بسيفك يعلو الحق والحق أغلب

بِسَيفِكَ يَعلو الحَقُّ وَالحَقُّ أَغلَبُ
وَيُنصَرُ دينُ اللَهِ أَيّانَ تَضرِبُ
وَما السَيفُ إِلّا آيَةُ المُلكِ في الوَرى
وَلا الأَمرُ إِلّا لِلَّذي يَتَغَلَّبُ
فَأَدِّب بِهِ القَومَ الطُغاةَ فَإِنَّهُ
لَنِعمَ المَرَبي لِلطُغاةِ المُؤَدِّبُ
وَداوِ بِهِ الدولاتِ مِن كُلِّ دائِها
فَنِعمَ الحُسامُ الطِبُّ وَالمُتَطَبِّبُ
تَنامُ خُطوبُ المُلكِ إِن باتَ ساهِراً
وَإِن هُوَ نامَ اِستَيقَظَت تَتَأَلَّبُ
أَمِنّا اللَيالي أَن نُراعَ بِحادِثٍ
وَأَرمينيا ثَكلى وَحَورانَ أَشيَبُ
وَمَملَكَةُ اليونانِ مَحلولَةُ العُرى
رَجاؤُكَ يُعطيها وَخَوفُكَ يُسلَبُ
هَدَدتَ أَميرَ المُؤمِنينَ كَيانَها
بِأَسطَعَ مِثلِ الصُبحِ لا يَتَكَذَّبُ
وَمازالَ فَجراً سَيفُ عُثمانَ صادِقاً
يُساريهِ مِن عالي ذَكائِكَ كَوكَبُ
إِذا ما صَدَعتَ الحادِثاتِ بِحَدِّهِ
تَكَشَّفَ داجي الخَطبِ وَاِنجابَ غَيهَبُ
وَهابَ العِدا فيهِ خِلافَتَكَ الَّتي
لَهُم مَأرَبٌ فيها وَلِلَّهِ مَأرَبُ
سَما بِكَ يا عَبدَ الحَميدِ أُبُوَّةٌ
ثَلاثونَ خُضّارُ الجَلالَةِ غُيَّبُ
قَياصِرُ أَحياناً خَلائِفُ تارَةً
خَواقينُ طَوراً وَالفَخارُ المُقَلَّبُ
نُجومُ سُعودِ المَلكِ أَقمارُ زُهرِهِ
لَوَ اَنَّ النُجومَ الزُهرَ يَجمَعُها أَبُ
تَواصَوا بِهِ عَصراً فَعَصراً فَزادَهُ
مُعَمَّمُهُم مِن هَيبَةٍ وَالمُعَصَّبُ
هُمُ الشَمسُ لَم تَبرَح سَماواتِ عِزِّها
وَفينا ضُحاها وَالشُعاعُ المُحَبَّبُ
نَهَضتَ بِعَرشٍ يَنهَضُ الدَهرُ بِهِ
خُشوعاً وَتَخشاهُ اللَيالي وَتَرهَبُ
مَكينٍ عَلى مَتنِ الوُجودِ مُؤَيَّدٍ
بِشَمسِ اِستِواءٍ مالَها الدَهرَ مَغرِبُ
تَرَقَّت لَهُ الأَسواءُ حَتّى اِرتَقَيتَهُ
فَقُمتَ بِها في بَعضِ ما تَتَنَكَّبُ
فَكُنتَ كَعَينٍ ذاتِ جَريٍ كَمينَةٍ
تَفيضُ عَلى مَرِّ الزَمانِ وَتَعذُبُ
مُوَكَّلَةٍ بِالأَرضِ تَنسابُ في الثَرى
فَيَحيا وَتَجري في البِلادِ فَتُخضِبُ
فَأَحيَيتَ مَيتاً دارِسَ الرَسمِ غابِراً
كَأَنَّكَ فيما جِئتَ عيسى المُقَرَّبُ
وَشِدتَ مَناراً لِلخِلافَةِ في الوَرى
تُشَرِّقُ فيهِم شَمسُهُ وَتُغَرِّبُ
سَهِرتَ وَنامَ المُسلِمونَ بِغَبطَةٍ
وَما يُزعِجُ النُوّامَ وَالساهِرُ الأَبُ
فَنَبَّهَنا الفَتحُ الَّذي ما بِفَجرِهِ
وَلا بِكَ يا فَجرَ السَلامِ مُكَذِّبُ
حُسامُكَ مِن سُقراطَ في الخَطبِ أَخطَبُ
وَعودُكَ مِن عودِ المَنابِرِ أَصلَبُ
وَعَزمُكَ مِن هوميرَ أَمضى بَديهَةً
وَأَجلى بَياناً في القُلوبِ وَأَعذَبُ
وَإِن يَذكُروا إِسكَندَراً وَفُتوحَهُ
فَعَهدُكَ بِالفَتحِ المُحَجَّلِ أَقرَبُ
وَمُلكُكَ أَرقى بِالدَليلِ حُكومَةً
وَأَنفَذُ سَهماً في الأُمورِ وَأَصوَبُ
ظَهَرتَ أَميرَ المُؤمِنينَ عَلى العِدا
ظُهوراً يَسوءُ الحاسِدينَ وَيُتعِبُ
سَلِ العَصرَ وَالأَيّامَ وَالناسَ هَل نَبا
لِرَأيِكَ فيهِم أَو لِسَيفِكَ مَضرِبُ
هُمُ مَلَئوا الدُنيا جَهاماً وَراءَهُ
جَهامٌ مِنَ الأَعوانِ أَهذى وَأَكذَبُ
فَلَمّا اِستَلَلتَ السَيفَ أَخلَبَ بَرقُهُم
وَما كُنتَ يا بَرقَ المَنِيَّةِ تُخلِبُ
أَخَذتَهُمُ لا مالِكينَ لِحَوضِهِم
مِنَ الذَودِ إِلّا ما أَطالوا وَأَسهَبوا
وَلم يَتَكَلَّف قَومُكَ الأُسدُ أُهبَةً
وَلَكِنَّ خُلقاً في السِباعِ التَأَهُّبُ
كَذا الناسُ بِالأَخلاقِ يَبقى صَلاحُهُم
وَيَذهَبُ عَنهُم أَمرُهُم حينَ تَذهَبُ
وَمِن شَرَفِ الأَوطانِ أَلّا يَفوتَها
حُسامٌ مُعِزٌّ أَو يَراعٌ مُهَذَّبُ
مَلَكتَ سَبيلَيهِم فَفي الشَرقِ مَضرِبٌ
لِجَيشِكَ مَمدودٌ وَفي الغَربِ مَضرِبُ
ثَمانونَ أَلفاً أُسدُ غابٍ ضَراغِمٌ
لَها مِخلَبٌ فيهِم وَلِلمَوتِ مَخلِبُ
إِذا حَلِمَت فَالشَرُّ وَسنانُ حالِمٌ
وَإِن غَضِبَت فَالشَرُّ يَقظانُ مُغضِبُ
فَيالِقُ أَفشى في البِلادِ مِنَ الضُحى
وَأَبعَدُ مِن شَمسِ النَهارِ وَأَقرَبُ
وَتُصبِحُ تَلقاهُم وَتُمسي تَصُدُّهُم
وَتَظهَرُ في جِدِّ القِتالِ وَتَلعَبُ
تَلوحُ لَهُم في كُلِّ أُفقٍ وَتَعتَلي
وَتَطلُعُ فيهِم مِن مَكانٍ وَتَغرُبُ
وَتُقدِمُ إِقدامَ اللُيوثِ وَتَنثَني
وَتُدبِرُ عِلماً بِالوَغى وَ تُعَقِّبُ
وَتَملِكُ أَطرافَ الشِعابِ وَتَلتَقي
وَتَأخُذُ عَفواً كُلَّ عالٍ وَتَغصِبُ
وَتَغشى أَبِيّاتِ المَعاقِلِ وَالذُرا
فَ ثَيِّبُ هُنَّ البِكرُ وَالبِكرُ ثَيِّبُ
يَقودُ سَرايا ها وَيَحمي لِواءَها
سَديدُ المَرائي في الحُروبِ مُجَرِّبُ
يَجيءُ بِها حيناً وَيَرجِعُ مَرَّةً
كَما تَدفَعُ اللَجَّ البِحارُ وَتَجذِبُ
وَيَرمي بِها كَالبَحرِ مِن كُلِّ جانِبٍ
فَكُلُّ خَميسٍ لُجَّةٌ تَتَضَرَّبُ
وَيُنفِذُها مِن كُلِّ شِعبٍ فَتَلتَقي
كَما يَتَلاقى العارِضُ المُتَشَعِّبُ
وَيَجعَلُ ميقاتاً لَها تَنبَري لَهُ
كَما دارَ يَلقى عَقرَبَ السَيرِ عَقرَبُ
فَظَلَّت عُيونُ الحَربِ حَيرى لِما تَرى
نَواظِرَ ما تَأتي اللُيوثُ وَتُغرِبُ
