رزق الله أهل باريس خيرا

رَزَقَ اللَهُ أَهلَ باريسَ خَيراً
وَأَرى العَقلَ خَيرَ ما رُزِقوهُ
عِندَهُم لِلثِمارِ وَالزَهرِ مِمّا
تُنجِبُ الأَرضُ مَعرِضٌ نَسَقوهُ
جَنَّةٌ تَخلِبُ العُقولَ وَرَوضٌ
تَجمَعُ العَينُ مِنهُ ما فَرَقوهُ
مَن رَآهُ يَقولُ قَد حُرِموا الفِر
دَوسَ لَكِن بِسِحرِهِم سَرَقوهُ
ما تَرى الكَرمَ قَد تَشاكَلَ حَتّى
لَو رَآهُ السُقاةُ ما حَقَّقوهُ
يُسكِرُ الناظِرينَ كَرماً وَلَمّا
تَعتَصِرهُ يَدٌ وَلا عَتَّقوهُ
صَوَّروهُ كَما يَشاؤونَ حَتّى
عَجِبَ الناسُ كَيفَ لَم يُنطِقوهُ
يَجِدُ المُتَّقي يَدَ اللَهِ فيهِ
وَيَقولُ الجَحودُ قَد خَلَقوهُ

كأني بالحمام أصاب ركنى

كأني بالحمام أصاب ركنى
فمال وأى ركن لا يميل
وأدركني ونجم صباى عال
فخَّر النجم وازدوج الأفوال
فلا يغرركما ولدىَّ بعدى
زُها الدنيا ومنظرها الجميل

