الله اعلم والقبور

الله أعلم والقبور
النفس تخلد أم تبور
سرّ مضى الموتى به
ومضت على الموتى الدهور
لم ينكشف عنه الحجا
ب ولم تزح عنه الستور
هيهات ما كان البلى
حرب القيام ولا الدثور
من كان يحيى أو يميت
فليس يعجزه النشور
والله لولا عالم
جعلته قِبلتها الصدور
يخفى الفؤاد له الهوى
ويخاف قاضيه الضمير
وإليه يفزع من أسى
يطغى ومن ثكل يثور
ومن الحياة وما تجرّ
على البنين وما تجور
لقضى الحزين بحزنه
ولمات بالكيف الفقير
يبكى الشباب على فتى
ملأ الشباب هو الأمير
يبكى خلال البر في الأكفا
ن سار بها السرير
يبكى المروءة في الثرى
ذهبت وغيبها الحفير
يبكى فتى ماء الحيا
ء على أسرته غزير
فإذا استثير فضيغم
دون الحقوق له زئير
يا نور هَل في الأرض تض
طجع الأهِلة والبدور
قسمات وجهك في الثرى
من ظلمة الأرماس نور
هجمت عليك منية
هوجاء فاتكة جسور
ما آذنتك ولا مشى
في عارضيك بها النذير
خفت عليك زيارة
والموت أثقل من يزور
موت كما أخذ الكرى
لا نزع فيه ولا حضور
منع التلفت في الحيا
ة وفاتك النظر الأخير
مما يعدّ لصيده
قدّر على المرمى قدير
المصميات من القوا
صد في كِنانته كثير
يا نور كأس الموت من
نفس إلى نفس تدور
يُسقى بها الشيخ الكبـ
ـير ويشرب الطفل الصغير
لا السن عالية صحت
منها ولا العمر النضير
كالريح تنقصف الغصو
ن بها وتنقلع الجذور
إِن التي تبكيك تعـ
ـرفها المصاحف والخدور
ما في ثياب حدادها
إلا مصلِّية صبور
طهر زيان به الحجا
ب ولا يشان به السفور
إن الإناث إذا صلحـ
ـن بأمة صلح الذكور
لا ينِسينَّك عهدَها
عِين من الفردوس حور
فأديمها كأديمـ
ـهن كلاهما النزه الطهور
يا نور هبك بلغت ما
بلغت من العمر النسور
تُطوى لك الأيام في
مَهل وينشرها السرور
هل كنت إلا للذي
بالأمس صرت له تصير
أحلام عيش لا يدو
م طويلهن ولا القصير

يتنازع الارباب فيك نفاسة

يتنازع الأرباب فيك نفاسة
كل يمنّ بأنه سّواكا
ربٌّ يقول خلقته ورزقته
قلما يروع صريره الأفلاكا
فيصبح منحنق إله آخر
أقصر فلست هنا ولست هناكا
أنا ربه سوّيته ورفعته
في الناس حتى ساير الأملاكا
ورزقته دار المؤيد فابتنى
فيها القصور وشيد الأملاكا
فاذا أشاء رفعته فوق السها
وجعلته فوق السماك سماكا
وإذا أشاء وضعته وجعلته
كفريد وجدى كاتبا أفاكا
شيخ المؤيد بالمؤيد بالذي
خلق المؤيد بالذي أغناكا
هل أنت خِلقة واحد متصرف
في ملكه لا يرتضى الإشراكا
أم أنت خلقة لجننة شيمية
تهب العقول وتمنح الإدراكا
سبحانها من لجنة لو أنها
خلقت لنا بين الرجال سواكا
لو أنني من صنعهم لنكرتهم
وجحدتهم فاكفر بذاك وذاكا
لله أنت أبا الصحافة لا لهم
كذبوا فهم لا يخلقون شراكا

هام الفؤاد بشادن

هام الفؤاد بشادن
ألف الدلال على المدى
أبكى فيضحك ثغره
والكِتم يفتحه الندى

في القبر ام في فؤادي الواجف

في القبر أم في فؤادي الواجف
عكفت يا ابني ولم تزل عاكف
آنست في الترب خير والدة
من حيث أوحشت والدا لاهف
فمن له بالحمام بعدكما
يلقاه لا كارها ولا خائف
يا غربة في العلوم ما طويت
إلا بسيف المنية الخاطف
ويا شبابا بدا له ثمر
ما كان غير الردى له قاطف
كونا لدى الله شافعَين له
وسلما نحو ظله الوارف
وأيِّدا داعيا يؤرّخه
في نعم الخلد مصطفى عاكف

