تولستوي تجري آية العلم دمعها

تولُستويُ تُجري آيَةُ العِلمِ دَمعَها
عَلَيكَ وَيَبكي بائِسٌ وَفَقيرُ
وَشَعبٌ ضَعيفُ الرُكنِ زالَ نَصيرُهُ
وَما كُلُّ يَومٍ لِلضَعيفِ نَصيرُ
وَيَندُبُ فَلّاحونَ أَنتَ مَنارُهُم
وَأَنتَ سِراجٌ غَيَّبوهُ مُنيرُ
يُعانونَ في الأَكواخِ ظُلماً وَظُلمَةً
وَلا يَملُكونَ البَثَّ وَهوَ يَسيرُ
تَطوفُ كَعيسى بِالحَنانِ وَبِالرِضى
عَلَيهِم وَتَغشى دورَهُم وَتَزورُ
وَيَأسى عَلَيكَ الدينُ إِذ لَكَ لُبُّهُ
وَلِلخادِمينَ الناقِمينَ قُشورُ
أَيَكفُرُ بِالإِنجيلِ مَن تِلكَ كُتبُهُ
أَناجيلُ مِنها مُنذِرٌ وَبَشيرُ
وَيَبكيكَ إِلفٌ فَوقَ لَيلى نَدامَةً
غَداةَ مَشى بِالعامِرِيِّ سَريرُ
تَناوَلَ ناعيكَ البِلادَ كَأَنَّهُ
يَراعٌ لَهُ في راحَتَيكَ صَريرُ
وَقيلَ تَوَلّى الشَيخُ في الأَرضِ هائِماً
وَقيلَ بِدَيرِ الراهِباتِ أَسيرُ
وَقيلَ قَضى لَم يُغنِ عَنهُ طَبيبُهُ
وَلِلطِبِّ مَن بَطشِ القَضاءِ عَذيرُ
إِذ أَنتَ جاوَرتَ المَعَرِّيَّ في الثَرى
وَجاوَرِ رَضوى في التُرابِ ثَبيرُ
وَأَقبَلَ جَمعُ الخالِدينَ عَلَيكُما
وَغالى بِمِقدارِ النَظيرِ نَظيرُ
جَماجِمُ تَحتَ الأَرضِ عَطَّرَها شَذىً
جَناهُنَّ مِسكٌ فَوقَها وَعَبيرُ
بِهِنَّ يُباهي بَطنُ حَوّاءَ وَاِحتَوى
عَلَيهُنَّ بَطنُ الأَرضِ وَهوَ فَخورُ
فَقُل يا حَكيمَ الدَهرِ حَدِّث عَنِ البِلى
فَأَنتَ عَليمٌ بِالأُمورِ خَبيرُ
أَحَطتَ مِنَ المَوتى قَديماً وَحادِثاً
بِما لَم يُحَصِّل مُنكِرٌ وَنَكيرُ
طَوانا الَّذي يَطوي السَمَواتِ في غَدٍ
وَيَنشُرُ بَعدَ الطَيِّ وَهوَ قَديرُ
تَقادَمَ عَهدانا عَلى المَوتِ وَاِستَوى
طَويلُ زَمانٍ في البِلى وَقَصيرُ
كَأَن لَم تَضِق بِالأَمسِ عِنّى كَنيسَةٌ
وَلَم يُؤوِني دَيرٌ هُناكَ طَهورُ
أَرى راحَةً بَينَ الجَنادِلِ وَالحَصى
وَكُلُّ فِراشٍ قَد أَراحَ وَثيرُ
نَظَرنا بِنورِ المَوتِ كُلَّ حَقيقَةٍ
وَكُنّا كِلانا في الحَياةِ ضَريرُ
إِلَيكَ اِعتِرافي لا لِقَسٍَّ وَكاهِنٍ
وَنَجوايَ بَعدَ اللَهِ وَهوَ غَفورُ
فَزُهدُكَ لَم يُنكِرهُ في الأَرضِ عارِفٌ
وَلا مُتَعالٍ في السَماءِ كَبيرُ
بَيانٌ يُشَمُّ الوَحيُ مِن نَفَحاتِهِ
وَعِلمٌ كَعِلمِ الأَنبِياءِ غَزيرُ
سَلَكتُ سَبيلَ المُترَفينَ وَلَذَّ لي
بَنونَ وَمالٌ وَالحَياةُ غُرورُ
أَداةُ شِتائي الدِفءُ في ظِلِّ شاهِقٍ