تُبالِغُ بِالرامي وَ تَزهو بِما رَمى
وَتُعجَبُ بِالقُوّادِ وَالجُندُ أَعجَبُ
وَتُثني عَلى مُزجي الجُيوشِ بِيَلدِزٍ
وَمُلهِمِها فيما تَنالُ وَتَكسِبُ
وَما المُلكُ إِلّا الجَيشُ شَأناً وَمَظهَراً
وَلا الجَيشُ إِلّا رَبُّهُ حينَ يُنسَبُ
تُحَذِّرُني مِن قَومِها التُركِ زَينَبُ
وَتُعجِمُ في وَصفِ اللُيوثِ وَتُعرِبُ
وَتُكثِرُ ذِكرَ الباسِلينَ وَتَنثَني
بِعِزٍّ عَلى عِزِّ الجَمالِ وَتُعجَبُ
وَتَسحَبُ ذَيلَ الكِبرِياءِ وَهَكَذا
يَتيهُ وَيَختالُ القَوِيُّ المُغَلِّبُ
وَزَينَبُ إِن تاهَت وَإِن هِيَ فاخَرَت
فَما قَومُها إِلّا العَشيرُ المُحَبَّبُ
يُؤَلِّفُ إيلامُ الحَوادِثِ بَينَنا
وَيَجمَعُنا في اللَهِ دينٌ وَمَذهَبُ
نَما الوُدُّ حَتّى مَهَّدَ السُبلَ لِلهَوى
فَما في سَبيلِ الوَصلِ ما يُتَصَعَّبُ
وَدانى الهَوى ما شاءَ بَيني وَبَينَها
فَلَم يَبقَ إِلّا الأَرضُ وَالأَرضُ تَقرُبُ
رَكِبتُ إِلَيها البَحرَ وَهوَ مَصيدَةٌ
تُمَدُّ بِها سُفنُ الحَديدِ وَتُنصَبُ
تَروحُ المَنايا الزُرقُ فيهِ وَتَغتَدي
وَما هِيَ إِلّا المَوجُ يَأتي وَيَذهَبُ
وَتَبدو عَلَيهِ الفُلكُ شَتّى كَأَنَّها
بُؤوزٌ تُراعيها عَلى البُعدِ أَعقُبُ
حَوامِلُ أَعلامِ القَياصِرِ حُضرٌ
عَلَيها سَلاطينُ البَرِيَّةِ غُيَّبُ
تُجاري خُطاها الحادِثاتِ وَتَقتَفي
وَتَطفو حَوالَيها الخُطوبُ وَتَرسُبُ
وَيوشِكُ يَجري الماءُ مِن تَحتِها دَماً
إِذا جَمَعَت أَثقالَها تَتَرَقَّبُ
فَقُلتُ أَأَشراطُ القِيامَةِ ما أَرى
أَمِ الحَربُ أَدنى مِن وَريدٍ وَأَقرَبُ
أَماناً أَماناً لُجَّةَ الرومِ لِلوَرى
لَوَ اَنَّ أَماناً عِندَ دَأماءَ يُطلَبُ
كَأَنّي بِأَحداثِ الزَمانِ مُلِمَّةً
وَقَد فاضَ مِنها حَوضُكِ المُتَضَرِّبُ
فَأُزعِجَ مَغبوطٌ وَرُوِّعَ آمِنٌ
وَغالَ سَلامَ العالَمينَ التَعَصُّبُ
فَقالَت أَطَلتَ الهَمَّ لِلخَلقِ مَلجَأٌ
أَبَرُّ بِهِم مِن كُلِّ بَرٍّ وَأَحدَبُ
سَلامُ البَرايا في كَلاءَةِ فَرقَدٍ
بِيَلدِزَ لا يَغفو وَلا يَتَغَيَّبُ
وَإِنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ لَوابِلٌ
مِنَ الغَوثِ مُنهَلٌ عَلى الخَلقِ صَيِّبُ
رَأى الفِتنَةَ الكُبرى فَوالى اِنهِمالَهُ
فَبادَت وَكانَت جَمرَةً تَتَلَهَّبُ
فَما زِلتُ بِالأَهوالِ حَتّى اِقتَحَمتُها
وَقَد تُركِبُ الحاجاتُ ما لَيسَ يُركَبُ
أَخوضُ اللَيالي مِن عُبابٍ وَمِن دُجىً
إِلى أُفقٍ فيهِ الخَليفَةُ كَوكَبُ
إِلى مُلكِ عُثمانَ الَّذي دونَ حَوضِهِ
بِناءُ العَوالي المُشمَخِرُّ المُطَنَّبُ
فَلاحَ يُناغي النَجمَ صَرحٌ مُثَقَّبٌ
عَلى الماءِ قَد حاذاهُ صَرحٌ مُثقَبُ
بُروجٌ أَعارَتها المَنونُ عُيونَها
لَها في الجَواري نَظرَةٌ لا تُخَيَّبُ
رَواسي اِبتِداعٍ في رَواسي طَبيعَةٍ
تَكادُ ذُراها في السَحابِ تُغَيَّبُ
فَقُمتُ أُجيلُ الطَرفَ حَيرانَ قائِلاً
أَهَذى ثُغورُ التُركِ أَم أَنا أَحسَبُ
فَمِثلَ بِناءِ التُركِ لَم يَبنِ مُشرِقٌ
وَمِثلَ بِناءِ التُركِ لَم يَبنِ مَغرِبُ
تَظَلُّ مَهولاتُ البَوارِجِ دونَهُ
حَوائِرَ ما يَدرينَ ماذا تُخَرِّبُ
إِذا طاشَ بَينَ الماءِ وَالصَخرِ سَهمُها
أَتاها حَديدٌ ما يَطيشُ وَأَسرَبُ
يُسَدِّدُهُ عِزريلُ في زِيِّ قاذِفٍ
وَأَيدي المَنايا وَالقَضاءُ المُدَرَّبُ
قَذائِفُ تَخشى مُهجَةُ الشَمسِ كُلَّما
عَلَت مُصعِداتٍ أَنَّها لا تُصَوَّبُ
إِذا صُبَّ حاميها عَلى السُفنِ اِنثَنَت
وَغانِمُها الناجي فَكَيفَ المُخَيَّبُ
سَلِ الرومَ هَل فيهِنَّ لِلفُلكِ حيلَةٌ
وَهَل عاصِمٌ مِنهُنَّ إِلّا التَنَكُّبُ
تَذَبذَبَ أُسطولاهُمُ فَدَعَتهُما
إِلى الرُشدِ نارٌ ثَمَّ لا تَتَذَبذَبُ
فَلا الشَرقُ في أُسطولِهِ مُتقى الحِمى
وَلا الغَربُ في أُسطولِهِ مُتَهَيَّبُ
وَما راعَني إِلّا لِواءٌ مُخَضَّبٌ
هُنالِكَ يَحميهِ بَنانٌ مُخَضَّبُ
فَقُلتُ مَنِ الحامي أَلَيثٌ غَضَنفَرٌ
مِنَ التُركِ ضارٍ أَم غَزالٌ مُرَبَّبُ
أَمِ المَلِكُ الغازي المُجاهِدُ قَد بَدا
أَمِ النَجمُ في الآرامِ أَم أَنتِ زَينَبُ
رَفَعتِ بَناتَ التُركِ قالَت وَهَل بِنا
بَناتِ الضَواري أَن نَصولَ تَعَجُّبُ
إِذا ما الدِيارُ اِستَصرَخَت بَدَرَت لَها
كَرائِمُ مِنّا بِالقَنا تَتَنَقَّبُ
تُقَرِّبُ رَبّاتُ البُعولِ بُعولَها
فَإِن لَم يَكُن بَعلٌ فَنَفساً تُقَرِّبُ
وَلاحَت بِآفاقِ العَدُوِّ سَرِيَّةٌ
فَوارِسُ تَبدو تارَةً وَتُحَجَّبُ
نَواهِضُ في حُزنٍ كَما تَنهَضُ القَطا
رَواكِضُ في سَهلٍ كَما اِنسابَ ثَعلَبُ
قَليلونَ مِن بُعدٍ كَثيرونَ إِن دَنَوا
لَهُم سَكَنٌ آناً وَآناً تَهَيُّبُ
فَقالَت شَهِدتَ الحَربَ أَو أَنتَ موشِكٌ
فَصِفنا فَأَنتَ الباسِلُ المُتَأَدِّبُ
وَنادَت فَلَبّى الخَيلُ مِن كُلِّ جانِبٍ
وَلَبّى عَلَيها القَسوَرُ المُتَرَقِّبُ
خِفافاً إِلى الداعي سِراعاً كَأَنَّما
مِنَ الحَربِ داعٍ لِلصَلاةِ مُثَوِّبُ
مُنيفينَ مِن حَولِ اللِواءِ كَأَنَّهُم
