تحبك صاحبي منا قلوب

تحبك صاحبي منا قلوب
لغيرك ظهرها ولك الصميم
وترجو أن تعيش لها نفوس
إذا تبقى لها يبقى النعيم
عن اللذات صامت لم تجادل
فإما عن هواك فلا تصوم

بعدت ديار واحتوتك ديار

بعدت ديار واحتوتك ديار
هيهات للنجم الرفيع قرار
ضجت عواد بالبَراح روائح
وشكا حديد سابح وبخار
بالأمس تصدر عن فروقٍ صاديا
واليوم يوردك الشآم أوار
زعموا المسافة ليلة ونهارها
ما الدهر إلا ليلة ونهار
سِر وآسر في طول البلاد وعرضها
إن الأهلة دأبها الأسفار
والأرض أوسع والعجائب جمة
والعمر أضيق والسنون قصار
يا راكب الداماء يزجى فلكه
رُحماك هل للفلك عندك ثار
مأسورة ابدا تروح وتغتدى
وهلاكها في أن يفك إسار
حازت نفوس العالمين وحازها
ضمن الجواري صاحب غدار
همت وجرأها على تياره
أن الأمور جميعها تيار
تجرى مُؤَمَّنَةَ السبيل زمامها
لطف الجليل وحصنها المقدار
في قُلَّبٍ ما للرفاق وسيلة
فيه ولا لهمو عليه خيار
بينا مودّته على أكبادهم
برد إذا هي في الجوانح نار
مازلت أعرض في الضمير لآلئى
وأغِيره بنظيمها فيغار
والفلك يرقص والرياح عوازف
والليل ليل والعباب مثار
حتى نزلت بباكرين إلى القرى
متهللين كأنهم أقمار
سبقت إلى السارى الصباحَ وجوههم
تندى ويحمد عندها الإسفار
قوم هم العرب الكرام تمخضت
مضر بهم في شرخها ونزار
نزلوا بلبنان الأشم ونقّلوا
فيه المكارم حيث سار الجار
لبنان يا ملك الجبال تحية
رقت وأزلفها لك الإكبار
عاليه تحملها إليك وصوفر
ومناهل بالجنتين غزار
من نازح الدار التقى بك داره
ساح الأكارم للكريم ديار
خلَّى الأحبة والمآرب خلفه
فإذا الأحبة فيك والأوطار
للواردين على رياضك أعين
من فضلة أهدابهن نضار
سال الفرات بها وقام كأنه
دمع السرور لو أنه مدرار
ليت الزمان أجار من أحداثه
قطرين بينهما هوى وجوار
أخذ المحبة من على وابنه
وعلى الهوى تتألف الأفكار

راس من الثوم

رأس من الثوم وأخـ
ـرى من صغار البصلِ
والسمن مولاتي ترى
كأمس لم اقلِّل

دع ما يضرك والتمس ما ينفع

دع ما يضرك والتمس ما ينفع
واختر لنفسك ما يزين ويرفع
واسمع لقول العقل لا قول الهوى
إن الهوى لضلالة لا تتبع
واجعل شبابك من هواك بمأمن
إن الشباب هو العنان الأطوع
واعلم فقِدما للمالك فتِّحت
بالعلم أبواب السعادة أجمع
إن الشعوب إذا أرادوا نهضة
بذرائع العلم الصحيح تذرّعوا
وانظر بعين في الأمور جلية
لا تُثبت الأشياء عين تدمع
مما أَحب به الرجال بلادهم
أن يحسن الإنسان فيما يصنع
واحفظ على مصر السكينة إنها
روض بأفياء السكينة ممرع
وصن اليدين عن الدماء فإنها
في البغى أوخم ما يكون المرتع
الختل من خلق الذئاب وشهوة
في الرأس يركبها الجبان فيشجع
برىء العباد من الشرائع كلها
إن كان قتل النفس مما يرفع
لا تذكرنّ الحرب أو أهوالها
إلا بقلب خاشع يتوجع
واذرف على القلب الدموع فكلكم
في آدم أهل وآدم يجمع
للخلق صبيان كما لك صبية
ولهم لباس فارقوه ومضجع
واخرج من الحرب العوان بِعبِرة
إن العظات من الحوادث أوقع
إسمع حديث جُناتها وصلاتها
هل كان فيها للديانة موضع
المال باعثها الأثيم ولم تزل
تُردى المطامع ناسهن وتصرع
لما رمت دول المسيح بهولها
مشت اثنتان لها وهبت أربع
يتقاذفون وللكنائس هِزة
ويسوع ينظرو الزكية تسمع
والله يغضب والعناصر تبتلىِ
والسيف يضحك في الدماء ويلمع
نزل البلاء وحل طوفان دم
بالمسلمين سماؤه لا تقلع
كانوا بظل السلم لا بهلالهم
شر يراد ولا حماه مروع
لولا قضاء الله ما خاضوا الوغى
إن القضاء إذا أتى لا يُدفع
تلك العوان على الشديد شديدة
أين السيوف لمثلها والأدرع
ماذا اندفاع المسلمين بموقف
الغالب المنصور فيه مضعضع
حرب على حرب حنانك ربنا
لم يبق منا ما ينال المدفع
لا تأخذن بريئنا بمسيئنا
فالعدل كلٌّ حاصد ما يزرع
يا رب بالرسل الكرام بآلهم
باللوح والكرسى وهو المفزع
أدرك دماء الخلق إن دماءهم
سالت فوجه الأرض منها مترع
سبحت ببحر دمائهم أشلاؤهم
والأرض لا تَروَى ولا هي تشبع
زاد الأرامل واليتامي كثرةً
حتى لقد صعدت إليك الأدمع
يا رب هل تلك القيامة كلها
أم للقيامة بعد ذلك موقع