اكذا تقر البيض في الاغماد

أكذا تقر البيض في الأغماد
أكذا تحين مصارع الآساد
خطوا المضاجع في التراب لفارس
جنباه مضطجع من الأطواد
مالت بقسطاس الحقوق نوازل
ومشت على ركن القضاء عواد
ورمى فحط البدر عن عليائه
رام يصيب الشمس في الآراد
قل للمنية نلت ركن حكومة
وهدمت حائط أمة وبلاد
ووقفت بين الحاسدين وبينه
يا راحة المحسود والحساد
كل له يوم وأنت بمرصد
لتصيّد الأحباب والأضداد
ما كل يوم تظفرين بمثله
إن النجوم عزيزة الميلاد
يا ساكن الصحراء منفردا بها
كالنجم أو كالسيل أو كالصاد
كم عن يمينك أو يسارك لو ترى
من فيلق متتابع الأمداد
ألقى السلاح ونام عن راياته
متبدد الأمراء والأجناد
ومصفدٍ ما داينوه وطالما
دان الرجال فبتن في الأصفاد
ومطيع أحكام المنون وطالما
سبقت لطاعته يد الجلاد
ومعانق الأكفان في جوف الثرى
بعد الطراز الفخم في الأعياد
مرت عليك الأربعون صبيحة
مر القرون على ثمود وعاد
في منزل ضربت عليه يد البلى
بحوالك الظلمات والأسداد
يا أحمد القانونُ بعدك غامض
قلِق البنود مجلل بسواد
والأمر اعوج والشئون سقيمة
مختلة الإصدار والإيراد
والأمر مختلط الفصيح بضده
تبكى جواهره على النقاد
وأتت على الأقلام بعدك فترة
قُطمت وكانت مدمنات مداد
عجبي لنفسك لم تدع لك هيكلا
إن النفوس لآفة الأجساد
ولرأسك العالى تناثر لبه
ونزا وصار نسيجه لفساد
لو كان ماسا ذاب أو ياقوتة
لتحرقت بذكائك الوقاد
حمَّلتَه في ليله ونهاره
همّ الفؤاد وهمة الإرشاد
فقتلته ورزحت مقتولا به
رب اجتهاد قاتل كجهاد
جد الطيب فكان غاية جده
تقليب كفيه إلى العواد
والمةت حق في البرية قاهر
عجبي لحق قام باستبداد
لا جدّ إلا الموت والإنسان في
لعب الحياة ولهوها متماد
وَّليت في إثر الشباب ومن يعش
بعد الشباب يعش بغير عماد
من ذم من ورد الشبيبة شوكه
حمل المشيب إليه شوك قتاد
حرص الرجال على حياة بعدها
حرض الشحيح على فضول الزاد
يابن القرى ناتل بمولدك القرى
ما لم تنله حواضر وبواد
غذتك بعد حَسَن المغبِة سائغٍ
وسقتك من جارى المياه بُراد
وتعاهدتك أشعة في شمها
ينفذن عافيةً إلى الأبراد
ونشأت بين الطاهرين سرائرا
والطاهرات الصالحات العاد
رضوات عيش في صلاح عشيرة
في طهر سقف في عفاف وساد
فُجعت بخير بُناتها ومضت به
ريح المنية قبل حين حصاد
أمسى ذووك طويلة حسراتهم
وأخوك ينشد أوثق الأعضاد
في ذمة الشبان ما استودعتهم
من خاطر وقريحة وفؤاد
ووسائل لك لا تُمل كأنها
كتب الصبابة أو حديث وداد
وخطابة في كل ناد حافل
ينصبّ آذانا إليها النادى
ومعربات كالمنار وإنها
لزيادة في رأس مال الضاد
وإذا المعرب نال أسرار اللُّغى
روَّى عبادا من إناء عباد
العلم عندك والبيان مواهب
حليتها بشمائل الأمجاد
ومن المهانة للنبوغ وأهله
شبه النبوغ تراه في الأوغاد
فتحى رئيتك للبلاد وأهلها
ولرائح فوق التراب وغاد
وسبقت فيك القائلين لمنبر
عال عليهم خالد الأعواد
ما زلت تسمع منه كل بديهة
حتى سمعت يتيمة الإنشاد
وحياة مثلك للرجال نموذج
ومماتك المثل القويم الهادى
ورثاؤك الإرشاد والعظة التي
تُلقى على العظماء والأفراد
مكسوب جاهك فوق كل مقلَّد
وطريف مجدك فوق كل تلاد
فخر الولاية والمناصب عادة
كالفخر بالآباء والأجداد
ولربما عقدا نِجادا للعصا
والصارم الماضي بغير نجاد
فافخر بفضلك فهو لا أنسابه
تبلى ولا سلطانه لنقاد