ضمي قناعك يا سعاد أو ارفعي

ضُمّي قِناعَكِ يا سُعادُ أَو اِرفَعي
هَذي المَحاسِنُ ما خُلِقنَ لِبُرقُعِ
اَلضاحِياتُ الضاحِكاتُ وَدونَها
سِترُ الجَلالِ وَبُعدُ شَأوِ المَطلَعِ
يا دُميَةً لا يُستَزادُ جَمالُها
زيديهِ حُسنَ المُحسِنِ المُتَبَرِّعِ
ماذا عَلى سُلطانِهِ مِن وَقفَةٍ
لِلضارِعينَ وَعَطفَةٍ لِلخُشَّعِ
بَل ما يَضُرُّكِ لَو سَمَحتِ بِجَلوَةٍ
إِنَّ العَروسَ كَثيرَةُ المُتَطَلِّعِ
لَيسَ الحِجابُ لِمَن يَعِزُّ مَنالُهُ
إِنَّ الحِجابَ لَهَيِّنٌ لَم يُمنَعِ
أَنتِ الَّتي اِتَّخَذَ الجَمالَ لِعِزِّهِ
مِن مَظهَرٍ وَلِسِرِّهِ مِن مَوضِعِ
وَهوَ الصَناعُ يَصوغُ كُلَّ دَقيقَةٍ
وَأَدَقَّ مِنكَ بَنانُهُ لَم تَصنَعِ
لَمَسَتكِ راحَتُهُ وَمَسَّكِ روحُهُ
فَأَتى البَديعُ عَلى مِثالِ المُبدِعِ
اللَهَ في الأَحبارِ مِن مُتَهالِكٍ
نِضوٍ وَمَهتوكِ المُسوحِ مُصَرَّعِ
مِن كُلِّ غاوٍ في طَوِيَّةِ راشِدٍ
عاصي الظَواهِرِ في سَريرَةِ طَيِّعِ
يَتَوَهَّجونَ وَيَطفَأونَ كَأَنَّهُم
سُرُجٌ بِمُعتَرَكِ الرِياحِ الأَربَعِ
عَلِموا فَضاقَ بِهِم وَشَقَّ طَريقُهُم
وَالجاهِلونَ عَلى الطَريقِ المَهيَعِ
ذَهَبَ اِبنُ سينا لَم يَفُز بِكِ ساعَةً
وَتَوَلَّتِ الحُكَماءُ لَم تَتَمَتَّعِ
هَذا مَقامٌ كُلُّ عِزٍّ دونَهُ
شَمسُ النَهارِ بِمِثلِهِ لَم تَطمَعِ
فَمُحَمَّدٌ لَكِ وَالمَسيحُ تَرَجَّلا
وَتَرَجَّلَت شَمسُ النَهارِ لِيوشَعِ
ما بالُ أَحمَدَ عَيَّ عَنكِ بَيانُهُ
بَل ما لِعيسى لَم يَقُل أَو يَدَّعِ
وَلِسانُ موسى اِنحَلَّ إِلّا عُقدَةً
مِن جانِبَيكَ عِلاجُها لَم يَنجَعِ
لَمّا حَلَلتِ بِآدَمٍ حَلَّ الحِبا
وَمَشى عَلى المَلَأ السُجودِ الرُكَّعِ
وَأَرى النُبُوَّةَ في ذَراكِ تَكَرَّمَت
في يوسُفٍ وَتَكَلَّمَت في المُرضَعِ
وَسَقَت قُريشَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ
بِالبابِلِيِّ مِنَ البَيانِ المُمتِعِ
وَمَشَت بِموسى في الظَلامِ مُشَرَّداً
وَحَدَتهُ في قُلَلِ الجِبالِ اللُمَّعِ
حَتّى إِذا طُوِيَت وَرِثتِ خِلالَها