وَعُدَّةُ صَيفي جَنَّةٌ وَغَديرُ
وَمُتِّعتُ بِالدُنيا ثَمانينَ حِجَّةً
وَنَضَّرَ أَيّامي غِنىً وَحُبورُ
وَذِكرٌ كَضَوءِ الشَمسِ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَلا حَظَّ مِثلُ الشَمسِ حينَ تَسيرُ
فَما راعَني إِلّا عَذارى أَجَرنَني
وَرُبَّ ضَعيفٍ تَحتَمي فَيُجيرُ
أَرَدتُ جِوارَ اللَهِ وَالعُمرُ مُنقَضٍ
وَجاوَرتُهُ في العُمرِ وَهوَ نَضيرُ
صِباً وَنَعيمٌ بَينَ أَهلٍ وَمَوطِنٍ
وَلَذّاتُ دُنيا كُلُّ ذاكَ نَزورُ
بِهِنَّ وَما يَدرينَ ما الذَنبُ خَشيَةٌ
وَمِن عَجَبٍ تَخشى الخَطيئَةَ حورُ
أَوانِسُ في داجٍ مِنَ اللَيلِ موحِشٍ
وَلِلَّهِ أُنسٌ في القُلوبِ وَنورُ
وَأَشبَهُ طُهرٍ في النِساءِ بِمَريَمٍ
فَتاةٌ عَلى نَهجِ المَسيحِ تَسيرُ
تُسائِلُني هَل غَيَّرَ الناسُ ما بِهِم
وَهَل حَدَثَت غَيرَ الأُمورِ أُمورُ
وَهَل آثَرَ الإِحسانَ وَالرِفقَ عالَمٌ
دَواعي الأَذى وَالشَرِّ فيهِ كَثيرُ
وَهَل سَلَكوا سُبلَ المَحَبَّةِ بَينَهُم
كَما يَتَصافى أُسرَةٌ وَعَشيرُ
وَهَل آنَ مِن أَهلِ الكِتابِ تَسامُحٌ
خَليقٌ بِآدابِ الكِتابِ جَديرُ
وَهَل عالَجَ الأَحياءُ بُؤساً وَشِقوَةً
وَقَلَّ فَسادٌ بَينَهُم وَشُرورُ
قُمِ اِنظُر وَأَنتَ المالِئُ الأَرضَ حِكمَةً
أَأَجدى نَظيمٌ أَم أَفادَ نَثيرُ
أُناسٌ كَما تَدري وَدُنيا بِحالِها
وَدَهرٌ رَخِيٌّ تارَةً وَعَسيرُ
وَأَحوالُ خَلقٍ غابِرٍ مُتَجَدِّدٍ
تَشابَهَ فيها أَوَّلٌ وَأَخيرُ
تَمُرُّ تِباعاً في الحَياةِ كَأَنَّها
مَلاعِبُ لا تُرخى لَهُنَّ سُتورُ
وَحِرصٌ عَلى الدُنيا وَمَيلٌ مَعَ الهَوى
وَغِشٌّ وَإِفكٌ في الحَياةِ وَزورُ
وَقامَ مَقامَ الفَردِ في كُلِّ أُمَّةٍ
عَلى الحُكمِ جَمٌّ يَستَبِدُّ غَفيرُ
وَحُوِّرَ قَولُ الناسِ مَولىً وَعَبدُهُ
إِلى قَولِهِم مُستَأجِرٌ وَأَجيرُ
وَأَضحى نُفوذُ المالِ لا أَمرَ في الوَرى
وَلا نَهيَ إِلّا ما يَرى وَيُشيرُ
تُساسُ حُكوماتٌ بِهِ وَمَمالِكٌ
وَيُذعِنُ أَقيالٌ لَهُ وَصُدورُ
وَعَصرٌ بَنوهُ في السِلاحِ وَحِرصُهُ
عَلى السِلمِ يُجري ذِكرَهُ وَيُديرُ
وَمِن عَجَبٍ في ظِلِّها وَهوَ وارِفٌ
يُصادِفُ شَعباً آمِناً فَيُغيرُ
وَيَأخُذُ مِن قوتِ الفَقيرِ وَكَسبِهِ
وَيُؤوي جُيوشاً كَالحَصى وَيَميرُ
وَلَمّا اِستَقَلَّ البَرَّ وَالبَحرَ مَذهَباً
تَعَلَّقَ أَسبابَ السَماءِ يَطيرُ