لَهُ مَعقِلٌ فَوقَ المَعاقِلِ أَغلَبُ
وَما هِيَ إِلّا دَعوَةٌ وَإِجابَةٌ
أَنِ اِلتَحَمَت وَالحَربُ بَكرٌ وَتَغلِبُ
فَأَبصَرتُ ما لَم تُبصِرا مِن مَشاهِدٍ
وَلا شَهِدَت يَوماً مَعَدٌّ وَيَعرُبُ
جِبالَ مَلونا لا تَخوري وَتَجزَعي
إِذا مالَ رَأسٌ أَو تَضَعضَعَ مَنكِبُ
فَما كُنتِ إِلّا السَيفَ وَالنارَ مَركَباً
وَما كانَ يَستَعصي عَلى التُركِ مَركَبُ
عَلَوا فَوقَ عَلياءِ العَدُوِّ وَدونَهُ
مَضيقٌ كَحَلقِ اللَيثِ أَو هُوَ أَصعَبُ
فَكانَ صِراطُ الحَشرِ ما ثَمَّ ريبَةٌ
وَكانوا فَريقَ اللَهِ ما ثَمَّ مُذنِبُ
يَمُرّونَ مَرَّ البَرقِ تَحتَ دُجُنَّةٍ
دُخاناً بِهِ أَشباحُهُم تَتَجَلبَبُ
حَثيثينَ مِن فَوقِ الجِبالِ وَتَحتِها
كَما اِنهارَ طَودٌ أَو كَما اِنهالَ مِذنَبُ
تُمِدُّهُمُ قُذّافُهُم وَرُماتُهُم
بِنارٍ كَنيرانِ البَراكينِ تَدأَبُ
تُذَرّى بِها شُمُّ الذُرا حينَ تَعتَلي
وَيَسفَحُ مِنها السَفحُ إِذ تَتَصَبَّبُ
تُسَمَّرُ في رَأسِ القِلاعِ كُراتُها
وَيَسكُنُ أَعجازَ الحُصونِ المُذَنَّبُ
فَلَمّا دَجى داجي العَوانِ وَأَطبَقَت
تَبَلَّجَ وَالنَصرَ الهِلالُ المُحَجَّبُ
وَرُدَّت عَلى أَعقابِها الرومُ بَعدَما
تَناثَرَ مِنها الجَيشُ أَو كادَ يَذهَبُ
جَناحَينِ في شِبهِ الشِباكَينِ مِن قَنا
وَقَلباً عَلى حُرِّ الوَغى يَتَقَلَّبُ
عَلى قُلَلِ الأَجبالِ حَيرى جُموعُهُم
شَواخِصُ ما إِن تَهتَدي أَينَ تَذهَبُ
إِذا صَعَدَت فَالسَيفُ أَبيَضُ خاطِفٌ
وَإِن نَزَلَت فَالنارُ حَمراءُ تَلهَبُ
تَطَوَّعَ أَسراً مِنهُمُ ذَلِكَ الَّذي
تَطَوَّعَ حَرباً وَالزَمانُ تَقَلُّبُ
وَتَمَّ لَنا النَصرُ المُبينُ عَلى العِدا
وَفَتحُ المَعالي وَالنَهارُ المُذَهَّبُ
فَجِئتُ فَتاةَ التُركِ أَجزي دِفاعَها
عَنِ المُلكِ وَالأَوطانِ ما الحَقُّ يوجِبُ
فَقَبَّلتُ كَفّاً كانَ بِالسَيفِ ضارِباً
وَقَبَّلتُ سَيفاً كانَ بِالكَفِّ يَضرِبُ
وَقُلتُ أَفي الدُنيا لِقَومِكِ غالِبٌ
وَفي مِثلِ هَذا الحِجرِ رُبّوا وَهُذِّبوا
رُوَيداً بَني عُثمانَ في طَلَبِ العُلا
وَهَيهاتَ لَم يُستَبقَ شَيءٌ فَيُطلَبُ
أَفي كُلِّ آنٍ تَغرِسونَ وَنَجتَني
وَفي كُلِّ يَومٍ تَفتَحونَ وَنَكتُبُ
وَما زِلتُمُ يَسقيكُمُ النَصرُ حُمرَهُ
وَتَسقونَهُ وَالكُلُّ نَشوانَ مُصأَبُ
إِلى أَن أَحَلَّ السُكرَ مَن لا يُحِلُّهُ
وَمَدَّ بِساطَ الشُربِ مَن لَيسَ يَشرَبُ
وَأَشمَطَ سَوّاسِ الفَوارِسِ أَشيَبُ
يَسيرُ بِهِ في الشَعبِ أَشمَطُ أَشيَبُ
رَفيقاً ذَهابٍ في الحُروبِ وَجيئَةٍ
قَدِ اِصطَحَبا وَالحُرُّ لِلحُرِّ يَصحَبُ
إِذا شَهِداها جَدَّدا هِزَّةَ الصِبا
كَما يَتَصابى ذو ثَمانينَ يَطرُبُ
فَيَهتَزُّ هَذا كَالحُسامِ وَيَنثَني
وَيَنفُرُ هَذا كَالغَزالِ وَيَلعَبُ
تَوالى رَصاصُ المُطلِقينَ عَلَيهِما
يُخَضِّلُ مِن شَيبِهِما وَيُخَضِّبُ
فَقيلَ أَنِل أَقدامَكَ الأَرضَ إِنَّها
أَبَرُّ جَواداً إِن فَعَلتَ وَأَنجَبُ
فَقالَ أَيَرضى واهِبُ النَصرِ أَنَّنا
نَموتُ كَمَوتِ الغانِياتِ وَنُعطَبُ
ذَروني وَشَأني وَالوَغى لا مُبالِياً
إِلى المَوتِ أَمشي أَم إِلى المَوتِ أَركَبُ
أَيَحمِلُني عُمراً وَيَحمي شَبيبَتي
وَأَخذُلُهُ في وَهنِهِ وَأُخَيِّبُ
إِذا نَحنُ مِتنا فَاِدفِنونا بِبُقعَةٍ
يَظَلُّ بِذِكرانا ثَراها يُطَيِّبُ
وَلا تَعجَبوا أَن تَبسُلَ الخَيلُ إِنَّها
لَها مِثلُ ما لِلناسِ في المَوتِ مَشرَبُ
فَماتا أَمامَ اللَهِ مَوتَ بَسالَةٍ
كَأَنَّهُما فيهِ مِثالٌ مُنَصَّبُ
وَما شُهَداءُ الحَربِ إِلّا عِمادُها
وَإِن شَيَّدَ الأَحياءُ فيها وَطَنَّبوا
مِدادُ سِجِلِّ النَصرِ فيها دِماؤُهُم
وَبِالتِبرِ مِن غالي ثَراهُم يُتَرَّبُ
فَهَل مِن مَلونا مَوقِفٌ وَمَسامِعٌ
وَمِن جَبَلَيها مِنبَرٌ لي فَأَخطُبُ
فَأَسأَلُ حِصنَيها العَجيبَينِ في الوَرى
وَمَدخَلُها الأَعصى الَّذي هُوَ أَعجَبُ
وَأَستَشهِدُ الأَطوادَ شَمّاءَ وَالذُرا
بَواذِخَ تُلوي بِالنُجومِ وَتُجذَبُ
هَلِ البَأسُ إِلّا بَأسُهُم وَثَباتُهُم
أَوِ العَزمُ إِلّا عَزمُهُم وَالتَلَبُّبُ
أَوِ الدينُ إِلّا ما رَأَت مِن جِهادِهِم
أَوِ المُلكُ إِلّا ما أَعَزّوا وَهَيَّبوا
وَأَيُّ فَضاءٍ في الوَغى لَم يُضَيِّقوا
وَأَيُّ مَضيقٍ في الوَرى لَم يُرَحِّبوا
وَهَل قَبلَهُم مَن عانَقَ النارَ راغِباً
وَلَو أَنَّهُ عُبّادُها المُتَرَهِّبُ
وَهَل نالَ ما نالوا مِنَ الفَخرِ حاضِرٌ
وَهَل حُبِيَ الخالونَ مِنهُ الَّذي حُبوا
سَلاماً مَلونا وَاِحتِفاظاً وَعِصمَةً
لِمَن باتَ في عالي الرِضى يَتَقَلَّبُ
وَضِنّي بِعَظمٍ في ثَراكِ مُعَظَّمٍ
يُقَرِبُهُ الرَحمَنُ فيما يُقَرِّبُ
وَطِرناوُ إِذ طارَ الذُهولُ بِجَيشِها
وَبِالشَعبِ فَوضى في المَذاهِبِ يَذهَبُ
عَشِيَّةَ ضاقَت أَرضُها وَسَماؤُها
وَضاقَ فَضاءٌ بَينَ ذاكَ مُرَحِّبُ
خَلَت مِن بَني الجَيشِ الحُصونُ وَأَقفَرَت