رُفِعَ الرَحيقُ وَسِرُّهُ لَم يُرفَعِ
قَسَمَت مَنازِلَكِ الحُظوظُ فَمَنزِلاً
أُترَعنَ مِنكِ وَمَنزِلاً لَم تُترَعِ
وَخَلِيَّةً بِالنَحلِ مِنكِ عَميرَةً
وَخَلِيَّةً مَعمورَةٍ بِالتُبَّعِ
وَحَظيرَةً قَد أودِعَت غُرَرَ الدُمى
وَحَظيرَةً مَحرومَةً لَم تودَعِ
نَظَرَ الرَئيسُ إِلى كَمالِكِ نَظرَةً
لَم تَخلُ مِن بَصَرِ اللَبيبِ الأَروَعِ
فَرآهُ مَنزِلَةً تَعَرَّضَ دونَها
قِصَرُ الحَياةِ وَحالَ وَشكُ المَصرَعِ
لَولا كَمالُكِ في الرَئيسِ وَمِثلِهِ
لَم تَحسُنِ الدُنيا وَلَم تَتَرَعرَعِ
اللَهُ ثَبَّتَ أَرضَهُ بِدَعائِمٍ
هُم حائِطُ الدُنيا وَرُكنُ المَجمَعِ
لَو أَنَّ كُلَّ أَخي يَراعٍ بالِغٌ
شَأوَ الرَئيسِ وَكُلَّ صاحِبِ مِبضَعِ
ذَهَبَ الكَمالُ سُدىً وَضاعَ مَحَلُّهُ
في العالَمِ المُتَفاوِتِ المُتَنَوِّعِ
يا نَفسُ مِثلُ الشَمسِ أَنتِ أَشِعَّةٌ
في عامِرٍ وَأَشِعَّةٌ في بَلقَعِ
فَإِذا طَوى اللَهُ النَهارَ تَراجَعَت
شَتّى الأَشِعَّةِ فَاِلتَقَت في المَرجِعِ
لَما نُعيتِ إِلى المَنازِلِ غودِرَت
دَكّاً وَمِثلُكِ في المَنازِلِ ما نُعي
ضَجَّت عَلَيكِ مَعالِماً وَمَعاهِداً
وَبَكَت فُراقُكِ بِالدُموعِ الهُمَّعِ
آذَنتِها بِنَوىً فَقالَت لَيتَ لَم
تَصِلِ الحِبالَ وَلَيتَها لَم تَقطَعِ
وَرِداءُ جُثمانٍ لَبِستِ مُرَقَّمٍ
بِيَدِ الشَبابِ عَلى المَشيبِ مُرَقَّعِ
كَم بِنتِ فيهِ وَكَم خَفيتِ كَأَنَّهُ
ثَوبُ المُمَثِّلِ أَو لِباسُ المَرفَعِ
أَسَئِمتِ مِن ديباجِهِ فَنَزَعتِهِ
وَالخَزُّ أَكفانٌ إِذا لَم يُنزَعِ
فَزِعَت وَما خَفِيَت عَلَيها غايَةٌ
لَكِنَّ مَن يَرِدِ القِيامَةَ يَفزَعِ
ضَرَعَت بِأَدمُعِها إِلَيكِ وَما دَرَت
أَنَّ السَفينَةَ أَقلَعَت في الأَدمُعِ
أَنتِ الوَفِيَّةُ لا الذِمامُ لَدَيكِ مَذ
مومٌ وَلا عَهدُ الهَوى بِمُضَيَّعِ
أَزمَعتِ فَاِنهَلَّت دُموعُكِ رِقَّةً
وَلَوِ اِستَطَعتِ إِقامَةً لَم تُزمِعي
بانَ الأَحِبَّةُ يَومَ بَينِكِ كُلُّهُم
وَذَهَبتِ بِالماضي وَبِالمُتَوَقَّعِ