لنا صاحب قد مس إلا بقية

لَنا صاحِبٌ قَد مُسَّ إِلّا بَقِيَّةٌ
فَلَيسَ بِمَجنونٍ وَلَيسَ بِعاقِلِ
لَهُ قَدَمٌ لا تَستَقِرُّ بِمَوضِعٍ
كَما يَتَنَزّى في الحَصى غَيرُ ناعِلِ
إِذا ما بَدا في مَجلِسٍ ظُنَّ حافِلاً
مِنَ الصَخَبِ العالي وَلَيسَ بِحافِلِ
وَيُمطِرُنا مِن لَفظِهِ كُلَّ جامِدٍ
وَيُمطِرُنا مِن رَيلِهِ شَرَّ سائِلِ
وَيُلقي عَلى السُمّارِ كَفّاً دِعابُها
كَعَضَّةِ بَردٍ في نَواحي المَفاصِلِ

أعقاب في عنان الجو لاح

أَعُقابٌ في عَنانِ الجَوِّ لاح
أَم سَحابٌ فَرَّ مِن هَوجِ الرِياح
أَم بِساطُ الريحِ رَدَّتهُ النَوى
بَعدَ ما طَوَّفَ في الدَهرِ وَساح
أَو كَأَنَّ البُرجَ أَلقى حوتَهُ
فَتَرامى في السَماواتِ الفِساح
أَقبَلَت مِن بُعُدٍ تَحسَبُها
نَحلَةً عَنَّت وَطَنَّت في الرِياح
يا سِلاحَ العَصرِ بُشِّرنا بِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِكَمِيٍّ وَسِلاح
إِنَّ عِزّاً لَم يُظَلَّل في غَدٍ
بِجَناحَيكَ ذَليلٌ مُستَباح
فَتَكاثَر وَتَأَلَّف فَيلَقاً
تَعصِمُ السِلمَ وَتَعلو لِلكِفاح
مِصرُ لِلطَيرِ جَميعاً مَسرَحٌ
ما لَنا فيهِ ذُنابى أَو جَناح
رُبَّ سِربٍ قاطِعٍ مَرَّ بِهِ
هَبَطَ الأَرضَ مَلِيّاً وَاِستَراح
لِمَ لا يُفتَنُ فِتيانَ الحِمى
ذَلِكَ الإِقدامُ أَو ذاكَ الطِماح
مِن فَتىً حَلَّ مِنَ الجَوِّ بِهِم
فَتَلَقّوهُ عَلى هامٍ وَراح
إِنَّهُ أَوَّلُ عُصفورٍ لَهُم
هَزَّ في الجَوِّ جَناحَيهِ وَصاح
دَبَّت الهِمَّةُ فيهِ وَمَشَت
عَزَماتٌ مِنكَ يا حَربُ صِحاح
ناطَحَ النَجمَ فَتىً عَلَّمتُهُ
في حَياةٍ حُرَّةٍ كَيفَ النِطاح
لَكَ في الأَجيالِ تِمثالٌ مَشى
وَجَدوا الرُشدَ عَلَيهِ وَالصَلاح
جاوَزَ النيلَ وَعَبرَيهِ إِلى
أَكَمِ الشامِ وَهاتيكَ البِطاح
فارِسَ الجَوِّ سَلامٌ في الذُرى