مَساكِنُ أَهليها وَعَمَّ التَخَرُّبُ
وَنادى مُنادٍ لِلهَزيمَةِ في المَلا
وَإِنَّ مُنادي التُركِ يَدنو وَيَقرُبُ
فَأَعرَضَ عَن قُوّادِهِ الجُندُ شارِداً
وَعَلَّمَهُ قُوّادُهُ كَيفَ يَهرُبُ
وَطارَ الأَهالي نافِرينَ إِلى الفَلا
مِئينَ وَآلافاً تَهيمُ وَتَسرُبُ
نَجَوا بِالنُفوسِ الذاهِلاتِ وَما نَجَوا
بِغَيرِ يَدٍ صِفرٍ وَأُخرى تُقَلِّبُ
وَطالَت يَدٌ لِلجَمعِ في الجَمعِ بِالخَنا
وَبِالسَلبِ لَم يَمدُد بِها فيهِ أَجنَبُ
يَسيرُ عَلى أَشلاءِ والِدِهِ الفَتى
وَيَنسى هُناكَ المُرضَعَ الأُمُّ وَالأَبُ
وَتَمضي ال سَرايا واطِئاتٍ بِخَيلِها
أَرامِلَ تَبكي أَو ثَواكِلَ تَندُبُ
فَمِن راجِلٍ تَهوي السِنونُ بِرِجلِهِ
وَمِن فارِسٍ تَمشي النِساءُ وَيَركَبُ
وَماضٍ بِمالٍ قَد مَضى عَنهُ وَألُهُ
وَمُزجٍ أَثاثاً بَينَ عَينَيهِ يُنهَبُ
يَكادونَ مِن ذُعرٍ تَفُرُّ دِيارُهُم
وَتَنجو الرَواسي لَو حَواهُنَّ مَشعَبُ
يَكادُ الثَرى مِن تَحتِهِم يَلِجُ الثَرى
وَيَقضِمُ بَعضُ الأَرضِ بَعضاً وَيُقضِبُ
تَكادُ خُطاهُم تَسبِقُ البَرقَ سُرعَةً
وَتَذهَبُ بِالأَبصارِ أَيّانَ تَذهَبُ
تَكادُ عَلى أَبصارِهِم تَقطَعُ المَدى
وَتَنفُذُ مَرماها البَعيدَ وَتَحجُبُ
تَكادُ تَمُسُّ الأَرضَ مَسّاً نِعالُهُم
وَلَو وَجَدوا سُبلاً إِلى الجَوِّ نَكَّبوا
هَزيمَةُ مَن لا هازِمٌ يَستَحِثُّهُ
وَلا طارِدٌ يَدعو لِذاكَ وَيوجِبُ
قَعَدنا فَلَم يَعدَم فَتى الرومِ فَيلَقاً
مِنَ الرُعبِ يَغزوهُ وَآخَرَ يَسلُبُ
ظَفِرنا بِهِ وَجهاً فَظَنَّ تَعَقُّباً
وَماذا يَزيدُ الظافِرينَ التَعَقُّبُ
فَوَلّى وَما وَلّى نِظامُ جُنودِهِ
وَيا شُؤمَ جَيشٍ لِلفَرارِ يُرَتِّبُ
يَسوقُ وَيَحدو لِلنَجاةِ كَتائِباً
لَهُ مَوكِبٌ مِنها وَلِلعارِ مَوكِبُ
مُنَظَّمَةٌ مِن حَولِهِ بَيدَ أَنَّها
تَوَدُّ لَوِ اِنشَقَّ الثَرى فَتُغَيَّبُ
مُؤَزَّرَةٌ بِالرُعبِ مَلدوغَةٌ بِهِ
فَفي كُلِّ ثَوبٍ عَقرَبٌ مِنهُ تَلسِبُ
تَرى الخَيلَ مِن كُلِّ الجِهاتِ تَخَيُّلاً
فَيَأخُذُ مِنها وَهمُها وَالتَهَيُّبُ
فَمِن خَلفِها طَوراً وَحيناً أَمامَها
وَآوِنَةً مِن كُلِّ أَوبٍ تَأَلَّبُ
فَوارِسُ في طولِ الجِبالِ وَعَرضِها
إِذا غابَ مِنهُم مِقنَبٌ لاحَ مِقنَبُ
فَمَهما تَهِم يَسنَح لَها ذو مُهَنَّدٍ
وَيَخرُج لَها مِن باطِنِ الأَرضِ مِحرَبُ
وَتَنزِل عَلَيها مِن سَماءِ خَيالِها
صَواعِقٌ فيهِنَّ الرَدى المُتَصَبِّبُ
رُؤىً إِن تَكُن حَقّاً يَكُن مِن وَرائِها
مَلائِكَةُ اللَهِ الَّذي لَيسَ يُغلَبُ
وَفِرسالُ إِذ باتوا وَبِتنا أَعادِياً
عَلى السَهلِ لُدّاً يَرقُبونَ وَنَرقُبُ
وَقامَ فَتانا اللَيلَ يَحمي لِواءَهُ
وَقامَ فَتاهُم لَيلَهُ يَتَلَعَّبُ
تَوَسَّدَ هَذا قائِمَ السَيفِ يَتَّقي
وَهَذا عَلى أَحلامِهِ يَتَحَسَّبُ
وَهَل يَستَوي القِرنانُ هَذا مُنَعَّمٌ
غَريرٌ وَهَذا ذو تَجاريبَ قُلَّبُ
حَمَينا كِلانا أَرضَ فِرسالَ وَالسَما
فَكُلُّ سَبيلٍ بَينَ ذَلِكَ مَعطَبُ
وَرُحنا يَهُبُّ الشَرُّ فينا وَفيهِمُ
وَتَشمُلُ أَرواحُ القِتالِ وَتَجنُبُ
كَأَنّا أُسودٌ رابِضاتٌ كَأَنَّهُم
قَطيعٌ بِأَقصى السَهلِ حَيرانَ مُذئِبُ
كَأَنَّ خِيامَ الجَيشِ في السَهلِ أَينَقُ
نَواشِزُ فَوضى في دُجى اللَيلِ شُزَّبُ
كَأَنَّ ال سَرايا ساكِناتٍ مَوائِجاً
قَطائِعُ تُعطى الأَمنَ طَوراً وَتُسلَبُ
كَأَنَّ القَنا دونَ الخِيامِ نَوازِلاً
جَداوِلُ يُجريها الظَلامُ وَيُسكَبُ
كَأَنَّ الدُجى بَحرٌ إِلى النَجمِ صاعِدٌ
كَأَنَّ ال سَرايا مَوجُهُ المُتَضَرِّبُ
كَأَنَّ المَنايا في ضَميرِ ظَلامِهِ
هُمومٌ بِها فاضَ الضَميرُ المُحَجَّبُ
كَأَنَّ صَهيلَ الخَيلِ ناعٍ مُبَشِّرٌ
تَراهُنَّ فيها ضُحَّكاً وَهيَ نُحَّبُ
كَأَنَّ وُجوهَ الخَيلِ غُرّاً وَسيمَةً
دَرارِيُّ لَيلٍ طُلَّعٌ فيهِ ثُقَّبُ
كَأَنَّ أُنوفَ الخَيلِ حَرّى مِنَ الوَغى
مَجامِرُ في الظَلماءِ تَهدا وَتَلهُبُ
كَأَنَّ صُدورَ الخَيلِ غُدرٌ عَلى الدُجى
كَأَنَّ بَقايا النَضحِ فيهِنَّ طُحلُبُ
كَأَنَّ سَنى الأَبواقِ في اللَيلِ بَرقُهُ
كَأَنَّ صَداها الرَعدُ لِلبَرقِ يَصحَبُ
كَأَنَّ نِداءَ الجَيشِ مِن كُلِّ جانِبٍ
دَوِيُّ رِياحٍ في الدُجى تَتَذَأَّبُ
كَأَنَّ عُيونَ الجَيشِ مِن كُلِّ مَذهَبٍ
مِنَ السَهلِ جُنَّ جُوَّلٌ فيهِ جُوَّبُ
كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ جُنودَنا
مَجوسٌ إِذا ما يَمَّموا النارَ قَرَّبوا
كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ الرَدى قِرىً
كَأَنَّ وَراءَ النارِ حاتِمَ يَأدِبُ
كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ بَني الوَغى
فَراشٌ لَهُ مَلمَسُ النارِ مَأرَبُ
وَثَبنا يَضيقُ السَهلُ عَن وَثَباتِنا
وَتَقدُمُنا نارٌ إِلى الرومِ أَوثَبُ
مَشَت في سَرايا هُم فَحَلَّت نِظامَها
فَلَمّا مَشَينا أَدبَرَت لا تُعَقِّبُ