وزهرتين على عود يقِلهما

وزهرتين على عود يُقِلهما
كعاشقين أطمأنا باللقا الهاني
لما رأيتهما في راحتي ذوتا
من فوق واه من الأعواد خوان
أيقنت أن منى العشاق ما جُمعت
إلا إلى مثل خيط العنكب الفاني

علي لو استشرت أباك قبلاً

عَلِيُّ لَوِ اِستَشَرتَ أَباكَ قَبلاً
فَإِنَّ الخَيرَ حَظُّ المُستَشيرِ
إِذاً لَعَلِمتَ أَنّا في غِناءٍ
وَإِن نَكُ مِن لِقائِكَ في سُرورِ
وَما ضِقنا بِمَقدَمِكَ المُفَدّى
وَلَكِن جِئتَ في الزَمَنِ الأَخيرِ

وصاحب عود به عازف

وصاحب عود به عازف
يحركه عن هزار غرد
أنامله تلتقى في الفؤاد
وريشته تنبرى للكبد

قد كنت أوثر أن تقول رثائي

قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحياءِ
لَكِن سَبَقتَ وَكُلُّ طولِ سَلامَةٍ
قَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّةٍ بِقَضاءِ
الحَقُّ نادى فَاِستَجَبتَ وَلَم تَزَل
بِالحَقِّ تَحفِلُ عِندَ كُلِّ نِداءِ
وَأَتَيتَ صَحراءَ الإِمامِ تَذوبُ مِن
طولِ الحَنينِ لِساكِنِ الصَحراءِ
فَلَقيتُ في الدارِ الإِمامَ مُحَمَّداً
في زُمرَةِ الأَبرارِ وَالحُنَفاءِ
أَثَرُ النَعيمِ عَلى كَريمِ جَبينِهِ
وَمَراشِدُ التَفسيرِ وَالإِفتاءِ
فَشَكَوتُما الشَوقَ القَديمَ وَذُقتُما
طيبَ التَداني بَعدَ طولِ تَنائي
إِن كانَتِ الأُلى مَنازِلَ فِرقَةٍ
فَالسَمحَةُ الأُخرى دِيارُ لِقاءِ
وَدِدتُ لَو أَنّي فِداكَ مِنَ الرَدى
وَالكاذِبونَ المُرجِفونَ فِدائي
الناطِقونَ عَنِ الضَغينَةِ وَالهَوى
الموغِرو المَوتى عَلى الأَحياءِ
مِن كُلِّ هَدّامٍ وَيَبني مَجدَهُ
بِكَرائِمِ الأَنقاضِ وَالأُشَلاءِ
ما حَطَّموكَ وَإِنَّما بِكَ حُطِّموا
مَن ذا يُحَطِّمُ رَفرَفَ الجَوزاءِ
أُنظُرُهُ فَأَنتَ كَأَمسِ شَأنُكَ باذِخٌ
في الشَرقِ وَاِسمُكَ أَرفَعُ الأَسماءِ
بِالأَمسِ قَد حَلَّيتَني بِقَصيدَةٍ
غَرّاءَ تَحفَظُ كَاليَدِ البَيضاءِ
غيظَ الحَسودُ لَها وَقُمتُ بِشُكرِها
وَكَما عَلِمتَ مَوَدَّتي وَوَفائي
في مَحفَلٍ بَشَّرتُ آمالي بِهِ
لَمّا رَفَعتَ إِلى السَماءِ لِوائي
يا مانِحَ السودانِ شَرخَ شَبابِهِ
وَوَلِيَّهُ في السِلمِ وَالهَيجاءِ
لَمّا نَزَلتَ عَلى خَمائِلِهِ ثَوى
نَبعُ البَيانِ وَراءَ نَبعِ الماءِ
قَلَّدتَهُ السَيفَ الحُسامَ وَزُدتَهُ
قَلَماً كَصَدرِ الصَعدَةِ السَمراءِ
قَلَمٌ جَرى الحِقَبَ الطِوالَ فَما جَرى
يَوماً بِفاحِشَةٍ وَلا بِهِجاءِ
يَكسو بِمِدحَتِهِ الكِرامَ جَلالَةً
وَيُشَيِّعُ المَوتى بِحُسنِ ثَناءِ
إِسكَندَرِيَّةُ يا عَروسَ الماءِ
وَخَميلَةَ الحُكَماءِ وَالشُعَراءِ