ماذا رجوت من الحفاوة عنده

ماذا رجوت من الحفاوة عنده
يا بائع القرآن بالإنجيل
دع ملك إدورد وخل بلاده
يكفيك عسكره بوادى النيل
خلقان فيك تخلفا وتباعدا
حب الجميل وكفر كل جميل

دهر مصائبه عندي بلا عدد

دهر مصائبه عندي بلا عدد
لم يجن أمثالها قبلي على أحد
عمٌّ يخون وأم لا وفاء لها
أمّ ولكن بلا قلب ولا كبد
جنت علىّ هموم العيش قاطبة
وقبلها ما جنت أمّ على ولد
لما مددت يدى بالشر منتقما
منها نهاني أبي عن أن أمدّ دي
رحماك رحماك يا ذاك الخيال ويا
أمّاه رفقا ويا عادي الهوى أتئد
أنا الشقىّ المعنّى المبتلَى أبدا
وقفت أمس ويومي للأسى وغدي
أمشي وراء خيال لا يفارقني
كأنه نكدي في العيش أو كمدي
وأهجر الوجد للثارات أطلبها
ومثل وجدي قلوب الناس لم تجد
هويت والنفس لا تسلو ضغائنها
فضعت بين الهوى والحقد بالرشد
إن ضقت يا دارنا الدنيا بنا أملا
في دارِنا الخلد آمال بلا عدد
صباىَ ودِّع شبابيَ سِر حِماميَ حِن
دنياىَ زولى خيالَ الشقوة ابتعد

سلام من صبا بردي ارق

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي
إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَداً وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ
وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري
وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرقُ
وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ
لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ
عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ
وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ
رُواةُ قَصائِدي فَاِعجَب لِشِعرٍ
بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ
غَمَزتُ إِباءَهُم حَتّى تَلَظَّت
أُنوفُ الأُسدِ وَاِضطَرَمَ المَدَقُّ
وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ
أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ
لَحاها اللَهُ أَنباءً تَوالَت
عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ
وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها
تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّت
وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئراً
وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ
صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّل
وَلَم يوسَمَ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ
وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَت
لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ
سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ
وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رِقُّ
بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى وَمُلكاً
غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ
لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ
بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها
أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ
وَهَل غُرَفُ الجِنانِ مُنَضَّداتٌ
وَهَل لِنَعيمِهِنَّ كَأَمسِ نَسقُ
وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ
مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ
بَرَزنَ وَفي نَواحي الأَيكِ نارٌ
وَخَلفَ الأَيكِ أَفراخٌ تُزَقُّ
إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ
أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ
بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا
وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ
إِذا عَصَفَ الحَديدُ اِحمَرَّ أُفقٌ
عَلى جَنَباتِهِ وَاِسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ
أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانو
قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا
أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
إِذا ماجاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ
يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا
وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ
كَمُنهَلِّ السَماءِ وَفيهِ رِزقُ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا
وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها
فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
بَني سورِيَّةَ اِطَّرِحوا الأَماني
وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا
فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا
بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ
وَكَم صَيَدٍ بَدا لَكَ مِن ذَليلٍ
كَما مالَت مِنَ المَصلوبِ عُنقُ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضي
وَلا يَمضي لِمُختَلِفينَ فَتقُ
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ داراً
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اِختَلَفَت بِلادٌ
بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَقَفتُم بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ
فَإِن رُمتُم نَعيمَ الدَهرِ فَاِشقوا
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا
إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا
وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ
وَفي الأَسرى فِدىً لَهُمو وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُم ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
نَصَرتُم يَومَ مِحنَتِهِ أَخاكُم
وَكُلُّ أَخٍ بِنَصرِ أَخيهِ حَقُّ
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ
وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ
كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقّوا
لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ
مَوارِدُ في السَحابِ الجونِ بُلقُ
لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ
نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ
كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئاً
فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ

سالتك بالوداد ابا حسين

سَأَلتُكَ بِالوِدادِ أَبا حُسَينٍ
وَبِالذِمَمِ السَوالِفِ وَالعُهودِ
وَحُبٍّ كامِنٍ لَكَ في فُؤادي
وَآخَرَ في فُؤادِكَ لي أَكيدِ
أَحَقٌّ أَنَّ مَطوِيَّ اللَيالي
سَيُنشَرُ بَينَ أَحمَدَ وَالوَليدِ
وَأَنَّ مَناهِلاً كُنّا لَدَيها
سَتَدنو لِلتَأَنُّسِ وَالوُرودِ
قُدومُكَ في رُقِيِّكَ في نَصيبي
سُعودٌ في سُعودٍ في سُعودِ
وَفَدتَ عَلى رُبوعِكَ غِبَّ نَأيٍ
وَكُنتَ البَدرَ مَأمولَ الوُفودِ
لَئِن رَفَعوكَ مَنزِلَةً فَأَعلى
لَقَد خُلِقَ الأَهِلَّةُ لِلصُعودِ
وَأَقسِمُ ما لِرِفعَتِكَ اِنتِهاءُ
وَلا فيها اِحتِمالٌ لِلمَزيدِ

خفضت لعزة الموت اليراعا

خَفَضتُ لِعِزَّةِ المَوتِ اليَراعا
وَجَدَّ جَلالُ مَنطِقِهِ فَراعا
كَفى بِالمَوتِ لِلنُذُرِ اِرتِجالاً
وَلِلعَبَراتِ وَالعِبَرِ اِختِراعا
حَكيمٌ صامِتٌ فَضَحَ اللَيالي
وَمَزَّقَ عَن خَنا الدُنيا القِناعا
إِذا حَضَرَ النُفوسَ فَلا نَعيماً
تَرى حَولَ الحَياةِ وَلا مَتاعا
كَشَفتُ بِهِ الحَياةَ فَلَم أَجِدها
وَلَمحَةَ مائِها إِلّا خِداعا
وَما الجَرّاحُ بِالآسي المُرَجّى
إِذا لَم يَقتُلِ الجُثَثَ اِطِّلاعا
فَإِن تَقُلِ الرِثاءَ فَقُل دُموعاً
يُصاغُ بِهِنَّ أَو حِكَماً تُراعى
وَلا تَكُ مِثلَ نادِبَةِ المُسَجّى
بَكَت كَسباً وَلَم تَبكِ اِلتِياعا
خَلَت دُوَلُ الزَمانِ وَزُلنَ رُكناً
وَرُكنُ الأَرضِ باقٍ ما تَداعى
كَأَنَّ الأَرضَ لَم تَشهَد لِقاءً
تَكادُ لَهُ تَميدُ وَلا وَداعا
وَلَو آبَت ثَواكِلُ كُلِّ قَرنٍ
وَجَدنَ الشَمسَ لَم تَثكَل شُعاعا
وَلَكِن تُضرَبَ الأَمثالُ رُشداً
وَمِنهاجاً لِمَن شاءَ اِتِّباعا
وَرُبَّ حَديثِ خَيرٍ هاجَ خَيراً
وَذِكرِ شَجاعَةٍ بَعثَ الشُجاعا
مَعارِفُ مِصرَ كانَ لَهُنَّ رُكنٌ
فَذُقنَ اليَومَ لِلرُكنِ اِنصِداعا
مَضى أَعلى الرِجالِ لَها يَميناً
وَأَرحَبُهُم بِحُلَّتِها ذِراعا
وَأَكثَرُهُم لَها وَقَفاتِ صِدقٍ
إِباءً في الحَوادِثِ أَو زِماعا
أَتَتهُ فَنالَها نَفلاً وَفَيئاً
فَلا هِبَةً أَتَتهُ وَلا اِصطِناعا
تَنَقَّلَ يافِعاً فيها وَكَهلاً
وَمِن أَسبابِها بَلَغَ اليَفاعا
فَتىً عَجَمَتهُ أَحداثُ اللَيالي
فَلا ذُلّاً رَأَينَ وَلا اِختِضاعا
سَجَنَّ مُهَنَّداً وَنَفَينَ تِبراً
وَزِدنَ المِسكَ مِن ضَغطٍ فَضاعا
شَديدٌ صُلَّبٌ في الحَقِّ حَتّى
يَقولَ الحَقُّ ليناً وَاِتِّداعا
وَمَدرَسَةٍ سَمَت بِالعِلمِ رُكناً
وَأَنهَضَتِ القَضاءَ وَالاِشتِراعا
بَناها مُحسِناً بِالعِلمِ بَرّاً
يَشيدُ لَهُ المَعالِمَ وَالرِباعا
وَحارَبَ دونَها صَرعى قَديمٍ