رَأى السَهلُ مِنهُم ما رَأى الوَعرُ قَبلَهُ
فَيا قَومُ حَتّى السَهلُ في الحَربِ يَصعُبُ
وَحِصنٌ تَسامى مِن دُموقو كَأَنَّهُ
مُعَشِّشُ نَسرٍ أَو بِهَذا يُلَقَّبُ
أَشُمُّ عَلى طَودٍ أَشَمَّ كِلاهُما
مَنونُ المُفاجي وَالحِمامُ المُرَحِّبُ
تَكادُ تَقادُ الغادِياتُ لِرَبِّهِ
فَيُزجي وَتَنزُمُّ الرِياحُ فَيَركَبُ
حَمَتهُ لُيوثٌ مِن حَديدٍ تَرَكَّزَت
عَلى عَجَلٍ وَاِستَجمَعَت تَتَرَقَّبُ
تَثورُ وَتَستَأني وَتَنأى وَتَدَّني
وَتَغدو بِما تَغدي وَتَرمي وَتَنشُبُ
تَأبّى فَظَنَّ العالِمونَ اِستَحالَةً
وَأَعيا عَلى أَوهامِهِم فَتَرَيَّبوا
فَما في القِوى أَنَّ السَماواتِ تُرتَقى
بِجَيشٍ وَأَنَّ النَجمَ يُغشى فَيُغضِبُ
سَمَوتُم إِلَيهِ وَالقَنابِلُ دونَهُ
وَشُهبُ المَنايا وَالرَصاصُ المُصَوَّبُ
فَكُنتُم يَواقيتَ الحُروبِ كَرامَةً
عَلى النارِ أَو أَنتُم أَشَدُّ وَأَصلَبُ
صَعَدتُم وَما غَيرُ القَنا ثَمَّ مَصعَدٌ
وَلا سُلَّمٌ إِلّا الحَديدُ المُذَرَّبُ
كَما اِزدَحَمَت بَيزانُ جَوٍّ بِمَورِدٍ
أَوِ اِرتَفَعَت تَلقى الفَريسَةَ أَعقَبُ
فَما زِلتُمُ حَتّى نَزَلتُم بُروجَهُ
وَلَم تَحتَضِر شَمسُ النَهارِ فَتَغرُبُ
هُنالِكَ غالى في الأَماديحِ مَشرِقٌ
وَبالَغَ فيكُم آلَ عُثمانَ مَغرِبُ
وَزَيدَ حَمى الإِسلامَ عِزّاً وَمَنعَةً
وَرُدَّ جِماحُ العَصرِ فَالعَصرُ هَيِّبُ
رَفَعنا إِلى النَجمِ الرُؤوسِ بِنَصرِكُم
وَكُنّا بِحُكمِ الحادِثاتِ نُصَوِّبُ
وَمَن كانَ مَنسوباً إِلى دَولَةِ القَنا
فَلَيسَ إِلى شَيءٍ سِوى العِزِّ يُنسَبُ
فَيا قَومُ أَينَ الجَيشُ فيما زَعَمتُمُ
وَأَينَ الجَواري وَالدِفاعُ المُرَكَّبُ
وَأَينَ أَميرُ البَأسِ وَالعَزمِ وَالحِجى
وَأَينَ رَجاءٌ في الأَميرِ مُخَيَّبُ
وَأَينَ تُخومٌ تَستَبيحونَ دَوسَها
وَأَينَ عِصاباتٌ لَكُم تَتَوَثَّبُ
وَأَينَ الَّذي قالَت لَنا الصُحفُ عَنكُمُ
وَأَسنَدَ أَهلوها إِلَيكُم فَأَطنَبوا
وَما قَد رَوى بَرقٌ مِنَ القَولِ كاذِبٌ
وَآخَرُ مِن فِعلِ المُحِبّينَ أَكذَبُ
وَما شِدتُمُ مِن دَولَةٍ عَرضُها الثَرى
يَدينُ لَها الجِنسانِ تُركٌ وَصَقلَبُ
لَها عَلَمٌ فَوقَ الهِلالِ وَسُدَّةٌ
تُنَصُّ عَلى هامِ النُجومِ وَتُنصَبُ
أَهَذا هُوَ الذَودُ الَّذي تَدَّعونَهُ
وَنَصرُ كَريدٍ وَالوَلا وَالتَحَبُّبُ
أَهَذا الَّذي لِلمُلكِ وَالعِرضِ عِندَكُم
وَلِلجارِ إِن أَعيا عَلى الجارِ مَطلَبُ
أَهَذا سِلاحُ الفَتحِ وَالنَصرِ وَالعُلا
أَهَذا مَطايا مَن إِلى المَجدِ يَركَبُ
أَهَذا الَّذي لِلذِكرِ خُلَّبُ مَعشَرٌ
عَلى ذِكرِهِم يَأتي الزَمانُ وَيَذهَبُ
أَسَأتُم وَكانَ السوءُ مِنكُم إِلَيكُمُ
إِلى خَيرِ جارٍ عِندَهُ الخَيرُ يُطلَبُ
إِلى ذي اِنتِقامٍ لا يَنامُ غَريمُهُ
وَلَو أَنَّهُ شَخصُ المَنامِ المُحَجَّبُ
شَقيتُم بِها مِن حيلَةٍ مُستَحيلَةٍ
وَأَينَ مِنَ المُحتالِ عَنقاءُ مُغرِبُ
فَلَولا سُيوفُ التُركِ جَرَّبَ غَيرُكُم
وَلَكِن مِنَ الأَشياءِ ما لا يُجَرَّبُ
فَعَفواً أَميرَ المُؤمِنينَ لِأُمَّةٍ
دَعَت قادِراً مازالَ في العَفوِ يَرغَبُ
ضَرَبتَ عَلى آمالِها وَمَآلِها
وَأَنتَ عَلى اِستِقلالِها اليَومَ تَضرِبُ
إِذا خانَ عَبدُ السوءِ مَولاهُ مُعتَقاً
فَما يَفعَلُ الكَريمُ المُهَذَّبُ
وَلا تَضرِبَن بِالرَأيِ مُنحَلَّ مُلكِهِم
فَما يَفعَلُ المَولى الكَريمُ المُهَذَّبُ
لَقَد فَنِيَت أَرزاقُهُم وَرِجالُهُم
وَليسَ بِفانٍ طَيشُهُم وَالتَقَلُّبُ
فَإِن يَجِدوا لِلنَفسِ بِالعَودِ راحَةً
فَقَد يَشتَهي المَوتَ المَريضُ المُعَذَّبُ
وَإِن هَمَّ بِالعَفوِ الكَريمِ رَجاؤُهُم
فَمِن كَرَمِ الأَخلاقِ أَن لا يُخَيَّبوا
فَما زِلتَ جارَ البِرِّ وَالسَيِّدَ الَّذي
إِلى فَضلِهِ مِن عَدلِهِ الجارُ يَهرُبُ
يُلاقي بَعيدُ الأَهلِ عِندَكَ أَهلَهُ
وَيَمرَحُ في أَوطانِهِ المُتَغَرِّبُ
أَمَولايَ غَنَّتكَ السُيوفُ فَأَطرَبَت
فَهَل لِيَراعي أَن يُغَنّي فَيُطرِبُ
فَعِندي كَما عِندَ الظُبا لَكَ نَغمَةٌ
وَمُختَلِفُ الأَنغامِ لِلأُنسِ أَجلَبُ
أُعَرِّبُ ما تُنشي عُلاكَ وَإِنَّهُ
لَفي لُطفِهِ ما لا يَنالُ المُعَرِّبُ
مَدَحتُكَ وَالدُنيا لِسانٌ وَأَهلُها
جَميعاً لِسانٌ يُملِيانِ وَأَكتُبُ
أُناوِلُ مِن شِعرِ الخِلافَةِ رَبَّها
وَأَكسو القَوافي ما يَدومُ فَيُقشِبُ
وَهَل أَنتَ إِلّا الشَمسُ في كُلِّ أُمَّةٍ
فَكُلُّ لِسانٍ في مَديحِكَ طَيِّبُ
فَإِن لَم يَلِق شِعري لِبابِكَ مِدحَةً
فَمُر يَنفَتِح بابٌ مِنَ العُذرِ أَرحَبُ
وَإِنّي لَطَيرُ النيلِ لا طَيرَ غَيرُهُ
وَما النيلُ إِلّا مِن رِياضِكَ يُحسَبُ
إِذا قُلتُ شِعراً فَالقَوافي حَواضِرٌ
وَبَغدادُ بَغدادٌ وَيَثرِبُ يَثرِبُ
وَلَم أَعدَمِ الظِلَّ الخَصيبَ وَإِنَّما
أُجاذِبُكَ الظِلَّ الَّذي هُوَ أَخصَبُ
فَلا زِلتَ كَهفَ الدينِ وَالهادِيَ الَّذي
إِلى اللَهِ بِالزُلفى لَهُ نَتَقَرَّبُ