نَشَأَت بِشاطِئِكَ الفُنونُ جَميلَةً
وَتَرَعرَعَت بِسَمائِكِ الزَهراءِ
جاءَتكِ كَالطَيرِ الكَريمِ غَرائِباً
فَجَمَعتِها كَالرَبوَةِ الغَنّاءِ
قَد جَمَّلوكِ فَصِرتِ زَنبَقَةَ الثَرى
لِلوافِدينَ وَدُرَّةَ الدَأماءِ
غَرَسوا رُباكِ عَلى خَمائِلِ بابِلٍ
وَبَنَوا قُصورَكِ في سَنا الحَمراءِ
وَاِستَحدَثوا طُرقاً مُنَوَّرَةَ الهُدى
كَسَبيلِ عيسى في فِجاجِ الماءِ
فَخُذي كَأَمسِ مِنَ الثَقافَةِ زينَةً
وَتَجَمَّلي بِشَبابِكِ النُجَباءِ
وَتَقَلَّدي لُغَةَ الكِتابِ فَإِنَّها
حَجَرُ البِناءِ وَعُدَّةُ الإِنشاءِ
بَنَتِ الحَضارَةَ مَرَّتَينِ وَمَهَّدَت
لِلمُلكِ في بَغدادَ وَالفَيحاءِ
وَسَمَت بِقُرطُبَةَ وَمِصرَ فَحَلَّتا
بَينَ المَمالِكِ ذِروَةَ العَلياءِ
ماذا حَشَدتِ مِنَ الدُموع لِحافِظٍ
وَذَخَرتِ مِن حُزنٍ لَهُ وَبُكاءِ
وَوَجدتِ مِن وَقعِ البَلاءِ بِفَقدِهِ
إِنَّ البَلاءَ مَصارِعُ العُظَماءِ
اللَهُ يَشهَدُ قَد وَفيتِ سَخِيَّةً
بِالدَمعِ غَيرَ بَخيلَةِ الخُطَباءِ
وَأَخَذتِ قِسطاً مِن مَناحَةِ ماجِدٍ
جَمِّ المَآثِرِ طَيِّبِ الأَنباءِ
هَتَفَ الرُواةُ الحاضِرونَ بِشِعرِهِ
وَحَذا بِهِ البادونَ في البَيداءِ
لُبنانُ يَبكيهِ وَتَبكي الضادُ مِن
حَلَبٍ إِلى الفَيحاءِ إِلى صَنعاءِ
عَرَبُ الوَفاءِ وَفَوا بِذِمَّةِ شاعِرٍ
باني الصُفوفِ مُؤَلَّفِ الأَجزاءِ
يا حافِظَ الفُصحى وَحارِسَ مَجدِها
وَإِمامَ مَن نَجَلَت مِنَ البُلَغاءِ
ما زِلتَ تَهتِفُ بِالقَديمِ وَفَضلِهِ
حَتّى حَمَيتَ أَمانَةَ القُدَماءِ
جَدَّدتَ أُسلوبَ الوَليدِ وَلَفظِهِ
وَأَتَيتَ لِلدُنيا بِسِحرِ الطاءِ
وَجَرَيتَ في طَلَبِ الجَديدِ إِلى المَدى
حَتّى اِقتَرَنتَ بِصاحِبِ البُؤَساءِ
ماذا وَراءَ المَوتِ مِن سَلوى وَمِن
دَعَةٍ وَمِن كَرَمٍ وَمِن إِغضاءِ
اِشرَح حَقائِقَ ما رَأَيتَ وَلَم تَزَل
أَهلاً لِشَرحِ حَقائِقِ الأَشياءِ
رُتَبُ الشَجاعَةِ في الرِجالِ جَلائِلٌ
وَأَجَلُّهُنَّ شَجاعَةُ الآراءِ
كَم ضِقتَ ذَرعاً بِالحَياةِ وَكَيدِها
وَهَتفتَ بِالشَكوى مِنَ الضَرّاءِ
فَهَلُمَّ فارِق يَأسَ نَفسِكَ ساعَةً
وَاِطلُع عَلى الوادي شُعاعَ رَجاءِ
وَأَشِر إِلى الدُنيا بِوَجهٍ ضاحِكٍ
خُلِقَت أَسِرَّتُهُ مِنَ السَرّاءِ
يا طالَما مَلَأَ النَدِيَّ بَشاشَةً
وَهَدى إِلَيكَ حَوائِجَ الفُقَراءِ
اليَومَ هادَنتَ الحَوادِثَ فَاِطَّرِح
عِبءَ السِنينِ وَأَلقِ عِبءَ الداءِ
خَلَّفتَ في الدُنيا بَياناً خالِداً
وَتَرَكتَ أَجيالاً مِنَ الأَبناءِ
وَغَداً سَيَذكُرُكَ الزَمانُ وَلَم يَزَل
لِلدَهرِ إِنصافٌ وَحُسنُ جَزاءِ