يا عدو الله والرسل

يا عدوّ الله والرسـ
ـل وسبَّاب الخليفة
صف لنا صفحة خدَّ
يك على تلك الصحيفة

قالوا حبيب انت تطري شعره

قالوا حبيب أنت تطرى شعره
من ذا الذي لم يطر شعر حبيب
من كان في ريب فذا ديوانه
راح العقول وكأس كل أديب
أوعى لأحمد والوليد كليهما
شمم المديح ورقة التشبيب
كم فيه من مثَل يسير وحكمة
تبقى على الدنيا بقاء عسيب
يا حافظ الآداب والبطلَ الذي
يرجى ليوم في البلاد عصيب
قل للأولى خصوا اللآلئ بالهوى
مثقوبة أو غير ذات ثقوب
لا تسألوا الأصداف ماذا أُودِعَت
في هذه الأوراق كلُّ عجيب

وصاحب عود به عازف

وصاحب عود به عازف
يحركه عن هزار غرد
أنامله تلتقى في الفؤاد
وريشته تنبرى للكبد

اعلي الممالك ما كرسيه الماء

أَعلى المَمالِكِ ما كُرسِيُّهُ الماءُ
وَما دِعامَتُهُ بِالحَقِّ شَمّاءُ
يا جيرَةَ المَنشِ حَلّاكُم أُبُوَّتُكُم
ما لَم يُطَوِّق بِهِ الأَبناءُ آباءُ
مُلكٌ يُطاوِلُ الشَمسَ عِزَّتُهُ
في الغَربِ باذِخَةٌ في الشَرقِ قَعساءُ
تَأوي الحَقيقَةُ مِنهُ وَالحُقوقُ إِلى
رُكنٍ بَناهُ مِنَ الأَخلاقِ بَنّاءُ
أَعلاهُ بِالنَظَرِ العالي وَنَطَّقَهُ
بِحائِطِ الرَأيِ أَشياخٌ أَجِلّاءُ
وَحاطَهُ بِالقَنا فِتيانُ مَملَكَةٍ
في السِلمِ زَهرُ رُبىً في الرَوعِ أَرزاءُ
يُستَصرَخونَ وَيُرجى فَضلُ نَجدَتِهِم
كَأَنَّهُم عَرَبٌ في الدَهرِ عَرباءُ
وَدَولَةٌ لا يَراها الظَنُّ مِن سِعَةٍ
وَلا وَراءَ مَداها فيهِ عَلياءُ
عَصماءُ لا سَبَبُ الرَحمَنِ مُطَّرَحٌ
فيها وَلا رَحِمُ الإِنسانِ قَطعاءُ
تِلكَ الجَزائِرُ كانَت تَحتَهُم رُكناً
وَراءَهُنَّ لِباغي الصَيدِ عَنقاءُ
وَكانَ وُدُّهُمُ الصافي وَنُصرَتُهُم
لِلمُسلِمينَ وَراعيهِم كَما شاؤوا
دُستورُهُم عَجَبُ الدُنيا وَشاعِرُهُم
يَدٌ عَلى خَلقِهِ لِلَّهِ بَيضاءُ
ما أَنجَبَت مِثلَ شيكِسبيرَ حاضِرَةٌ
وَلا نَمَت مِن كَريمِ الطَيرِ غَنّاءُ
نالَت بِهِ وَحدَهُ إِنكِلتِرا شَرَفاً
ما لَم تَنَل بِالنُجومِ الكُثرِ جَوزاءُ
لَم تُكشَفِ النَفسُ لَولاهُ وَلا بُلِيَت
لَها سَرائِرُ لا تُحصى وَأَهواءُ
شِعرٌ مِنَ النَسَقِ الأَعلى يُؤَيِّدُهُ
مِن جانِبِ اللَهِ إِلهامٌ وَإيحاءُ
مِن كُلِّ بَيتٍ كَآيِ اللَهِ تَسكُنُهُ
حَقيقَةٌ مِن خَيالِ الشِعرِ غَرّاءُ
وَكُلِّ مَعنىً كَعيسى في مَحاسِنِهِ
جاءَت بِهِ مِن بَناتِ الشِعرِ عَذراءُ
أَو قِصَّةٍ كَكِتابِ الدَهرِ جامِعَةٍ