كان لبعض الناس ببغاء

كانَ لِبَعضِ الناسِ بَبَّغاءُ
ما مَلَّ يَوماً نُطقَها الإِصغاءُ
رَفيعَةُ القَدرِ لَدى مَولاها
وَكُلُّ مَن في بَيتِهِ يَهواها
وَكانَ في المَنزِلِ كَلبٌ عالي
أَرخَصَهُ وُجودُ هَذا الغالي
كَذا القَليلُ بِالكَثيرِ يَنقُصُ
وَالفَضلُ بَعضُهُ لِبَعضٍ مُرخِصُ
فَجاءَها يَوماً عَلى غِرارِ
وَقَلبُهُ مِن بُغضِها في نارِ
وَقالَ يا مَليكَةَ الطُيورِ
وَيا حَياةَ الأُنسِ وَالسُرورِ
بِحُسنِ نُطقِكِ الَّذي قَد أَصبى
إِلّا أَرَيتِني اللِسانَ العَذبا
لِأَنَّني قَد حِرتُ في التَفَكُّرِ
لَمّا سَمِعتُ أَنَّهُ مِن سُكَّرِ
فَأَخرَجَت مِن طَيشِها لِسانَها
فَعَضَّهُ بِنابِهِ فَشانَها
ثُمَّ مَضى مِن فَورِهِ يَصيحُ
قَطَعتُهُ لِأَنَّهُ فَصيحُ
وَما لَها عِندِيَ مِن ثَأرٍ يُعَدُّ
غَيرَ الَّذي سَمَّوهُ قِدماً بِالحَسَد

شجوني إذا جن الظلام كثير

شجوني إذا جُن الظلام كثير
يؤلبها عادي الهوى ويثير
إذا دهمت والليل من كل جانب
فنومي قتيل والصباح أسير
مشت لجناح واهن من جوانحي
ومالت على القلب الضعيف تُغير
فما ثار هذا الليل عندي وإنني
أليف له في جُنحه وسمير
إذ رقد الحياء نادمت نجمه
أدير له ذكر الكرى ويدير
ضعيفين لا نعطى حَراكا على الدجى
كلانا عليه مُقعد وعثور
نشدنا دفين الصبح في كل ظلمة
عليه كأنا منكر ونكير
يسائلني الساقي أَما لك نشوة
لعلك رضوى أو عساك ثبير
تكاد تخف الكأس من نفحاتها
وأنت على مر الكؤوس وقور
فقلت عوادي الهم بيني وبينها
تكاد تصدّ الكأس حين تدور
أتشغل قلبي الراح عن بعض ما به
وأشغال قلبي لو علمت كثير
برى البين ظُفريه وأذهب ريشه
وهدّ جناحيه فكيف يطير
يكاد يلين الجذع من زفراته
وييبس منها الفرع وهو نضير
كلانا غريب في المضاجع ليله
طويل وليل العالمين قصير
أقول له والغُدر بيني وبينه
ومن مدمعينا جدول وغدير
يلوم أناس ليس يدرون ما الهوى
لعلك دار يا حمام عذير
بعيشك خبرني وإن كنت عالما
هل الحب إلا جنة وسعير
أهنتُ عزيز الصبر فيك وخانني
إباء وفىٌّ في الخطوب وفير
وما أنا من ينضو عن النفس شيمة
ولكن سلطان الغرام قدير
خُلقت رحيم القلب آوى إلى الهوى
وأنكر ضيف الحقد حين يزور
وما خذلتني في بلاء سجية
وبعض السجايا خاذل ونصير
ولا رمت إلا النفع للناس مطلبا
ولا ارتاح لي إلا إليه ضمير
ومن يصحِب الأملاك عشرين حجة
يُجَمِّله خُلق في الخلال أمير
سما بي مديح الكابر ابن محمد
إلى حيث لا يبغى المزيد كبير
تجلى على الأبصار والصبح فانثنت
تباهي به شمس الضحى وتغير
وما استقبلت إلا ضياها تعيره
دليل الهوى من نورها ويعير
أغر تحلى بالحياء وبالهدى
فأعلاه نور والغضون نمير
فمتى الهمة الشماء فضلك سابق
وشعبك جاز بالولاء شكور
يروم رعاياك الذي نال غيرهم
وأنت بتحقيق المرام جدير
جمعت الأدانين الشجاعة والحجى
فكل عسير إن عزمت يسير
أتعلو علينا في المشارق أمة
وجدّك دل الشرق كيف يسير
حباه حياة في الحضارة جمة
يشير إليها العصر وهو فخور
وقد ترفع الأوطانَ للنجم همةُ
ويُرجع قوما للحياة شعور
ويبعث نورُ العلم شعبا تضمه
من المجهلات الحالكات قبور
ويمضي على حال ويأتي بضدها
زمان ظروف كله وأمور

