النيل العذب هو الكوثر

النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر
وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر
رَيّانُ الصَفحَةِ وَالمَنظَر
ما أَبهى الخُلدَ وَما أَنضَر
البَحرُ الفَيّاضُ القُدسُ
الساقي الناسَ وَما غَرَسوا
وَهوَ المِنوالُ لِما لَبِسوا
وَالمُنعِمُ بِالقُطنِ الأَنوَر
جَعلَ الإِحسانَ لَهُ شَرعا
لَم يُخلِ الوادِيَ مِن مَرعى
فَتَرى زَرعاً يَتلو زَرعا
وَهُنا يُجنى وَهُنا يُبذَر
جارٍ وَيُرى لَيسَ بِجارِ
لِأَناةٍ فيهِ وَوَقار
يَنصَبُّ كَتَلٍ مُنهارِ
وَيَضِجُّ فَتَحسَبُهُ يَزأَر
حَبَشِيُّ اللَونِ كَجيرَتِهِ
مِن مَنبَعِهِ و بُحَيرَتِهِ
صَبَغَ الشَطَّينِ بِسُمرَتِهِ
لَوناً كَالمِسكِ وَكَالعَنبَر

أي الممالك أيها

أَيُّ المَمالِكِ أَيُّها
في الدَهرِ ما رَفَعَت شِراعَك
يا أَبيَضَ الآثارِ وَالص
صَفَحاتِ ضُيِّعَ مَن أَضاعَك
إِنَّ البَيانَ وَإِنَّ حُس
نَ العَقلِ ما زالا مَتاعَك
أَبَداً تُذَكِّرُنا الَّذي
نَ جَلَوا عَلى الدُنيا شُعاعَك
وَبَنَوا مَنارَكَ عالِياً
مُتَأَلِّقاً وَبَنَوا قِلاعَك
وَتَحَكَّموا بِكَ في الوُجو
دِ تَحَكُّماً كانَ اِبتِداعَك
حَتّى إِذا جِئتَ الأَنا
مَ بِأَهلِ حِكمَتِهِ أَطاعَك
وَاليَومَ عَقَّ كَأَنَّما
يَنسى جَميلَكَ وَاِصطِناعَك
فَاِبلَغ فَدَيتُكَ كُلَّ ما
ئِكَ فَالمَلا يَنوي اِبتِلاعَك

بنى عبد السلام على أبيكم

بنى عبد السلام على أبيكم
من الرضوان غادية وظل
لكم بيت لواء العلم فيه
دعائم عزه شرف ونبل
بنوه بنو النبوّة قبل عاد
زكا أصل لكم فيه وفضل
رمى الدهر المكارم والمعالى
فركنهما ضعيف مضمحل
وخطب الدين والدنيا جليل
ولكن قدر من فَقدا أجل
يحج لقبره بؤس عفاة
ورب القبر بالفردوس حِل
بِعلِّيين لا بالأرض أمسى
وشأن النجم عن أرض يجل
وصافح بعضنا في العيد بعضا
وصافحه وملائكة ورسل
وعند الله ينشر بعد طى
حياة كلها في الخير فعل
لقاء الموت غاية كل حى
ولكن للحياة هوى مضل
فإن تسمع بزهد القوم فيها
فإن الحب يكثر أو يقل
وعند الموت تَحسَر كل نفس
لها في العيش أو طار وأهل
مضى المعطى وما تدرى يداه
ومن يأسو الجراح ومن يَبُل
ومن وزن الزمان فتى وشيخا
إذا الفتيان قبل الشيب ضلوا
وقور في الحوادث لا يبالى
سيوف البغى تغمد أو تسل
وأقطع من سيوف الهند حدا
لسان لا يهاب ولا يزل
كبير في المواقف لا جهول
بآداب الخطاب ولا مخل
يسيل فصاحة ويفيض علما
وخطبة بعضهم عِى وجهل
فسر عبدالسلام إلى كريم
يلوذ به الكريم ويستظل
بكاك الناس أحبابا وأهلا
بأحسن ما وفي للخل خل
وذاقت فقد خادمها بلاد
له في جيدها منن وفضل
تعقَّلَ في محبتها فتيا
وأخلص في المحبة وهو كهل
وليس يؤثِّر الإخلاص شيئا
إذا لم يصحب الإخلاص عقل

