صحا القلب إلا من خمار أماني

صَحا القَلبُ إِلّا مِن خُمارِ أَماني
يُجاذِبُني في الغيدِ رَثَّ عِناني
حَنانَيكَ قَلبي هَل أُعيدُ لَكَ الصِبا
وَهَل لِلفَتى بِالمُستَحيلِ يَدانِ
تَحُنُّ إِلى ذاكَ الزَمانِ وَطيبِهِ
وَهَل أَنتَ إِلّا مِن دَمٍ وَحَنانِ
إِذا لَم تَصُن عَهداً وَلَم تَرعَ ذِمَّةً
وَلَم تَدَّكِر إِلفاً فَلَستَ جَناني
أَتَذَكُرُ إِذ نُعطي الصَبابَةَ حَقَّها
وَنَشرَبُ مِن صِرفِ الهَوى بِدِنانِ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُباعِدٌ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُدانُ
وَأَيّامَ لا آلو رِهاناً مَعَ الهَوى
وَأَنتَ فُؤادي عِندَ كُلِّ رِهانِ
لَقَد كُنتُ أَشكو مِن خُفوقِكِ دائِباً
فَوَلّى فَيا لَهَفي عَلى الخَفَقانِ
سَقاكَ التَصابي بَعدَ ما عَلَّكَ الصِبا
فَكَيفَ تَرى الكَأسَينِ تَختَلِفانِ
وَما زُلتُ في رَيعِ الشَبابِ وَإِنَّما
يَشيبُ الفَتى في مِصرَ قَبلَ أَوانِ
وَلا أَكذِبُ الباري بَنى اللَهُ هَيكَلي
صَنيعَةَ إِحسانٍ وَرِقَّ حِسانِ
أَدينُ إِذا اِقتادَ الجَمالُ أَزِمَّتي
وَأَعنو إِذا اِقتادَ الجَميلُ عِناني

ألا بديارهم جن الكرام

ألا بديارهم جن الكرام
وشفهم بليلاها الغرام
بلاد أسفر الميلاد عنها
وصرحت الرضاعة والفطام
وخالط تربها وارفضّ فيه
رفات من حبيب أو عظام
بناء من أبوتنا الأوالي
يتمم بالبنين ويستدام
توالى المحسنون فشيدوه
وأيدى المحسنون هي الدعام
وأبلج في عنان الجود فرد
كمنزلة السموال لا يرام
يبيت النجم يقبس من ضياه
ويلمسها فيرتجل الجهام
له في الأعصر الأولى سمىٌّ
إذا ذكر اسمه ابتسم الذمام
كلا الجبلين حر عبقري
لدى محرابه ملك همام
أُزيلوا عن معاقلهم فأمسي
لهم في معقل الصخر اعتصام