وَعَلى الماءِ وَمِن كُلِّ النَواح
ثِب إِلىالنَجمِ وَزاحِم رُكنَهُ
وَاِمتَلِئ مِن خُيَلاءٍ وَمِراح
إِنَّ هَذا الفَتحَ لا عَهدَ بِهِ
لِضِفافِ النيلِ مِن عَهدِ فِتاح
تِلكَ أَبوابُ السَماءِ اِنفَتَحَت
ما وَراءَ البابِ يا طَيرَ النَجاح
أَسَماءُ النيلِ أَيضاً حَرَمٌ
مِن طَريقِ الهِندِ أَم جَوٌّ مُباح
عَينُ شَمسٍ مُلِأَت مِن مَوكِبٍ
كانَ لِلأَبطالِ أَحياناً يُتاح
رُبَّما جَلَّلَ وَجهَ الأَرضِ أَو
رُبَّما سَدَّ عَلى الشَمسِ السَراح
إِن يَفُتهُ الجَيشُ أَو رَوَّعتُهُ
لَم يَفُتهُ النَشَأُ الزُهرُ الصِباح
وَفِدى فائِزَةٍ سُمرُ القَنا
وَفِدى حارِسِها بيضُ الصِفاح
وَلَقَد أَبطَأَت حَتّى لَم يَنَم
لِلحِمى لَيلٌ وَلَم يَنعَم صَباح
فَاِبتَغي العُذرَ كِرامٌ وَاِنبَرَت
أَلسُنٌ في الثَلمِ وَالهَدمِ فِصاح
تَلتَوي الخَيلُ عَلى راكِبِها
كَيفَ بِالعاصِفِ في يَومِ الجِماح
لَيسَ مَن يَركَبُ سَرجاً لَيِّناً
مِثلَ مَن يَركَبُ أَعرافَ الرِياح
سِر رُوَيداً في فَضاءٍ سافِرٍ
ضاحِكِ الصَفحَةِ كَالفِردَوسِ صاح
طَرَفَت عَيناً بِهِ الشَمسُ فَلَو
خُيِّرَت لَم تَتَحَفَّز لِلرَواح
وَتَكادُ الطَيرُ مِن خِفَّتِهِ
تَتَعالى فيهِ مِن غَيرِ جَناح
قِف تَأَمَّل مِن عُلُوٍّ قُبَّةً
رُفِعَت لِلفَصلِ وَالرَأيِ الصُراح
نَزَلَ النُوّابُ فيها فِتيَةً
في جَناحٍ وَشُيوخاً في جَناح
حَمَلوا الحَقَّ وَقاموا دونَهُ
كَرَعيلِ الخَيلِ أَو صَفِّ الرِماح
يا أَبا الفاروقِ مَن تَرعى فَفي
كَنَفِ الفَضلِ وَفي ظِلِّ السِماح
أَنتَ مِن آباؤُكِ السُحبُ وَما
في بِناءِ السُحُبِ الأَيدي الشِحاح
يَدُكَ السَمحَةُ في الخَيرِ وَفي
هِمَّةِ الغَرسِ وَفي أُسوِ الجِراح
نَحنُ أَفلَحنا عَلى الأَرضِ بِكُم
وَرَجَونا في السَماواتِ الفَلاح