حكاية الكلب مع الحمامه

حِكايَةُ الكَلبِ مَعَ الحَمامَه
تَشهَدُ لِلجِنسَينِ بِالكَرامَه
يُقالُ كانَ الكَلبُ ذاتَ يَومِ
بَينَ الرِياضِ غارِقاً في النَومِ
فَجاءَ مِن وَرائِهِ الثُعبانُ
مُنتَفِخاً كَأَنَّهُ الشَيطانُ
وَهَمَّ أَن يَغدِرَ بِالأَمينِ
فَرَقَّتِ الوَرقاءُ لِلمِسكينِ
وَنَزَلَت توّاً تُغيثُ الكَلبا
وَنَقَرَتهُ نَقرَةً فَهَبّا
فَحَمَدَ اللَهَ عَلى السَلامَه
وَحَفِظَ الجَميلَ لِلحَمامَه
إِذ مَرَّ ما مَرَّ مِنَ الزَمانِ
ثُمَّ أَتى المالِكُ لِلبُستانِ
فَسَبَقَ الكَلبُ لِتِلكَ الشَجَرَه
لِيُنذِرَ الطَيرَ كَما قَد أَنذَرَه
وَاِتَّخَذَ النَبحَ لَهُ عَلامَه
فَفَهِمَت حَديثَهُ الحَمامَه
وَأَقلَعَت في الحالِ لِلخَلاصِ
فَسَلِمَت مِن طائِرِ الرَصاصِ
هَذا هُوَ المَعروفُ يَا أَهلَ الفِطَن
الناسُ بِالناسِ وَمَن يُعِن يُعَن