تجلد للرحيل فما استطاعا

تَجَلَّدَ لِلرَحيلِ فَما اِستَطاعا
وَداعاً جَنَّةَ الدُنيا وَداعا
عَسى الأَيّامُ تَجمَعُني فَإِنّي
أَرى العَيشَ اِفتِراقاً وَاِجتِماعا
أَلا لَيتَ البِلادَ لَها قُلوبُ
كَما لِلناسِ تَنفَطِرُ اِلتِياعا
وَلَيتَ لَدى فُروقٍ بَعضَ بَثّي
وَما فَعَلَ الفُراقُ غَداةَ راعا
أَما وَاللَهِ لَو عَلِمَت مَكاني
لَأَنطَقَتِ المَآذِنَ وَالقِلاعا
حَوَت رِقَّ القَواضِبِ وَالعَوالي
فَلَمّا ضُفتُها حَوَتِ اليَراعا
سَأَلتُ القَلبَ عَن تِلكَ اللَيالي
أَكُنُّ لَيالِياً أَم كُنَّ ساعا
فَقالَ القَلبُ بَل مَرَّت عِجالاً
كَدَقّاتي لِذِكراها سِراعا
أَدارَ مُحَمَّدٍ وَتُراثُ عيسى
لَقَد رَضِياكِ بينَهُما مَشاعا
فَهَل نَبَذَ التَعصُّبُ فيكِ قَومٌ
يَمُدُّ الجَهلُ بَينَهُمُ النِزاعا
أَرى الرَحمَنَ حَصَّنَ مَسجِدَيهِ
بِأَطوَلِ حائِطٍ مِنكِ اِمتِناعا
فَكُنتِ لِبَيتِهِ المَحجوجِ رُكناً
وَكُنتِ لِبَيتِهِ الأَقصى سِطاعا
هَواؤُكِ وَالعُيونُ مُفَجَّراتٌ
كَفى بِهِما مِنَ الدُنيا مَتاعا
وَشَمسُكِ كُلَّما طَلَعَت بِأُفقٍ
تَخَطَّرَتِ الحَياةُ بِهِ شُعاعا
وَغيدُكِ هُنَّ فَوقَ الأَرضِ حورٌ
أَوانِسُ لا نِقابَ وَلا قِناعا
حَوالى لُجَّةٍ مِن لازَوَردٍ
تَعالى اللَهُ خَلقاً وَاِبتِداعا
يَروحُ لُجَينُها الجاري وَيَغدو
عَلى الفِردَوسِ آكاماً وَقاعا

جئننا بالشعور والحداق

جئننا بالشعور والحداق
وقسمن الحظوظ في العشاق
حبذا القِسم في المحبين قِسمى
لو يلاقون في الهوى ما الاقى
حيلتي في الهوى وما اتمنى
حيلة الأذكياء في الأرزاق
لو يجازي المحب عن فرط شوق
لجزيت الكثير عن أشواقي
وفتاة ما زادها في غريب ال
حسن إلا غرائب الأخلاق
ذقت منها حلوا ومرا وكانت
لذة العشق في اختلاف المذاق
ضربت موعدا لما التقينا
جانبتني تقول فيم التلاقى
قلت ما هكذا المواثيق قالت
ليس للغانيات من ميثاق
عطفتها نحافتي وشجاها
شافع بادر من الآماق

براغيث محجوب لم أنسها

بَراغيثُ مَحجوبٍ لَم أَنسَها
وَلَم أَنسَ ما طَعِمَت مِن دَمي
تَشُقُّ خَراطيمُها جَورَبي
وَتَنفُذُ في اللَحمِ وَالأَعظُمِ
وَكُنتُ إِذا الصَيفُ راحَ اِحتَجَمـ
ـتُ فَجاءَ الخَريفُ فَلَم أحجَمِ
تُرَحِّبُ بِالضَيفِ فَوقَ الطَريـ
ـقِ فَبابِ العِيادَةِ فَالسُلَّمِ
قَدِ اِنتَشَرَت جَوقَةً جَوقَةً
كَما رُشَّتِ الأَرضُ بِالسِمسِمِ
وَتَرقُصُ رَقصَ المَواسي الحِدادِ
عَلى الجِلدِ وَالعَلَقِ الأَسحَمِ
بَواكيرُ تَطلعُ قَبلَ الشِتاءِ
وَتَرفَعُ أَلوِيَةِ المَوسِمِ
إِذا ما اِبنُ سينا رَمى بَلغَماً
رَأَيتَ البَراغيثَ في البَلغَمِ
وَتُبصِرُها حَولَ بيبا الرَئيس
وَفي شارِبَيهِ وَحَولَ الفَمِ
وَبَينَ حَفائِرِ أَسنانِهِ
مَعَ السوسِ في طَلَبِ المَطعَمِ