أعياد عزك للدنيا مجاليها

أعياد عزك للدنيا مجاليها
وللأحاديث عاليها وغاليها
وللبرية منها ما تسر به
وللرعية ما يرضى أمانيها
وللسعود غدوّ في صبائحها
وللميامن مسرى في لياليها
وللمالك حظ في مفاخرها
وللملوك نصيب من معانيها
لعز غليوم فيها من يمثله
وذات إدورد فيها من يحاكيها
ما للممالك لا يأتي أكابرها
لصاحب النيل أو يسعى أهاليها
أليس من جمَّل الدنيا أبوته
وقصّرت عن معاليهم مواليها
العصر يعلم والأحياء ما بلغت
بعصر أيام إسماعيل تنويها
ضافته بلقيس حين الدهر خادمها
في ملكها والليالى من جواريها
وجاءه المالكون الصِّيد في سفن
ألقت على الساحة الكبرى مراسيها
تُقل كل كبير الملك مقتدر
تعزّ آيته الدنيا وتعليها
منىً كبار وآمال محببة
خابت ولم يلق غير اللوم راجيا
والناس من تقعد الدنيا به قعدوا
سجية المرء في الدنيا يجاريها
بنيت فوق عريض اليم قنطرة
ما كان فرعون ذو الأوتاد يبنيها
شماء قاهرة فوق المياه فلا
تجرى وتذهب إلا ما توليها
طلعت والشمس في ابهى مواكبها
وموكب الملك ذو الأنوار يَزريها
كما تطلّع يوما في ركائبه
رمسيس تدفعه الأيدي وتزجيها
أجل ركبا من الأقمار كافلة
تبدو النجوم حواليها تساريها
لا تنثنى عن محياك القلوب هوى
إن عارض الذهب الأبصار يثنيها
وقفت والنيل خلف السد منتظر
إشارة من بنان الخير يمضيها
فأعملت يدك المفتاح فانفجرت
في مصر عشر عيون من اياديها
لما جريت لغايات الندى وجرى
عجبت كيف حوى البحرين واديها
تالله ما جرت الأرزاق يومئذ
إلا وكنت بإذن الله مجريها
مفاخر لك يختال الزمان بها
قام الخطيب وزير الرىّ يطريها
من لأبن جعفر إن يحصى عليك ثنا
وللبلاغة في علياك ما فيها
لو دام يهدى لك الأشعار حافلة
ما ضِقت جاها ولا ضاقت قوافيها
يا نيل مصر وفي الأيام موعظة
ماذا لقيت من الدنيا واهليها
ليت البرية ما داستك أرجلها
بعد المشيب ولا غلتك أيديها
قد ثقلوك بنيرٍ من جلامد لا
تعده الأرض إلا من رواسيها
وحملوك صخورا فوق ما حملت
منها أثافي دهور عز خاليها
أمسيت في مصر موثوقا إلى اجل
وكنت وحدك حرّا في نواحيها
قدّت لك الصخر اغلالا ومن عجب
الشر تجزيك حين الخير تجزيها
ضنا بمائك أن يسقى الصعيد به
ورب حرص على الأشياء يؤذيها
ومركَب من بخار قد جرى وجرت
من تحته الأرض تطويه ويطويها
كأن اشباحه والليل ياخذها
سرائر الأرض تبديها وتخفيها
كأنها وبياض الصبح نم بها
رسل النهار إلى الدنيا تهنيها
تمر أعجلَ في شرخ الشباب بنا
على مناظر كالفردوس ضاحيها
على الطبيعة تلهو في ملاعبها
من الوجود وتزهى في مغانيها
كغادة لمعاني الحسن جامعة
تقاسم الحسن عاريها وكاسيها
ولى الصبا ومضى جِد الدهور به
ولا تزال لعوبا في تصابيها
مثل الملاحة في الدنيا مداولة
تُفنى الحسان ولا حسناء تفنيها
يا ابن البخار تمهل في الصعيد بنا
تر البسيطة في مشهور ماضيها
وقِف نشاهد طلول الأقدمين به
تحير الدهر فيها كيف يبليها
هياكل كالجبال الشم سافلها
وفوق هام النجوم الزهر عاليها
إذا أتتها الليالي من قواعدها
تنالها بالبلى قامت اثافيها
يفنى الزمان ولا تبلى زخارفها
ولا يحول من الألوان زاهيها
إذا وقفت بأبواب الملوك ضحى
أيقنت أن قد بنى للخلد بانيها
رأيت فرعون موسى عند حفرته
لا يطلب اليوم من دنياه تأليها
بين الحياة وبين الموت من جزع
يخشى القيامة فيها أن يلاقيها
عجائب الطب لا لقمان يعرفها
في الغابرين ولا بستور يدريها
يا أمة بلغت في المجد غايته
وقصر الناس فيه عن مساعيها
قوموا الغداة انظروا هذى مآثركم
هل في مآثرهم شئ يضاهيها