نزل المناهل والربى آذار

نزل المناهل والربى آذار
يحدو ربيع ركابه النُّوار
يختال في وشى الرياض وطِيبها
وتزفه الربوات والأنهار
سمح البنان بكل ما زان الثرى
فالوشى يوهب والحلىّ يعار
ملأ الخمائل من تصاويرٍ كما
ملأ الرفارف بالدُّمى الحفار
في كل دوح دمية ومِنصة
وبكل روض صورة وإطار
حدجته بالبصر الحمائل مثلما
حدجت بعينها العروسَ الدار
لبست له الآمال بهجة شمسها
وتزينت للقائه الأسحار
حيته بالنغم الهواتفُ في الضحى
وترنمت بثنائه الأوتار
والماء يطِفر جدولا ويفيض من
عين ويخبط في القنى ويحار
جَرّ الإِزارَ فكل روض حامل
مسكا وكل خميلة معطار
في كل ظل مِزهر مترنم
ووراء كل نضارة مزمار
وعلى ذؤابة كل غصن قينة
الصَّنج خلف بنانها والطار
والنيل في الواديى نجاشىّ مشى
في ركبه الرؤساء والأحبار
سحبوا الطقوس ورتلوا إنجيلهم
فتعالت الصلوات والأذكار
نزلاء مصر حللتمو بفؤادها
وحوتكمو الأسماع والأبصار
ضيفا على البلد الكريم وطالما
هتف النزيل به وغنى الجار
تاج كقرص الشمس ملء إطاره
عتق ومجد تالد وفخار
وكأن كلتا صفحتيه من السنا
ومن التلبس بالشموس نهار
نحن الكرام إذا مشى في أرضنا
ضيف ونحن بأرضنا أحرار
مصر ثرى الفن الجميل ومهده
تنبيكمو عن ذلك الآثار
غُمرت بموسيقى الجمال تلالُها
وتفجرت عن مائه الاحجار
واد كحاشية النعيم وأيكة
ما للبلابل دونها أوكار
من عهد إسماعيل لم تخل الربى
منها ولم تتعطل الأشجار
مما يتيح الله جل جلاله
لعباده وتسخَّر الأٌقدار
في كل جيل عبقريّ نابغ
غرد اللهاة مفنن سحار
قضَّى على الشوك الحياة وكم دعا
للسير في الورد الرفاقَ فساروا
أما الغناء فلذة الأمم التي
طافوا عليها في الحياة وداروا
يا طالما ارتاحوا إليه وطالما
حمسوا على النغم الشجىّ وثاروا
وتر تعلق في النعيم بآدم
غنى عليه بنوه والأصهار
الخمر والسحر المبين وراءه
والشجو والزفرات والتَّذكار
وعلى تغنى النفس في وجدانها
خلت العشىّ ومرت الأبكار
ألحان كل جماعة وغناؤهم
لغة ونجوى بينهم وحِوار
نغم الطبيعة في مغانيهم وما
تملى الرياض وتنشئ الأزهار
لا تعشق الآذان إلا نغمة
كانت عليها في المهود تدار
فرعون في الوادي وصاحب بوقه
وقيانه والناى والقيثار
وترنمات الشعب حول ركابه
وطلاسم الكهنوت والأسرار
لو عاد ذلك كله لقى الهوى
حتى كأنه لم تطوِه الأعصار
عابدين ركنك موئل ومثابة
لا زال يُستذرى به ويزار
ثبتت أواسى العرش في محرابه
وأوت إليه أمة وديار
وعلى مطالعة وفي هالاته
بزغت شموس العز والأقمار
للعلم منه وللثقافة حائط
يؤوَى إليه وللفنون جدار
أنزلت في ساحاته شعري كما
نزلت رتاج الكعبة الأشعار
ونظمت فيه وفي وضاءة ليله
مالم تزل تجرى به الأسمار
ورحابك الربوات إلا أنها
أرض الندَى وسماؤه المدرار
أفريقيا في ظلك اجتمعت على
صفو فلا نزلت بها الأكدار
في المهرجان العبقريّ تسايرت
أعلامها وتلاقت الأنوار
لما دعا داعى المعز إلى القِرى
شدّت صحارٍ رحلها وقفار
سفر إلى الوادي السعيد وملكه
حسدت عليه وفودها الأمصار
رفعوا شراع البحر يستبقونه
ولو أنهم ملكوا الجناح لطاروا
أمم من الإسلام يجمع بيننا
ماض وأحداث خلون كبار
وحضارة الفصحى وروح بيانها
وقريشٌ العالون والأنصار
وحوادث تجرى لغايتها غدا
ولكل جار غاية وقرار
في معهد الوادى ودار غنائه
فرح تسير غدا به الأخبار
بعثت به الدنيا كرائم طيرها
من كل أيك بلبل وهَزار
وحوى النوابغ فيه حول نواله
شعب على حرم الفنون يغار
جلب السوابق كلها فتسابقت
حتى كأن المعهد المضمار
إحسان مجبول على الإِحسان لا
تحصى صنائعه ولا الآثار
يا شعب وادى النيل عشت ولا يزل
يجرى بيمن أمورك المقدار
أنت الرشيد على كريم بساطه
تستعرض الآراء والأفكار

أخذت السماء يا دار ركنا

أخذتِ السماء يا دار ركنا
وأويت الكواكب الزهر سُكنى
وجمعت السعادتين فباتت
فيك دنيا الصلاح للدين خِدنا
نادَما الدهر في ذَراك وفضا
من سلاف الوداد دَنا فدنا
وإذا الخُلق كان عقد وداد
لم ينل منه من وشَى وتجنى
وأرى العلم كالعبادة في أبـ
ـعد غاياته إلى الله أدنى
واسع الساح يرسل الفكر فيها
كل من شك ساعة أو تظنى
هل سألنا أبا العلاء وإن قلّـ
ـب عينا في عالم الكون وسنى
كيف يهذِى بخالق الطير من لم
يعلم الطير هل بكى أو تغنى
أنتِ كالشمس رفرفا والسماكـ
ـين رواقا والمجرّة صحنا
لو تسترت كنت كالقبة الغرا
ء ذيلا من الجلال وردنا
إن تكن للثواب والبر دارا
كيف إن تمت الملاوة قرنا
لا تَعدِّى السنين إن ذكر العـ
ـلم فما تعلمين للعلم سنا
سوف تفنى في ساحتيك الليالي
وهو باق على المدى ليس يفنى
يا عكاظا حوى الشبا فصاحا
قرشيين في المجامع لُسنا
بثهم في كنانة الله نورا
من ظلام على البصائر أخنى
علَّموا بالبيان لا غرباء
فيه يوما ولا أعاجم لُكنا
فتية محسنون لم يخلفوا العـ
ـلم رجاء ولا المعلم ظنا
صدعوا ظلمة على الريف حلت
وأضاءوا الصعيد سهلا وحزنا
من قضى منهم تفرق فكرا
في نهى النشء أو تقسم ذهنا
ناد دار العلوم إن شئت يا عا
يش أو شئت نادها يا سُكَينا
قل لها يا ابنة المبارك إيه
قد جرت كاسمه أمورك يمنا
هو في المهرجان حى شهيد
يجتلى غرس فضله كيف أجنى
وهو في العرس إن تحجّب أو لم
يحتجب والد العروس المهنا
ما جرى ذكره بناديك حتى
وقف الدمع في الشؤون فأثنى
رب خير ملئت منه سرورا
ذكّر الخيرين فاهتجت حزنا
أدرى إذ بناك أن كان يبني
فوق أنف العدوّ للضاد حصنا
حائط الملك بالمدارس إن شئـ
ـت وإن شئت بالمعاقل يبني
أنظر الناس هل ترى لحياة
عَطَلت من نباهة الذكر معنى
لا الغني في الرجال ناب عن الفضـ
ـل وسلطانه ولا الجاه أغنى
رب عاث في الأرض لم يجعل الأر
ض له إن أقام أو سار وزنا
عاش لم ترمه بعين وأودى
همَلا لم تهب لناعيه أذنا
نظّم الله ملكه بعباد
عبقريين أورثوا الملك حسنا
شغلتهم عن الحسود المعالي
إنما يُحسد العظيم ويُشنا
من ذكىّ الفؤاد يوِرث علما
أو بديع الخيال يَخلق فنا
كم قديم كرقعة النجم حر
لم يقلل له الجديدان شأنا
وحديد عليه يختلف الدهـ
ـر ويفنى الزمان قرنا فقرنا
فاحتفظ بالذخيرتين جميعا
عادة الفطن بالذخائر يعنى
يا شبابا سقونيَ الودّ محضا
وسقوا شانئي على الغل أجنا
كلما صار للكهولة شعري
أنشدوه فعاد أمرد لدنا
أسرة الشاعر الرواة وما عنَّـ
ـوه والمرء بالقريب معنى
هم يضنون في الحياة بما قا
ل ويُلفَون في الحياة أضنا
وإذا ما انقضى وأهلوه لم يعـ
ـدم شقيقا من الرواة أو أبنا
النبوغَ النبوغَ حتى تنصوا
راية العلم كالهلال وأسنى
نحن في صورة الممالك ما لم
يصبح العلم والمعلم منا
لا تنادوا الحصون والسفن وادعوا الـ
ـعلم ينشئ لكم حصونا وسفنا
إن ركب الحضارة اخترق الأر
ض وشق السماء ريحا ومزنا
وصحبناه كالغبار فلا رحـ
ـلا شددنا ولا ركابا زممنا
دان آباؤنا الزمان مليا
ومليا لحادث الدهر دنا
كم نباهي بلحد ميت وكم نحـ
ـمل من هادم ولم يبن مَنَّا
قد أنَى أن نقول نحن ولا نسـ
ـمع أبناءنا يقولون كنا