جهد الصبابة ما أكابد فيك

جَهدُ الصَبابَةِ ما أُكابِدُ فيكِ
لَو كانَ ما قَد ذُقتُهُ يَكفيكِ
حَتّامَ هِجراني وَفيمَ تَجَنُّبي
وَإِلامَ بي ذُلُّ الهَوى يُغريكِ
قَد مُتُّ مِن ظَمَإٍ فَلَو سامَحتِني
أَن أَشتَهي ماءَ الحَياةِ بِفيكِ
أَجِدُ المَنايا في رِضاكِ هِيَ المُنى
ماذا وَراءَ المَوتِ ما يُرضيكِ
يا بِنتَ مَخضوبِ الصَوارِمِ وَالقَنا
بَرِأَت بَنانُكِ مِن سِلاحِ أَبيكِ
فَخِضابُ تِلكَ مِنَ العُيونِ وِقايَةٌ
وَخِضابُ ذاكَ مِنَ الدَمِ المَسفوكِ
جَفناكِ أَيَّهُما الجَريءُ عَلى دَمي
بِأَبي هُما مِن قاتِلٍ وَشَريكِ
بِالسَيفِ وَالسِحرِ المُبينِ وَبِالطِلى
حَمَلا عَلَيَّ وَبِالقَنا المَشبوكِ
بِهِما وَبي سقَمٌ وَمِن عَجَبِ الهَوى
عُدوانُ مُنكَسِرٍ عَلى مَنهوكِ
رِفقاً بِمُسبِلَةِ الشُؤونِ قَريحَةٍ
تَسلو عَنِ الدُنيا وَلا تَسلوكِ
أَبكَيتِها وَقَعَدتِ عَن إِنسانِها
يا لِلرِجالِ لِمُغرَقٍ مَتروكِ
ضَلَّت كَراها في غَياهِبِ حالِكٍ
ضَلَّ الصَباحَ عَلَيهِ صَوتُ الديكِ
رَقَّ النَسيمُ عَلى دُجاهُ لِأَنَّتي
وَرَثى لِحالي في السَماءِ أَخوكِ
قاسَيتُهُ حَتّى اِنجَلى بِالصُبحِ عَن
سِرّي المَصونِ وَمَدمَعي المَهتوكِ
سُلَّت سُيوفُ الحَيِّ إِلّا واحِداً
إِفرِندُهُ في جَفنِهِ يَحميكِ
جَرَّدتِهِ في غَيرِ حَقٍّ كَالأُلى
سَلّوا سُيوفَهُمُ عَلى أَهليكِ
طَلَعَت عَلى حَرَمِ المَمالِكِ خيَلُهُم
ناراً سَنابِكُها عَلى البَلجيكِ
البَأسُ وَالجَبَروتُ في أَعرافِها
وَالمَوتُ حَولَ شَكيمِها المَعلوكِ
عَرَّت لِياجَ عَنِ الحُصونِ وَجَرَّدَت
نامورَ عَن فولاذِها المَشكوكِ
تَمشي عَلى خَطِّ المُلوكِ وَخَتمِهِم
وَعَلى مَصونِ مَواثِقٍ وَصُكوكِ
وَالحَربُ لا عَقلٌ لَها فَتَسومُها
ما يَنبَغي مِن خُطَّةٍ وَسُلوكِ
دَكَّت حُصونَ القَومِ إِلّا مَعقِلاً
مِن نَخوَةٍ وَحَمِيَّةٍ وَفُتوكِ
وَإِذا اِحتَمى الأَقوامُ بِاِستِقلالِهِم
لاذَوا بِرُكنٍ لَيسَ بِالمَدكوكِ
وَلَقَد أَقولُ وَأَدمُعي مُنهَلَّةٌ
باريرُ لَم يَعرِفكِ مَن يَغزوكِ
ما خِلتُ جَنّاتِ النَعيمِ وَلا الدُمى
تُرمى بِمَشهودِ النَهارِ سَفوكِ
زَعَموكِ دارَ خَلاعَةٍ وَمَجانَةٍ
وَدَعارَةٍ يا إِفكِ ما زَعَموكِ
إِن كُنتِ لِلشَهَواتِ رَيّاً فَالعُلا
شَهَواتُهُنَّ مُرَوَّياتٌ فيكِ
تَلِدينَ أَعلامَ البَيانِ كَأَنَّهُم
أَصحابُ تيجانٍ مُلوكُ أَريكِ
فاضَت عَلى الأَجيالِ حِكمَةُ شِعرِهِم
وَتَفَجَّرَت كَالكَوثَرِ المَعروكِ
وَالعِلمُ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
ما حَجَّ طالِبُهُ سِوى ناديكِ
العَصرُ أَنتِ جَمالُهُ وَجَلالُهُ
وَالرُكنُ مِن بُنيانِهِ المَسموكِ
أَخَذَت لِواءَ الحَقِّ عَنكِ شُعوبُهُ
وَمَشَت حَضارَتُهُ بِنورِ بَنيكِ
وَخِزانَةُ التاريخِ ساعَةَ عَرضِها
لِلفَخرِ خَيرُ كُنوزِها ماضيكِ
وَمِنَ العَجائِبِ أَنَّ واديكِ الثَرى
وَمَراتِعَ الغُزلانِ في واديكِ
يا مَكتَبي قَبلَ الشَبابِ وَمَلعَبي
وَمَقيلَ أَيّامِ الشَبابِ النوكِ
وَمَراحَ لَذّاتي وَمَغداها عَلى
أُفُقٍ كَجَنّاتِ النَعيمِ ضَحوكِ
وَسَماءَ وَحيِ الشِعرِ مِن مُتَدَفِّقٍ
سَلِسٍ عَلى نَولِ السَماءِ مَحوكِ
لَمّا اِحتَمَلتُ لَكَ الصَنيعَةَ لَم أَجِد
غَيرَ القَوافي ما بِهِ أُجزيكِ
إِن لَم يَقوكِ بِكُلِّ نَفسٍ حُرَّةٍ
فَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ واقيكِ