النيل العذب هو الكوثر

النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر
وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر
رَيّانُ الصَفحَةِ وَالمَنظَر
ما أَبهى الخُلدَ وَما أَنضَر
البَحرُ الفَيّاضُ القُدسُ
الساقي الناسَ وَما غَرَسوا
وَهوَ المِنوالُ لِما لَبِسوا
وَالمُنعِمُ بِالقُطنِ الأَنوَر
جَعلَ الإِحسانَ لَهُ شَرعا
لَم يُخلِ الوادِيَ مِن مَرعى
فَتَرى زَرعاً يَتلو زَرعا
وَهُنا يُجنى وَهُنا يُبذَر
جارٍ وَيُرى لَيسَ بِجارِ
لِأَناةٍ فيهِ وَوَقار
يَنصَبُّ كَتَلٍ مُنهارِ
وَيَضِجُّ فَتَحسَبُهُ يَزأَر
حَبَشِيُّ اللَونِ كَجيرَتِهِ
مِن مَنبَعِهِ و بُحَيرَتِهِ
صَبَغَ الشَطَّينِ بِسُمرَتِهِ
لَوناً كَالمِسكِ وَكَالعَنبَر

أميدان الوفاق وكنت تدعى

أَمَيدانَ الوِفاقِ وَكُنتَ تُدعى
بِمَيدانِ العَداوَةِ وَالشِقاقِ
أَتَدري أَيُّ ذَنبٍ أَنتَ جانٍ
وَأَيُّ دَمٍ ذَهَبتَ بِهِ مُراقِ
هَوى فيكَ السَريرُ وَمَن عَلَيهِ
وَماتَ الثائِرونَ وَأَنتَ باقِ
أَصابوا وَاِستَراحَ لُويسُ مِنهُم
لِذا سُمّيتَ مَيدانَ الوِفاقِ