كِلاهُما فيهِ إِضحاكٌ وَإِبكاءُ
مَهما تُمَثَّل تُرَ الدُنيا مُمَثَّلَةً
أَو تُتلَ فَهيَ مِنَ الإِنجيلِ أَجزاءُ
يا صاحِبَ العُصُرِ الخالي أَلا خَبَرٌ
عَن عالَمِ المَوتِ يَرويهِ الأَلِبّاءُ
أَمّا الحَياةُ فَأَمرٌ قَد وَصَفتَ لَنا
فَهَل لِما بَعدُ تَمثيلٌ وَإِدناءُ
بِمَن أَماتَكَ قُل لي كَيفَ جُمجُمَةٌ
غَبراءُ في ظُلُماتِ الأَرضِ جَوفاءُ
كانَت سَماءَ بَيانٍ غَيرَ مُقلِعَةٍ
شُؤبوبُها عَسَلٌ صافٍ وَصَهباءُ
فَأَصبَحَت كَأَصيصٍ غَيرَ مُفتَقَدٍ
جَفَتهُ رَيحانَةٌ لِلشِعرِ فَيحاءُ
وَكَيفَ باتَ لِسانٌ لَم يَدَع غَرَضاً
وَلَم تَفُتهُ مِنَ الباغينَ عَوراءُ
عَفا فَأَمسى زُنابى عَقرَبٍ بَلِيَت
وَسُمُّها في عُروقِ الظُلمِ مَشّاءُ
وَما الَّذي صَنَعَت أَيدي البِلى بِيَدٍ
لَها إِلى الغَيبِ بِالأَقلامِ إيماءُ
في كُلِّ أُنمُلَةٍ مِنها إِذا اِنبَجَسَت
بَرقٌ وَرَعدٌ وَأَرواحٌ وَأَنواءُ
أَمسَت مِنَ الدودِ مِثلَ الدودِ في جَدَثٍ
قُفّازُها فيهِ حَصباءٌ وَبَوغاءُ
وَأَينَ تَحتَ الثَرى قَلبٌ جَوانِبُهُ
كَأَنَّهُنَّ لِوادي الحَقِّ أَرجاءُ
تُصغي إِلى دَقِّهِ أُذنُ البَيانِ كَما
إِلى النَواقيسِ لِلرُهبانِ إِصغاءُ
لَئِن تَمَشّى البِلى تَحتَ التُرابِ بِهِ
لا يُؤكَلُ اللَيثُ إِلّا وَهوَ أَشلاءُ
وَالناسُ صِنفانِ مَوتى في حَياتِهُمُ
وَآخَرونَ بِبَطنِ الأَرضِ أَحياءُ
تَأبى المَواهِبُ فَالأَحياءُ بَينَهُمُ
لا يَستَوونَ وَلا الأَمواتُ أَكفاءُ
يا واصِفَ الدَمِ يَجري هَهُنا وَهُنا
قُمِ اُنظُرِ الدَمَ فَهوَ اليَومَ دَأماءُ
لاموكَ في جَعلِكَ الإِنسانَ ذِئبَ دَمٍ
وَاليَومَ تَبدو لَهُم مِن ذاكَ أَشياءُ
وَقيلَ أَكثَرَ ذِكرَ القَتلِ ثُمَّ أَتَوا
ما لَم تَسَعهُ خَيالاتٌ وَأَنباءُ
كانوا الذِئابَ وَكانَ الجَهلُ داءَهُمو
وَاليَومَ عِلمُهُمُ الراقي هُوَ الداءُ
لُؤمُ الحَياةِ مَشى في الناسِ قاطِبَةً
كَما مَشى آدَمٌ فيهِم وَحَوّاءُ
قُم أَيِّدِ الحَقَّ في الدُنيا أَلَيسَ لَهُ
كَتيبَةٌ مِنكَ تَحتَ الأَرضِ خَرساءُ
وَأَينَ صَوتٌ تَميدُ الراسِياتُ لَهُ
كَما تَمايَدَ يَومَ النارِ سَيناءُ
وَأَينَ ماضِيَةٌ في الظُلمِ قاضِيَةٌ
وَأَينَ نافِذَةٌ في البَغيِ نَجلاءُ
أَيَترُكُ الأَرضَ جانوها وَلَيسَ بِها
صَحيفَةٌ مِنكَ في الجانِبَينِ سَوداءُ
تَأوي إِلَيها الأَيامى فَهيَ تَعزِيَةٌ
وَيَستَريحُ اليَتامى فَهيَ تَأساءُ