لكم في الخط سياره

لَكُم في الخَطِّ سَيّارَه
حَديثُ الجارِ وَالجارَه
أَوفَرلاندُ يُنَبّيكَ
بِها القُنصُلُ طَمّارَه
كَسَيّارَةِ شارلوت
عَلى السَواقِ جَبّارَه
إِذا حَرَّكَها مالَت
عَلى الجَنبَينِ مُنهارَه
وَقَد تَحزُنُ أَحياناً
وَتَمشي وَحدَها تارَه
وَلا تُشبِعُها عَينٌ
مِنَ البِنزينِ فَوّارَه
وَلا تُروى مِنَ الزَيتِ
وَإِن عامَت بِهِ الفارَه
تَرى الشارِعَ في ذُعرٍ
إِذا لاحَت مِنَ الحارَه
وَصِبياناً يَضِجّونَ
كَما يَلقَونَ طَيّارَه
وَفي مَقدَمِها بوقٌ
وَفي المُؤخِرِ زَمّارَه
فَقَد تَمشي مَتى شاءَت
وَقَد تَرجِعُ مُختارَه
قَضى اللَهُ عَلى السَوّا
قِ أَن يَجعَلَها دارَه
يُقَضّي يَومَهُ فيها
وَيَلقى اللَيلَ ما زارَه
أَدُنيا الخَيلِ يا مَكسي
كَدُنيا الناسِ غَدّارَه
لَقَد بَدَّلَكَ الدَهرُ
مِنَ الإِقبالِ إِدبارَه
فَصَبراً يا فَتى الخَيلِ
فَنَفسُ الحُرِّ صَبّارَه
أَحَقٌّ أَنَّ مَحجوباً
سَلا عَنكَ بِفَخّارَه
وَباعَ الأَبلَقَ الحُرَّ
بِأَوفَرلاند نَعّارَه
وَلَم يَعرِف لَهُ الفَضلَ
وَلا قَدَّرَ آثارَه
قَدِ اِختارَ لَكَ الشَلحَ
وَما كُنتَ لِتَختارَه
فَسَلهُ ما هُوَ الشَلحُ
عَسى يُنبيكَ أَخبارَه
كَأَن لَم تَحمِلِ الرّا
يَةَ يَومَ الرَوعِ وَالشارَه
وَلَم تَركَب إِلى الهَولِ
وَلَم تَحمِل عَلى الغارَه
وَلَم تَعطِف عَلى جَرحى
مِنَ الصِبيَةِ نَظّارَه
فَمَضروبٌ بِرَشّاشٍ
وَمَقلوبٌ بِغَدّارَه
وَلا وَاللَهِ ما كَلَّف
تَ مَحجوباً وَلا بارَه
فَلا البِرسيمُ تَدريهِ
وَلا تَعرِف نَوّارَه
وَقَد تَروى عَلى صُلتٍ
إِذا نادَمتَ سُمّارَه
وَقَد تَسكَرُ مِن خَودٍ
عَلى الإِفريزِ مِعقارَه
وَقَد تَشبَعُ يا اِبنَ اللَي
لِ مِن رَنَّةِ قيثارَه
عَسى اللَهُ الَّذي ساقَ
إِلى يوسُفَ سَيّارَه
فَكانَت خَلفَهُم دُنيا
لَهُ في الأَرضِ كِبارَه
يُهَيِّ لَكَ هَوّاراً
كَريماً وَاِبنَ هَوّارَه
فَإِنَّ الحَظَّ جَوّالٌ
وَإِنَّ الأَرضَ دَوّارَه