لكل زمان مضى آية

لِكُلِّ زَمانٍ مَضى آيَةٌ
وَآيَةُ هَذا الزَمانِ الصُحُف
لِسانُ البِلادِ وَنَبضُ العِبادِ
وَكَهفُ الحُقوقِ وَحَربُ الجَنَف
تَسيرُ مَسيرَ الضُحى في البِلادِ
إِذا العِلمُ مَزَّقَ فيها السَدَف
وَتَمشي تُعَلِّمُ في أُمَّةٍ
كَثيرَةِ مَن لا يَخُطُّ الأَلِف
فَيا فِتيَةَ الصُحفُ صَبراً إِذا
نَبا الرِزقُ فيها بِكُم وَاِختَلَف
فَإِنَّ السَعادَةَ غَيرُ الظُهو
رِ وَغَيرُ الثَراءِ وَغَيرُ التَرَف
وَلَكِنَّها في نَواحي الضَميرِ
إِذا هُوَ بِاللَومِ لَم يُكتَنَف
خُذوا القَصدَ وَاِقتَنِعوا بِالكَفافِ
وَخَلّوا الفُضولَ يَغِلها السَرَف
وَروموا النُبوغَ فَمَن نالَهُ
تَلَقّى مِنَ الحَظِّ أَسنى التُحَف
وَما الرِزقُ مُجتَنِبٌ حِرفَةً
إِذا الحَظُّ لَم يَهجُرِ المُحتَرِف
إِذا آخَتِ الجَوهَرِيَّ الحُظوظُ
كَفَلنَ اليَتيمَ لَهُ في الصَدَف
وَإِن أَعرَضَت عَنهُ لَم يَحلُ في
عُيونِ الخَرائِدِ غَيرُ الخَزَف
رَعى اللَهُ لَيلَتَكُم إِنَّها
تَلَت عِندَهُ لَيلَةَ المُنتَصَف
لَقَد طَلَعَ البَدرُ مِن جُنحِها
وَأَوما إِلى صُبحِها أَن يَقِف
جَلَوتُم حَواشِيَها بِالفُنونِ
فَمِن كُلِّ فَنٍّ جَميلٍ طَرَف
فَإِن تَسأَلوا ما مَكانُ الفُنونِ
فَكَم شَرَفٍ فَوقَ هَذا الشَرَف
أَريكَةُ مولِييرَ فيما مَضى
وَعَرشُ شِكِسبيرَ فيما سَلَف
وَعودُ اِبنِ ساعِدَةٍ في عُكاظَ
إِذا سالَ خاطِرُهُ بِالطُرَف
فَلا يَرقَيَن فيهِ إِلّا فَتىً
إِلى دَرَجاتِ النُبوغِ اِنصَرَف
تُعَلِّمُ حِكمَتُهُ الحاضِرينَ
وَتُسمِعُ في الغابِرينَ النُطَف
حَمَدنا بَلاءَكُمُ في النِضالِ
وَأَمسُ حَمَدنا بَلاءَ السَلَف
وَمَن نَسِيَ الفَضلَ لِلسابِقينَ
فَما عَرَفَ الفَضلَ فيما عَرَف
أَلَيسَ إِلَيهِم صَلاحُ البِناءِ
إِذا ما الأَساسُ سَما بِالغُرَف
فَهَل تَأذَنونَ لِذي خِلَّةٍ
يَفُضُّ الرَياحينَ فَوقَ الجِيَف
فَأَينَ اللِواءُ وَرَبُّ اللِواءِ
إِمامُ الشَبابِ مِثالُ الشَرَف
وَأَينَ الَّذي بَينَكُم شِبلُهُ
عَلى غايَةِ الحَقِّ نِعمَ الخَلَف
وَلا بُدَّ لِلغَرسِ مِن نَقلِهِ
إِلى مَن تَعَهَّدَ أَو مَن قَطَف
فَلا تَجحَدَنَّ يَدَ الغارِسينَ
وَهَذا الجَنى في يَدَيكَ اِعتَرَف
أُولَئِكَ مَرّوا كَدودِ الحَريرِ
شَجاها النَفاعُ وَفيهِ التَلَف

نحن الكشافة في الوادي

نَحنُ الكَشّافَةُ في الوادي
جِبريلُ الروحُ لَنا حادي
يا رَبِّ بِعيسى وَالهادي
وَبِموسى خُذ بِيَدِ الوَطَنِ
كَشّافَةُ مِصرَ وَصِبيَتُها
وَمُناةُ الدارِ وَمُنيَتُها
وَجَمالُ الأَرضِ وَحليَتُها
وَطَلائِعُ أَفراحِ المُدُنِ
نَبتَدِرُ الخَيرَ وَنَستَبِقُ
ما يَرضى الخالِقُ وَالخُلُقُ
بِالنَفسِ وَخالِقِها نَثِقُ
وَنَزيدُ وُثوقاً في المِحَنِ
في السَهلِ نَرِف رَياحينا
وَنَجوبُ الصَخرَ شَياطينا
نَبني الأَبدانَ وَتَبنينا
وَالهِمَّةُ في الجِسمِ المَرِنِ
وَنُخَلّي الخَلقَ وَما اِعتَقَدوا
وَلِوَجهِ الخالِقِ نَجتَهِدُ
نَأسوا الجَرحى أَنّى وُجِدوا
وَنُداوي مِن جَرحِ الزَمَنِ
في الصِدقِ نَشَأنا وَالكَوَمِ
وَالعِفَّةِ عَن مَسِّ الحُرَمِ
وَرِعايَةِ طِفلٍ أَو هَرِمِ
وَالذَودُ عَنِ الغيدِ الحُصُنِ
وَنُوافي الصارِخَ في اللُجَجِ
وَالنارِ الساطِعَةِ الوَهَجِ
لا نَسأَلُهُ ثَمَنَ المُهَجِ
وَكَفى بِالواجِبِ مِن ثَمَنِ
يا رَبِّ فَكَثِّرنا عَدَدا
وَاِبذُل لِأُبُوَّتِنا المَدَدا
هَيِّئ لَهُم وَلَنا رَشَدا
يا رَبِّ وَخُذ بِيَدِ الوَطَنِ