لم يمت من له أثر

لَم يَمُت مَن لَهُ أَثَر
وَحَياةٌ مِنَ السِيَر
أُدعُهُ غائِباً وَإِن
بَعُدَت غايَةُ السَفَر
آيِبُ الفَضلِ كُلَّما
آبَتِ الشَمسُ وَالقَمَر
رُبَّ نورٍ مُتَمَّمٍ
قَد أَتانا مِنَ الحُفَر
إِنَّما المَيتُ مَن مَشى
مَيتَ الخَيرِ وَالخَبَر
مَن إِذا عاشَ لَم يُفِد
وَإِذا ماتَ لَم يَضِر
لَيسَ في الجاهِ وَالغِنى
مِنهُ ظِلٌّ وَلا ثَمَر
قُبِّحَ العِزُّ في القُصو
رِ إِذا ذَلَّتِ القَصَر
أَعوَزَ الحَقَّ رائِدٌ
وَإِلى مُصطَفى اِفتَقَر
وَتَمَنَّت حِياضُهُ
هَبَّةَ الصارِمِ الذَكَر
الَّذي يُنفِذُ المُدى
وَالَّذي يَركَبُ الخَطَر
أَيُّها القَومُ عَظِّموا
واضِعَ الأُسِّ وَالحَجَر
أُذكُروا الخُطبَةَ الَّتي
هِيَ مِن آيَةِ الكُبَر
لَم يَرَ الناسُ قَبلَها
مِنبَراً تَحتَ مُحتَضَر
لَستُ أَنسى لِواءَهُ
وَهوَ يَمشي إِلى الظَفَر
حَشَرَ الناسَ تَحتَهُ
زُمَراً إِثرَها زُمَر
وَتَرى الحَقَّ حَولَهُ
لا تَرى البيضَ وَالسُمر
وَكُلَّما راحَ أَو غَدا
نَفَخَ الروحَ في الصُوَر
يا أَخا النَفسِ في الصِبا
لَذَّةُ الروحِ في الصِغَر
وَخَليلاً ذَخَرتُهُ
لَم يُقَوَّمَ بِمُدَّخَر
حالَ بَيني وَبَينَهُ
في فُجاءاتِهِ القَدَر
كَيفَ أَجزي مَوَدَّةً
لَم يَشُب صَفوَها كَدَر
غَيرَ دَمعٍ أَقولُهُ
قَلَّ في الشَأنِ أَو كَثُر
وَفُؤادٍ مُعَلَّلٍ
بِالخَيالاتِ وَالذُكَر
لَم يَنَم عَنكَ ساعَةً
في الأَحاديثِ وَالسَمَر
قُم تَرَ القَومَ كُتلَةً
مِثلَ مَلمومَةِ الصَخَر
جَدَّدوا أُلفَةَ الهَوى
وَالإِخاءَ الَّذي شُطِر
لَيسَ لِلخُلفِ بَينَهُم
أَو لِأَسبابِهِ أَثَر
أَلَّفَتهُم رَوائِحٌ
غادِياتٌ مِنَ الغِيَر
وَصَحَوا مِن مُنَوِّمٍ
وَأَفاقوا مِنَ الحَذَر
أَقبَلوا نَحوَ حَقِّهِم
ما لَهُم غَيرَهُ وَطَر
جَعَلوهُ خَلِيَّةً
شَرَعوا دونَها الإِبَر
وَتَواصَوا بِخُطَّةٍ
وَتَداعَوا لِمُؤتَمَر
وَقُصارى أولي النُهى
يَتَلاقونَ في الفِكَر
آذَنونا بِمَوقِفٍ
مِن جَلالٍ وَمِن خَطَر
نَسمَعُ اللَيثَ عِندَهُ
دونَ آجامِهِ زَأَر
قُل لَهُم في نَدِيِّهِم
مِصرُ بِالبابِ تَنتَظِر

أمير المؤمنين رأيت جسرا

أَميرَ المُؤمِنينَ رَأَيتُ جِسراً
أَمُرُّ عَلى الصِراطِ وَلا عَلَيهِ
لَهُ خَشَبٌ يَجوعُ السوسُ فيهِ
وَتَمضي الفَأرُ لا تَأوي إِلَيهِ
وَلا يَتَكَلَّفُ المِنشارُ فيهِ
سِوى مَرِّ الفَطيمِ بِساعِدَيهِ
وَكَم قَد جاهَدَ الحَيوانُ فيهِ
وَخَلَّفَ في الهَزيمَةِ حافِرَيهِ
وَأَسمَجُ مِنهُ في عَيني جُباةٌ
تَراهُم وَسطَهُ وَبِجانِبَيهِ
إِذا لاقَيتَ واحِدَهُم تَصَدّى
كَعِفريتٍ يُشيرُ بِراحَتَيهِ
وَيَمشي الصَدرُ فيهِ كُلَّ يَومٍ
بِمَوكِبِهِ السَنِيِّ وَحارِسَيهِ
وَلَكِن لا يَمُرُّ عَلَيهِ إِلّا
كَما مَرَّت يَداهُ بِعارِضَيهِ
وَمِن عَجَبٍ هُوَ الجِسرُ المُعَلّى
عَلى البُسفورِ يَجمَعُ شاطِئَيهِ
يُفيدُ حُكومَةَ السُلطانِ مالاً
وَيُعطيها الغِنى مِن مَعدِنَيهِ
يَجودُ العالَمونَ عَلَيهِ هَذا
بِعَشرَتِهِ وَذاكَ بِعَشرَتَيهِ
وَغايَةُ أَمرِهِ أَنّا سَمِعنا
لِسانَ الحالِ يُنشِدُنا لَدَيهِ
أَلَيسَ مِنَ العَجائِبِ أَنَّ مِثلي
يَرى ما قَلَّ مُمتَنِعاً عَلَيهِ
وَتُؤخَذُ بِاِسمِهِ الدُنيا جَميعاً
وَما مِن ذاكَ شَيءٌ في يَدَيهِ

يا قلب أحمد

يا قلب أحمد هل سباك
رِيم بسهميه رماك
فخفقت حتى لاقرا
ر وذُبت حتى لا حراك
أنا لا أقول جَنَت يدا
ى ولا أقول جنت يداك
ما لي ولا لك بالقضا
ء يدان فيما قد دهاك
عادتك عادية الهوى
الله حسبك في هواك
ماذا لقيتَ من الغرا
م ومن بشدّته ابتلاك
وإذا القلوب تهالكت
دنت الجسوم من الهلاك
يا قلب قد ذهب الصبا
عني ولم يذهب صباك
أبدا أراك رضى الملا
ح كما عهدتهمو رضاك
حلو الشمائل في الهوى
تُسبى فتَسبىمن سَباك
لو همت في بدر السما
ء لما أوى إلا سماك
غصن الأراك وكم أقو
ل مغالطا غصن الأراك
مِل كيف شئت مع الريا
ح ففي طباع الغصن ذاك
فكري جهاتك أضلعي
واديك أحشائي رباك
يا مالكي بجميله
وجماله روحي فداك
لولا نوى ابن محمد
ما راعني إلا جفاك
الله حاطك في مسير
ك ثم حاطك في سراك
مصر وساكن مصر بالـ
ـصبر المودع ودّعاك
الخير في بحر حويـ
ـت وليس في بحر حواك

قرد رأى الفيل على الطريق

قِردٌ رَأى الفيلَ عَلى الطَريقِ
مُهَروِلاً خَوفاً مِنَ التَعويقِ
وَكانَ ذاكَ القِردُ نِصفَ أَعمى
يُريدُ يُحصي كُلَّ شَيءٍ عِلما
فَقالَ أَهلاً بِأَبي الأَهوالِ
وَمَرحَباً بِمُخجِلِ الجِبالِ
تَفدي الرُؤوسُ رَأسَكَ العَظيما
فَقِف أُشاهِد حُسنَكَ الوَسيما
لِلَّهِ ما أَظرَفَ هَذا القَدّا
وَأَلطَفَ العَظمَ وَأَبهى الجِلدا
وَأَملَحَ الأُذنَ في الاِستِرسالِ
كَأَنَّها دائِرَةُ الغِربالِ
وَأَحسَنَ الخُرطومَ حينَ تاها
كَأَنَّهُ النَخلَةُ في صِباها
وَظَهرُكَ العالي هُوَ البِساطُ
لِلنَفسِ في رُكوبِهِ اِنبِساطُ
فَعَدَّها الفيلُ مِنَ السُعود
وَأَمَرَ الشاعِرَ بِالصُعود
فَجالَ في الظَهرِ بِلا تَوانِ
حَتّى إِذا لَم يَبقَ مِن مَكان
أَوفى عَلى الشَيءِ الَّذي لا يُذكَرُ
وَأَدخَلَ الأصبُعَ فيهِ يَخبُرُ
فَاِتَّهَمَ الفيلُ البَعوضَ وَاِضطَرَب
وَضَيَّقَ الثَقبَ وَصالَ بِالذَنَب
فَوَقَعَ الضَربُ عَلى السَليمَه
فَلَحِقَت بِأُختِها الكَريمَه
وَنَزَلَ البَصيرُ ذا اِكتِئابِ
يَشكو إِلى الفيلِ مِنَ المُصابِ
فَقالَ لا موجِبَ لِلنَدامَه
الحَمدُ لِلَّهِ عَلى السَلامَه
مَن كانَ في عَينَيهِ هَذا الداءُ
فَفي العَمى لِنَفسِهِ وَقاءُ