لم يمت من له اثر

لَم يَمُت مَن لَهُ أَثَر
وَحَياةٌ مِنَ السِيَر
أُدعُهُ غائِباً وَإِن
بَعُدَت غايَةُ السَفَر
آيِبُ الفَضلِ كُلَّما
آبَتِ الشَمسُ وَالقَمَر
رُبَّ نورٍ مُتَمَّمٍ
قَد أَتانا مِنَ الحُفَر
إِنَّما المَيتُ مَن مَشى
مَيتَ الخَيرِ وَالخَبَر
مَن إِذا عاشَ لَم يُفِد
وَإِذا ماتَ لَم يَضِر
لَيسَ في الجاهِ وَالغِنى
مِنهُ ظِلٌّ وَلا ثَمَر
قُبِّحَ العِزُّ في القُصو
رِ إِذا ذَلَّتِ القَصَر
أَعوَزَ الحَقَّ رائِدٌ
وَإِلى مُصطَفى اِفتَقَر
وَتَمَنَّت حِياضُهُ
هَبَّةَ الصارِمِ الذَكَر
الَّذي يُنفِذُ المُدى
وَالَّذي يَركَبُ الخَطَر
أَيُّها القَومُ عَظِّموا
واضِعَ الأُسِّ وَالحَجَر
أُذكُروا الخُطبَةَ الَّتي
هِيَ مِن آيَةِ الكُبَر
لَم يَرَ الناسُ قَبلَها
مِنبَراً تَحتَ مُحتَضَر
لَستُ أَنسى لِواءَهُ
وَهوَ يَمشي إِلى الظَفَر
حَشَرَ الناسَ تَحتَهُ
زُمَراً إِثرَها زُمَر
وَتَرى الحَقَّ حَولَهُ
لا تَرى البيضَ وَالسُمر
وَكُلَّما راحَ أَو غَدا
نَفَخَ الروحَ في الصُوَر
يا أَخا النَفسِ في الصِبا
لَذَّةُ الروحِ في الصِغَر
وَخَليلاً ذَخَرتُهُ
لَم يُقَوَّمَ بِمُدَّخَر
حالَ بَيني وَبَينَهُ
في فُجاءاتِهِ القَدَر
كَيفَ أَجزي مَوَدَّةً
لَم يَشُب صَفوَها كَدَر
غَيرَ دَمعٍ أَقولُهُ
قَلَّ في الشَأنِ أَو كَثُر
وَفُؤادٍ مُعَلَّلٍ
بِالخَيالاتِ وَالذُكَر
لَم يَنَم عَنكَ ساعَةً
في الأَحاديثِ وَالسَمَر
قُم تَرَ القَومَ كُتلَةً
مِثلَ مَلمومَةِ الصَخَر
جَدَّدوا أُلفَةَ الهَوى
وَالإِخاءَ الَّذي شُطِر
لَيسَ لِلخُلفِ بَينَهُم
أَو لِأَسبابِهِ أَثَر
أَلَّفَتهُم رَوائِحٌ
غادِياتٌ مِنَ الغِيَر
وَصَحَوا مِن مُنَوِّمٍ
وَأَفاقوا مِنَ الحَذَر
أَقبَلوا نَحوَ حَقِّهِم
ما لَهُم غَيرَهُ وَطَر
جَعَلوهُ خَلِيَّةً
شَرَعوا دونَها الإِبَر
وَتَواصَوا بِخُطَّةٍ
وَتَداعَوا لِمُؤتَمَر
وَقُصارى أولي النُهى
يَتَلاقونَ في الفِكَر
آذَنونا بِمَوقِفٍ
مِن جَلالٍ وَمِن خَطَر
نَسمَعُ اللَيثَ عِندَهُ
دونَ آجامِهِ زَأَر
قُل لَهُم في نَدِيِّهِم
مِصرُ بِالبابِ تَنتَظِر