سمعت بأن طاووساً

سَمِعتُ بِأَنَّ طاووساً
أَتى يَوماً سُلَيمانا
يُجَرِّرُ دونَ وَفدِ الطَيـ
ـرِ أَذيالاً وَأَردانا
وَيُظهِرُ ريشَهُ طَوراً
وَيُخفي الريشَ أَحيانا
فَقالَ لَدَيَّ مَسأَلَةٌ
أَظُنُّ أَوانَها آنا
وَها قَد جِئتُ أَعرضُها
عَلى أَعتابِ مَولانا
أَلَستُ الرَوضَ بِالأَزها
رِ وَالأَنوارِ مُزدانا
أَلَم أَستَوفِ آيَ الظَر
فِ أَشكالاً وَأَلوانا
أَلَم أُصبِح بِبابِكُم
لِجَمعِ الطَيرِ سُلطانا
فَكَيفَ يَليقُ أَن أَبقى
وَقَومي الغُرُّ أَوثانا
فَحُسنُ الصَوتِ قَد أَمسى
نَصيبي مِنهُ حِرمانا
فَما تَيَّمتُ أَفئِدَةً
وَلا أَسكَرتُ آذانا
وَهَذي الطَيرُ أَحقَرها
يَزيدُ الصَبَّ أَشجانا
وَتَهتَزُّ المُلوكُ لَهُ
إِذا ما هَزَّ عيدانا
فَقالَ لَهُ سُلَيمانٌ
لَقَد كانَ الَّذي كانا
تَعالَت حِكمَةُ الباري
وَجَلَّ صَنيعُهُ شانا
لَقَد صَغَّرتَ يا مَغرو
رُ نُعمى اللَهِ كُفرانا
وَمُلكُ الطَيرِ لَم تَحفِل
بِهِ كِبراً وَطُغيانا
فَلَو أَصبَحتَ ذا صَوتٍ
لَما كَلَّمتَ إِنسانا