لما سمعت بنقطة

لما سمعت بنقطة
في الخلف صارت شر هوّة
حققتها فوجدتها
بين البنوّة والنبوّة
ضغن وحقد دائم
كانت لعيسى منه غنوة
وهو الذي مِن نصحه
للمرء أن يهوى عدوّة
لم يحكه تبّاعه
زهدا ولم يسلوا سلوّة
أتراه كان يبيحهم
أن يأخذوا الدنيا بقوّة

قل للمنجم بالأرزاء ينذرنا

قل للمنجم بالأرزاء ينذرنا
ويدّعى العلم بالأسرار والفلك
إنى ضحكت من الدنيا وصحبتها
قبل المذنب حتى مِتّ من ضحكي

سقى الله بالكفر الأباظي مضجعا

سَقى اللَهُ بِالكَفرِ الإِباضِيِّ مَضجَعاً
تَضَوَّعَ كافوراً مِنَ الخُلدِ سارِيا
يَطيبُ ثَرى بُردَينِ مِن نَفحِ طيبِهِ
كَأَنَّ ثَرى بُردَينِ مَسَّ الغَوالِيا
فَيا لَك غِمداً مِن صَفيحٍ وَجَندَلٍ
حَوى السَيفَ مَصقولَ الغِرارِ يَمانِيا
وَكُنّا اِستَلَلنا في النَوائِبِ غَربَهُ
فَلَم يُلفَ هَيّاباً وَلَم نُلفَ نابِيا
إِذا اِهتَزَّ دونَ الحَقِّ يَحمي حِياضَهُ
تَأَخَّرَ عَنها باطِلُ القَومِ ظامِيا
طَوَتهُ يَدٌ لِلمَوتِ لا الجاهُ عاصِماً
إِذا بَطَشَت يَوماً وَلا المالُ فادِيا
تَنالُ صِبا الأَعمارِ عِندَ رَفيفِهِ
وَعِندَ جُفوفِ العودِ في السِنِّ ذاوِيا
وَبَعضُ المَنايا تُنزِلُ الشَهدَ في الثَرى
وَيَحطُطنَ في التُربِ الجِبالَ الرَواسِيا
يَقولونَ يَرثي الراحِلينَ فَوَيحَهُم
أَأَمَّلتُ عِندَ الراحِلينَ الجَوازِيا
أَبَوا حَسَداً أَن أَجعَلَ الحَيَّ أُسوَةً
لَهُم وَمِثالاً قَد يُصادِفُ حاذِيا
فَلَمّا رَثَيتُ المَيتَ أَقضي حُقوقَهُ
وَجَدتُ حَسوداً لِلرُفاتِ وَشانِيا
إِذا أَنَت لَم تَرعَ العُهودَ لِهالِكٍ
فَلَستَ لِحَيٍّ حافِظَ العَهدِ راعِيا
فَلا يَطوينَ المَوتُ عَهدَكَ مِن أَخٍ
وَهَبهُ بِوادٍ غَيرِ واديكَ نائِيا
أَقامَ بِأَرضٍ أَنتَ لاقيهِ عِندَها
وَإِن بِتُّما تَستَبعِدانِ التَلاقيِا
رَثَيتُ حَياةً بِالثَناءِ خَليقَةً
وَحَلَّيتُ عَهداً بِالمَفاخِرِ حالِيا
وَعَزَّيتُ بَيتاً قَد تَبارَت سَماؤُهُ
مَشايِخَ أَقماراً وَمُرداً دَرارِيا
إِلى اللَهِ إِسماعيلُ وَاِنزِل بِساحَةٍ
أَظَلَّ النَدى أَقطارَها وَالنَواجِيا
تَرى الرَحمَةَ الكُبرى وَراءَ سَمائِها
تَلُفُّ التُقى في سَيبِها وَالمَعاصِيا
