَدَّها
دَقَّت وَراءَ مَضجَعي جازَبَندَها
وَخَلَطَت ظِباءَها وَأُسدَها
وَسَكَبَ الساقي الطِلا وَبَدَّها
قَد سَحَبَت عَلى جَلالي بُردَها
لَيتَ جَلالَ المَوتِ كانَ صَدَّها
فَقُلتُ يا ماجِدَها وَجَعدَها
لَو لَم تَكُ اِبنَ الشَمسِ كُنتَ رِئدَها
لَحدُكَ وَدَّتهُ النُجومُ لَحدَها
أَرَيتَنا الدُنيا بِهِ وَجِدَّها
سُلطانَها وَعِزَّها وَرَغدَها
وَكَيفَ يُعطى المُتَّقونَ خُلدَها
آثارُكُم يُخطي الحِسابُ عَدَّها
اِنهَدَمَ الدَهرُ وَلَم يَهُدَّها
أَبوابُكَ اللاتي قَصَدنا قَصدَها
كارتِرُ في وَجهِ الوُفودِ رَدَّها
لَولا جُهودٌ لا نُريدُ جَحدَها
وَحُرمَةٌ مِن قُربِكَ اِستَمَدَّها
قُلتُ لَكَ اِضرِب يَدَهُ وَقُدَّها
وَاِبعَث لَهُ مِنَ البَعوضِ نُكدَها
مِصرُ الفَتاةُ بَلَغَت أَشُدَّها
وَأَثبَتَ الدَمُ الزَكِيُّ رُشدَها
وَلَعِبَت عَلى الحِبالِ وَحدَها
وَجَرَّبَت إِرخائَها وَشَدَّها
فَأَرسَلَت دُهاتَها وَلُدَّها
في الغَربِ سَدّوا عِندَهُ مَسَدَّها
وَبَعَثَت لِلبَرلَمانِ جُندَها
وَحَشَدَت لِلمِهرَجانِ حَشدَها
حَدَت إِلَيهِ شيبَها وَمُردَها
وَأَبرَزَت كِعابَها وَخَودَها
وَنَثَرَت فَوقَ الطَريقِ وَردَها
وَاِستَقبَلَت فُؤادَها وَوَفدَها
مَوئِلَها وَكَهفَها وَرِدَّها
وَاِبنَ الَّذينَ قَوَّموا مَقَدَّها
وَأَلَّفوا بَعدَ اِنفِراطٍ عِقدَها
وَجَعَلوا صَحراءَ ليبيا حَدَّها
وَبَسَطوا عَلى الحِجازِ أَيدَها
وَصَيَّروا العاتِيَ فيهِ عَبدَها
حَتّى أَتى الدارَ الَّتي أَعَدَّها
لِمِصرَ تَبني في ذَراها مَجدَها
فَثَبَّتَ الشورى وَشَدَّ عَقدَها
وَقَلَّدَ الجيلَ السَعيدَ عَهدَها
سُلطَتُهُ إِلى بَنينا رَدَّها
يا رَبِّ قَوِّ يَدَها وَشُدَّها
وَاِفتَح لَها السُبلُ وَلا تَسُدَّها
وَقِس لِكُلِّ خُطوَةٍ ما بَعدَها
وَعَن صَغيراتِ الأُمورِ حُدَّها
وَاِصرِف إِلى جِدِّ الشُؤونِ جَدَّها
وَلا تُضِع عَلى الضَحايا جُهدَها
وَاِكبَح هَوى الأَنفُسِ وَاِكسِر حِقدَها
وَاِجمَع عَلى الأُمِّ الرَؤومِ وِلدَها
وَاِملَأ بِأَلبانِ النُبوغِ نَهدَها
وَلا تَدَعها تُحيِ مُستَبِدَها
وَتَنتَحِت بِراحَتَيها فَردَها

ظبي رأى صورته في الماء

ظَبيٌ رَأى صورَتَهُ في الماءِ
فَرَفَعَ الرَأسَ إِلى السَماءِ
وَقالَ يا خالِقَ هَذا الجيدِ
زِنهُ بِعِقدِ اللُؤلُؤِ النَضيدِ
فَسَمِعَ الماءَ يَقولُ مُفصِحا
طَلَبتَ يا ذا الظَبيُ ما لَن تُمنَحا
إِنَّ الَّذي أَعطاكَ هَذا الجيدا
لَم يُبقِ في الحُسنِ لَهُ مَزيدا
لَو أَنَّ حُسنَهُ عَلى النُحورِ
لَم يُخرِجِ الدُرَّ مِنَ البُحور
فَاِفتَتَنَ الظَبيُ بِذي المَقالِ
وَزادَهُ شَوقاً إِلى اللآلي
وَلَم يَنَلهُ فَمُهُ السَقيمُ
فَعاشَ دَهراً في الفَلا يَهيمُ
حَتّى تَقَضّى العُمرُ في الهُيامِ
وَهَجرِ طيبِ النَومِ وَالطَعامِ
فَسارَ نَحوَ الماءِ ذاتَ مَرَّه
يَشكو إِلَيهِ نَفعَهُ وَضَرَّه
وَبَينَما الجارانِ في الكَلام
أَقبَلَ راعي الدَيرِ في الظَلام
يَتبَعُهُ حَيثُ مَشى خِنزيرُ
في جيدِهِ قِلادَةٌ تُنيرُ
فَاِندَفَعَ الظَبيُ لِذاكَ يَبكي
وَقالَ مِن بَعدِ اِنجِلاءِ الشَك
ما آفَةُ السَعيِ سِوى الضَلالِ
ما آفَةُ العُمرِ سِوى الآمالِ
لَولا قَضاءُ الملِكِ القَدير
لَما سَعى العِقدُ إِلى الخِنزير
فَاِلتَفَتَ الماءُ إِلى الغَزالِ
وَقالَ حالُ الشَيخِ شَرُّ حالِ
لا عَجَبٌ إِنَّ السِنينَ موقِظَه
حَفِظتَ عُمراً لَو حَفِظتَ مَوعِظَه