صغار بحلوان تستبشر

صِغارٌ بِحُلوانَ تَستَبشِرُ
وَرُؤيَتُها الفَرَحُ الأَكبَرُ
تَهُزُّ اللِواءَ بِعيدِ المَسيحِ
وَتُحَيّيهِ مِن حَيثُ لا تَشعُرُ
فَهَذا بِلُعبَتِهِ يَزدَهي
وَهَذا بِحُلَّتِهِ يَفخَرُ
وَهَذا كَغُصنِ الرُبا يَنثَني
وَهَذا كَريحِ الصَبا يَخطِرُ
إِذا اِجتَمَعَ الكُلُّ في بُقعَةٍ
حَسِبتَهُمو باقَةً تُزهِرُ
أَوِ اِفتَرَقوا واحِداً واحِداً
حَسِبتَهُمو لُؤلُؤاً يُنثَرُ
وَمِن عَجَبٍ مِنهُمو المُسلِمونَ
أَوِ المُسلِمونَ هُمُ الأَكثَرُ
فَلاسِفَةٌ كُلُّهُم في اِتِّفاقٍ
كَما اِتَّفَقَ الآلُ وَالمَعشَرُ
دَسَمبِرُ شَعبانُ عِندَ الجَميعِ
وَشَعبانُ لِلكُلِّ ديسَمبِرُ
وَلا لُغَةٌ غَيرَ صَوتٍ شَجِيٍّ
كَرَوضٍ بَلابِلُهُ تَصفِرُ
وَلا يَزدَري بِالفَقيرِ الغَنِيُّ
وَلا يُنكِرُ الأَبيَضَ الأَسمَرُ
فَيا لَيتَ شِعري أَضَلَّ الصِغارُ
أَمِ العَقلُ ما عَنهُمو يُؤثَرُ
سُؤالٌ أُقَدِمُهُ لِلكِبارِ
لَعَلَّ الكِبارَ بِهِ أَخبَرُ
وَلي طِفلَةٌ جازَتِ السَنَتَينِ
كَبَعضِ المَلائِكِ أَو أَطهَرُ
بِعَينَينِ في مِثلِ لَونِ السَماءِ
وَسِنَّينِ يا حَبَّذا الجَوهَرُ
أَتَتنِيَ تَسأَلُني لُعبَةً
لِتَكسِرَها ضِمنَ ما تَكسِرُ
فَقُلتُ لَها أَيُّهَذا المَلاكُ
تُحِبُّ السَلامَ وَلا أُنكِرُ
وَلَكِنَّ قَبلَكَ خابَ المَسيحُ
وَباءَ بِمَنشورِهِ القَيصَرُ
فَلا تَرجُ سِلماً مِنَ العالَمينَ
فَإِنَّ السِباعَ كَما تُفطَرُ
وَمَن يَعدَمِ الظُفرَ بَينَ الذِئابِ
فَإِنَّ الذِئابَ بِهِ تَظفَرُ
فَإِن شِئتَ تَحيا حَياةَ الكِبارِ
يُؤَمِّلُكَ الكُلُّ أَو يَحذرُ
فَخُذ هاكَ بُندُقَةً نارُها
سَلامٌ عَلَيكَ إِذا تُسعَرُ
لَعَلَّكَ تَألَفُها في الصِبا
وَتَخلفُها كُلَّما تَكبَرُ
فَفيها الحَياةُ لِمَن حازَها
وَفيها السَعادَةُ وَالمَفخَرُ
وَفيها السَلامُ الوَطيدُ البِناءِ
لِمَن آثَرَ السِلمَ أَو يُؤثِرُ
فَلوبيلُ مُمسِكَةٌ مَوزَراً
وَلوبيلُ تُمسِكُها مَوزَرُ
أَجابَت وَما النُطقُ في وُسعِها
وَلَكِنَّها العَينُ قَد تُخبِرُ
تَقولُ عَجيبٌ كَلامُكَ لي
أَبِالشَرِّ يا والِدي تَأمُرُ
تَزينُ لِبنتِكَ حُبَّ الحُروبِ
وَحُبُّ السَلامِ بِها أَجدَرُ
وَأَنتَ اِمرُؤٌ لا تُحِبُّ الأَذى
وَلا تَبتَغيهِ وَلا تَأمُرُ
فَقُلتُ لِأَمرٍ ضَلَلتُ السَبيلَ
وَرُبَّ أَخي ضَلَّةٍ يُعذَرُ
فَلَو جيءَ بِالرُسلِ في واحِدٍ
وَبِالكُتبِ في صَفحَةٍ تُنشَرُ
وَبِالأَوَّلينَ وَما قَدَّموا
وَبِالآخَرينَ وَما أَخَّروا
لِيَنهَضَ ما بَينَهُم خاطِباً
عَلى العَرشِ نَصَّ لَهُ مِنبَرُ
يَقولُ السَلامُ يُحِبُّ السَلامَ
وَيَأجُرُكُم عَنهُ ما يَأجُرُ
لَصُمَّ العِبادُ فَلَم يَسمَعوا
وَكُفَّ العِبادُ فَلَم يُبصِروا