لَدى مَلِكٍ لا يَمنَعُ الظِلَّ لائِذاً
وَلا الصَفحَ تَوّاباً وَلا العَفوَ راجِيا
وَأُقسِمُ كُنتَ المَرءَ لَم يَنسَ دينَهُ
وَلَم تُلهِهِ دُنياؤُهُ وَهيَ ماهِيا
وَكُنتَ إِذا الحاجاتُ عَزَّ قَضائُها
لِحاجِ اليَتامى وَالأَرامِلِ قاضِيا
وَكُنتَ تُصَلّي بِالمُلوكِ جَماعَةً
وَكُنتَ تَقومُ اللَيلَ بِالنَفسِ خالِيا
وَمَن يُعطَ مِن جاهِ المُلوكِ وَسيلَةً
فَلا يَصنَعُ الخَيراتِ لَم يُعطَ غالِيا
وَكُنتَ الجَريءَ النَدبَ في كُلِّ مَوقِفٍ
تَلَفتَ فيهِ الحَقُّ لَم يَلقَ حامِيا
بَصُرتُ بِأَخلاقِ الرِجالِ فَلَم أَجِد
وَإِن جَلَتِ الأَخلاقُ لِلعَزمِ ثانِيا
مِنَ العَزمِ ما يُحيِ فُحولاً كَثيرَةً
وَقَدَّمَ كافورَ الخَصِيِّ الطَواشِيا
وَما حَطَّ مِن رَبِّ القَصائِدِ مادِحاً
وَأَنزَلَهُ عَن رُتبَةِ الشِعرِ هاجِيا
فَلَيسَ البَيانُ الهَجوَ إِن كُنتَ ساخِطاً
وَلا هُوَ زورُ المَدحِ إِن كُنتَ راضِيا
وَلَكِن هُدى اللَهِ الكَريمِ وَوَحيُهُ
حَمَلتَ بِهِ المِصباحَ في الناسِ هادِيا
تُفيضُ عَلى الأَحياءِ نوراً وَتارَةً
تُضيءُ عَلى المَوتى الرَجامَ الدَواجِيا
هَياكِلُ تَفنى وَالبَيانُ مُخَلَّدٌ
أَلا إِنَّ عِتقَ الخَمرِ يُنسي الأَوانِيا
ذَهَبتَ أَبا عَبدِ الحَميدِ مُبَرَّءاً
مِنَ الذامِ مَحمودَ الجَوانِبِ زاكِيا
قَليلَ المَساوي في زَمانٍ يَرى العُلا
ذُنوباً وَناسٍ يَخلُقونَ المَساوِيا
طَوَيناكَ كَالماضي تَلَقّاهُ غِمدُهُ
فَلَم تَستَرِح حَتّى نَشَرناكَ ماضِيا
فَكُنتَ عَلى الأَفواهِ سيرَةَ مُجمِلِ
وَكُنتَ حَديثاً في المَسامِعِ عالِيا
وَفَيتَ لِمَن أَدناكَ في المُلكِ حِقبَةً
فَكانَ عَجيباً أَن يَرى الناسُ وافِيا
أَثاروا عَلى آثارِ مَوتِكَ ضَجَّةً
وَهاجوا لَنا الذِكرى وَرَدّوا اللَيالِيا
وَمَن سابَقَ التاريخَ لَم يَأمَنِ الهَوى
مُلِجّاً وَلَم يَسلَم مِنَ الحِقدِ نازِيا
إِذا وَضَعَ الأَحياءُ تاريخَ جيلِهِم
عَرَفتَ المُلاحي مِنهُمو وَالمُحابِيا
إِذا سَلِمَ الدُستورُ هانَ الَّذي مَضى
وَهانَ مِنَ الأَحداثِ ما كانَ آتِيا
أَلا كُلُّ ذَنبٍ لِلَّيالي لِأَجلِهِ
سَدَلنا عَلَيهِ صَفحَنا وَالتَناسِيا