يقال إن الليث في ذي الشده

يُقالُ إِنَّ اللَيثَ في ذي الشِدَّه
رَأى مِنَ الذِئبِ صَفا المَوَدَّه
فَقالَ يا مَن صانَ لي مَحَلّي
في حالَتَي وِلايَتي وَعَزلي
إِن عُدتُ لِلأَرضِ بِإِذنِ اللَهِ
وَعادَ لي فيها قَديمُ الجاهِ
أعطيكَ عِجلَينِ وَأَلفَ شاةِ
ثُمَّ تَكونُ والِيَ الوُلاةِ
وَصاحِبَ اللِواءِ في الذِئابِ
وَقاهِرَ الرُعاةِ وَالكِلابِ
حَتّى إِذا ما تَمَّتِ الكَرامَه
وَوَطِئَ الأَرضَ عَلى السَلامَه
سَعى إِلَيهِ الذِئبُ بَعدَ شَهرِ
وَهوَ مُطاعُ النَهيِ ماضي الأَمرِ
فَقالَ يا مَن لا تُداسُ أَرضُه
وَمَن لَهُ طولُ الفَلا وَعَرضُه
قَد نِلتَ ما نِلتَ مِنَ التَكريمِ
وَذا أَوانِ المَوعِدِ الكَريمِ
قالَ تَجَرَّأتَ وَساءَ زَعمُكُما
فَمَن تَكونُ يا فَتى وَما اِسمُكا
أَجابَهُ إِن كانَ ظَنّي صادِقاً
فَإِنَّني والي الوُلاةِ سابِقا

يا أيها السائل ما الحرية

يا أيها السائل ما الحرية
سالتَ عن جوهرة سنيه
تضئ أرواحا لنا زكيه
يا نعمت الحياة بالحريه
لذاذة طاهرة نقيه
تبعث في قلوبنا الحميه
تبعث فيها الهمة الأبيه
فتأنف المواقف الدنيه
وتألف المنازل العليه
العز كل العز في الحريه
يا جاهلا معاني الحريه
يا فاقدا حسّ الحياة الحيه
عميت عن أنوارها البهيه
صممت عن أنغامها الشجيه
فأنت في غفلتك الغبيه
أشبه بالبهائم الوحشيه
لم تَرد الموارد الشهيه
لم تعرف اللذائذ الهنيه
موردك المذلة القصيه
لذتّك النقائصُ البذية
تعيش عبدا حاله شقيه
مستضعَفا تمقتك البريه
يا سالبا نفوسنا الحريه
يا راكبا مراكب الخطيه
الله أعطاك لنا عطية
غريزة في خلقه فطريه
لَنبذلنَّ دونها ضحية
النفس والنفيس والذرّيه

يا سعد إن أنت دخلت لوندرة

يا سعد إن أنت دخلت لوندرة
منتصرا مظفرا كعنترة
وجاءك اللورد على المحطة
وحمل الأتباع عنك الشنطة
وسرت محمولا على الأكتاف
بين قيام الناس والهتاف
وقيل تلميذ الإمام مرا
يا مرحبا به وألف هورّا
اختاره اللورد من الأنام
معتدل المبدأ والقوام
كأنه بوتا الفتى المظفّر
بين صفوف المعجبين يخطر
كلاهما بودّه حبانا
من بعد شر غارة أصلانا
هذا غزانا بالسيوف اللامعة
وذا غزانا مرة بالجامعة
فقم خطيبا في بنى التاميز
وامدح مذل الوطن العزيز
وقل لهم أخذتم فرعونا
وكان للعبد الفقير عونا
عندي وإن زالت به الأيام
حب له في القلب واحترام

أتى نبي الله يوما ثعلب

أَتى نَبِيَّ اللَهِ يَوماً ثَعلَبُ
فَقالَ يا مَولايَ إِنّي مُذنِبُ
قَد سَوَّدَت صَحيفَتي الذُنوبُ
وَإِن وَجَدتُ شافِعاً أَتوبُ
فَاِسأَل إِلهي عَفوَهُ الجَليلا
لِتائِبٍ قَد جاءَهُ ذَليلا
وَإِنَّني وَإِن أَسَأتُ السَيرا
عَمِلتُ شَرّاً وَعَملتُ خَيرا
فَقَد أَتاني ذاتَ يَومٍ أَرنَبُ
يَرتَعُ تَحتَ مَنزِلي وَيَلعَبُ
وَلَم يَكُن مُراقِبٌ هُنالِكا
لَكِنَّني تَرَكتُهُ مَع ذَلِكا
إِذ عِفتُ في اِفتِراسِهِ الدَناءَه
فَلَم يَصِلهُ مِن يَدي مَساءَه
وَكانَ في المَجلِسِ ذاكَ الأَرنَبُ
يَسمَعُ ما يُبدي هُناكَ الثَعلَبُ
فَقالَ لَمّا اِنقَطَعَ الحَديثُ
قَد كانَ ذاكَ الزُهدُ يا خَبيثُ
وَأَنتَ بَينَ المَوتِ وَالحَياةِ
مِن تُخمَة أَلقَتكَ في الفَلاةِ