من صور السحر المبين عيونا

مَن صَوَّرَ السِحرَ المُبينَ عُيوناً
وَأَحَلَّهُ حَدَقاً وَجُفونا
نَظَرَت فَحُلتُ بِجانِبي فَاِستَهدَفَت
كَبِدي وَكانَ فُوادِيَ المَغبونا
وَرَمَت بِسَهمٍ جالَ فيهِ جَولَةً
حَتّى اِستَقَرَّ فَرَنَّ فيهِ رَنينا
فَلَمَستُ صَدري موجِساً وَمُرَوَّعاً
وَلَمَستُ جَنبي مُشفِقاً وَضَنينا
يا قَلبُ إِنَّ مِنَ البَواتِرِ أَعيُناً
سوداً وَإِنَّ مِنَ الجَآذِرِ عينا
لا تَأخُذَنَّ مِنَ الأُمورِ بِظاهِرٍ
إِنَّ الظَواهِرَ تَخدَعُ الرائينا
فَلَكَم رَجَعتُ مِنَ الأَسِنَّةِ سالِماً
وَصَدَرتُ عَن هيفِ القُدودِ طَعينا
وَخَميلَةٍ فَوقَ الجَزيرَةِ مَسَّها
ذَهَبُ الأَصيلِ حَواشِياً وَمُتونا
كَالتِبرِ أُفقاً وَالزَبَرجَدِ رَبوَةً
وَالمِسكِ تُرباً وَاللُجَينِ مَعينا
وَقَفَ الحَيا مِن دونِها مُستَأذِناً
وَمَشى النَسيمُ بِظِلِّها مَأذونا
وَجَرى عَلَيها النيلُ يَقذِفُ فَضَّةً
نَثراً وَيَكسِرُ مَرمَراً مَسنونا
يُغري جَوارِيَهُ بِها فَيَجِئنَها
وَيُغيرُهُنَّ بِها فَيَستَعلينا
راعَ الظَلامُ بِها أَوانِسَ تَرتَمي
مِثلَ الظِباءِ مِنَ الرُبى يَهوينا
يَخطُرنَ في ساحِ القُلوبِ عَوالِياً
وَيَمِلنَ في مَرأى العُيونِ غُصونا
عِفنَ الذُيولِ مِنَ الحَريرِ وَغَيرِهِ
وَسَحَبنَ ثَمَّ الآسَ وَالنَسرينا
عارَضتُهُنَّ وَلي فُؤادٌ عُرضَةٌ
لِهَوى الجَآذِرِ دانَ فيهِ وَدينا
فَنَظَرنَ لا يَدرينَ أَذهَبُ يَسرَةً
فَيَحِدنَ عَنّي أَم أَميلُ يَمينا
وَنَفَرنَ مِن حَولي وَبَينَ حَبائِلي
كَالسِربِ صادَفَ في الرَواحِ كَمينا
فَجَمَعتُهُنَّ إِلى الحَديثِ بَدَأتُهُ
فَغَضِبنَ ثُمَّ أَعَدتُهُ فَرَضينا
وَسَمِعتُ مَن أَهوى تَقولُ لِتُربِها
أَحرى بِأَحمَدَ أَن يَكونَ رَزينا
قالَت أَراهُ عِندَ غايَةِ وَجدِهِ
فَلَعَلَّ لَيلى تَرحَمُ المَجنونا

كان في الروم عظيم

كان في الروم عظيم
ينتهى الجود إليه
جاءه يوما حكيم
يشتكي بين يديه
قبل النعل وأبدى
أعظم الذل لديه
فرأى ذلك قوم
أنكروا الأمر عليه
قال ما قبّلت رج
ليه ولكن أذنيه
إنَّ من كان كهذا
أذنه في قدميه

أقول لفارس والحزب يدعو

أقول لفارس والحزب يدعو
وجريي بينهم جرى الغزالة
أفي التوارة مكتوب بتبر
طوال الناس أسبق للوكالة