كَأَنَّ بِهِم عَنِ الزَمَنِ اِنقِطاعا
إِذا لَمَحَ الجَديدُ لَهُم تَوَلَّوا
كَذي رَمَدٍ عَلى الضَوءِ اِمتِناعا
أَخا سيشيلَ لا تَذكُر بِحاراً
بَعُدنَ عَلى المَزارِ وَلا بِقاعا
وَرَبِّكَ ما وَراءَ نَواكَ بُعدٌ
وَأَنتَ بِظاهِرِ الفُسطاطِ قاعا
نَزَلتَ بِعالَمٍ خَرَقَ القَضايا
وَأَصبَحَ فيهِ نَظمُ الدَهرِ ضاعا
فَخَلِّ الأَربَعينَ لِحافِليها
وَقُم تَجِدِ القُرونَ مَرَرنَ ساعا
مَرِضتَ فَما أَلَحَّ الداءُ إِلّا
عَلى نَفسٍ تَعَوَّدَتِ الصِراعا
وَلَم يَكُ غَيرَ حادِثَةٍ أَصابَت
مُفَلِّلَ كُلِّ حادِثَةٍ قِراعا
وَمَن يَتَجَرَّعِ الآلامَ حَيّاً
تَسُغ عِندَ المَماتِ لَهُ اِجتِراعا
أَرِقتَ وَكَيفَ يُعطى الغُمضَ جَفنٌ
تَسُلُّ وَراءَهُ القَلبَ الرُواعا
وَلَم يَهدَء وِسادُكَ في اللَيالي
لِعِلمِكَ أَن سَتُفنيها اِضطِجاعا
عَجِبتُ لِشارِحٍ سَبَبَ المَنايا
يُسَمّى الداءَ وَالعِلَلَ الوِجاعا
وَلَم تَكُنِ الحُتوفُ مَحَلَّ شَكٍّ
وَلا الآجالُ تَحتَمِلُ النِزاعا
وَلَكِن صُيَّدٌ وَلَها بُزاةٌ
تَرى السَرَطانَ مِنها وَالصُداعا
أَرى التَعليمَ لَمّا زِلتَ عَنهُ
ضَعيفَ الرُكنِ مَخذولاً مُضاعا
غَريقٌ حاوَلَت يَدُهُ شِراعاً
فَلَمّا أَوشَكَت فَقَدَ الشِراعا
سَراةُ القَومِ مُنصَرِفونَ عَنهُ
وَصُحفُ القَومِ تَقتَضِبُ الدِفاعا
لَقَد نَسّاهُ يَومُكَ ناصِباتٍ
مِنَ السَنَواتِ قاساها تِباعا
قُمِ اِبنِ الأُمَّهاتِ عَلى أَساسٍ
وَلا تَبنِ الحُصونَ وَلا القِلاعا
فَهُنَّ يَلِدنَ لِلقَصَبِ المَذاكي
وَهُنَّ يَلِدنَ لِلغابِ السِباعا
وَجَدتُ مَعانِيَ الأَخلاقِ شَتّى
جُمِعنَ فَكُنَّ في اللَفظِ الرِضاعا
عَزاءَ الصابِرينَ أَبا بَهِيٍّ
وَمِثلُكَ مَن أَنابَ وَمَن أَطاعا
صَبَرتَ عَلى الحَوادِثِ حينَ جَلَّت
وَحينَ الصَبرُ لَم يَكُ مُستَطاعا
وَإِنَّ النَفسَ تَهدَءُ بَعدَ حينٍ
إِذا لَم تَلقَ بِالجَزعِ اِنتِفاعا
إِذا اِختَلَفَ الزَمانُ عَلى حَزينٍ
مَضى بِالدَمعِ ثُمَّ مَحا الدِماعا
قُصارى الفَرقَدَينِ إِلى قَضاءٍ
إِذا عَثَرا بِهِ اِنفَصَما اِجتِماعا
وَلَم تَحوِ الكِنانَةُ آلَ سَعدٍ
أَشَدَّ عَلى العِدا مِنكُم نِباعا
وَلَم تَحمِل كَشَيخِكُمُ المُفَدّى
نُهوضاً بِالأَمانَةِ وَاِضطِلاعا
غَداً فَصلُ الخِطابِ فَمَن بَشيري
بِأَنَّ الحَقَّ قَد غَلَبَ الطِماعا
سَلوا أَهلَ الكِنانَةِ هَل تَداعَوا
فَإِنَّ الخَصمَ بَعدَ غَدٍ تَداعى
وَما سَعدٌ بِمُتَّجِرٍ إِذاما
تَعَرَّضَتِ الحُقوقُ شَرى وَباعا
وَلَكِن تَحتَمي الآمالُ فيهِ
وَتَدَّرِعُ الحُقوقُ بِهِ اِدِّراعا
إِذا نَظَرَت قُلوبُكُمُ إِلَيهِ
عَلا لِلحادِثاتِ وَطالَ باعا