إلى حسين حاكم القنال

إِلى حُسَينٍ حاكِمِ القَنالِ
مِثالِ حُسنِ الخُلقِ في الرِجالِ
أُهدي سَلاماً طَيِّباً كَخُلقِهِ
مَع اِحتِرامٍ هُوَ بَعضُ حَقِّهِ
وَأَحفَظُ العَهدَ لَهُ عَلى النَوى
وَالصِدقَ في الوُدِّ لَهُ وَفي الهَوى
وَبَعدُ فَالمَعروفُ بَينَ الصَحبِ
أَنَّ التَهادي مِن دَواعي الحُبِّ
وَعِندَكَ الزَهرُ وَعِندي الشِعرُ
كِلاهُما فيما يُقالُ نَدرُ
وَقَد سَمِعتُ عَنكَ مِن ثِقاتِ
أَنَّكَ أَنتَ مَلِكُ النَباتِ
زَهرُكَ لَيسَ لِلزُهورِ رَونَقُهُ
تَكادُ مِن فَرطِ اِعتِناءٍ تَخلُقُهُ
ما نَظَرَت مِثلَكَ عَينُ النَرجِسِ
بَعدَ مُلوكِ الظُرفِ في الأَندَلُسِ
وَلي مِنَ الحَدائِقِ الغَنّاءِ
رَوضٌ عَلى المَطَرِيَّةِ الفَيحاءِ
أَتَيتُ أَستَهدي لَها وَأَسأَلُ
وَأَرتَضي النَزرُ وَلا أُثَقِّلُ
عَشرَ شُجَيراتٍ مِنَ الغَوالي
تَندُرُ إِلّا في رِياضِ الوالي
تَزكو وَتَزهو في الشِتا وَالصَيفِ
وَتَجمَعُ الأَلوانَ مِثلَ الطَيفِ
تُرسِلُها مُؤَمِّناً عَلَيها
إِن هَلَكَت لِيَ الحَقُّ في مِثلَيها
وَالحَقُّ في الخُرطومِ أَيضاً حَقّي
وَالدَرسُ لِلخادِمِ كَيفَ يَسقي
وَبَعدَ هَذا لي عَلَيكَ زَورَه
لِكَي تَدورَ حَولَ رَوضِيَ دَورَه
فَإِن فَعَلتَ فَالقَوافي تَفعَلُ
ما هُوَ مِن فِعلِ الزُهورِ أَجمَلُ
فَما رَأَيتُ في حَياتي أَزيَنا
لِلمَرءِ بَينَ الناسِ مِن حُسنِ الثَنا

إن تسألي عن مصر حواء القرى

إِن تَسأَلي عَن مِصرَ حَوّاءِ القُرى
وَقَرارَةِ التاريخِ وَالآثارِ
فَالصُبحُ في مَنفٍ وَثيبَة واضِحٌ
مَن ذا يُلاقي الصُبحَ بِالإِنكارِ
بِالهَيلِ مِن مَنفٍ وَمِن أَرباضِها
مَجدوعُ أَنفٍ في الرِمالِ كُفاري
خَلَتِ الدُهورُ وَما اِلتَقَت أَجفانُهُ
وَأَتَت عَلَيهِ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
ما فَلَّ ساعِدَهُ الزَمانُ وَلَم يَنَل
مِنهُ اِختِلافُ جَوارِفٍ وَذَوارِ
كَالدَهرِ لَو مَلَكَ القِيامَ لِفَتكَةٍ
أَو كانَ غَيرَ مُقَلَّمِ الأَظفارِ
وَثَلاثَةٍ شَبَّ الزَمانُ حِيالَها
شُمٍّ عَلى مَرِّ الزَمانِ كِبارِ
قامَت عَلى النيلِ العَهيدِ عَهيدَةً
تَكسوهُ ثَوبَ الفَخرِ وَهيَ عَوارِ
مِن كُلِّ مَركوزٍ كَرَضوى في الثَرى
مُتَطاوِلٍ في الجَوِّ كَالإِعصارِ
الجِنُّ في جَنَباتِها مَطروقَةٌ
بِبَدائِعِ البَنّاءِ وَالحَفّارِ
وَالأَرضُ أَضَيعُ حيلَةً في نَزعِها
مِن حيلَةِ المَصلوبِ في المِسمارِ
تِلكَ القُبورُ أَضَنَّ مِن غَيبٍ بِما
أَخفَت مِنَ الأَعلاقِ وَالأَذخارِ
نامَ المُلوكُ بِها الدُهورَ طَويلَةً
يَجِدونَ أَروَحَ ضَجعَةٍ وَقَرارِ
كُلٌّ كَأَهلِ الكَهفِ فَوقَ سَريرِهِ
وَالدَهرُ دونَ سَريرِهِ بِهِجارِ
أَملاكُ مِصرَ القاهِرونَ عَلى الوَرى
المُنزَلونَ مَنازِلَ الأَقمارِ
هَتَكَ الزَمانُ حِجابَهُم وَأَزالَهُم
بَعدَ الصِيانِ إِزالَةَ الأَسرارِ
هَيهاتَ لَم يَلمِس جَلالَهُمو البِلى
إِلّا بِأَيدٍ في الرَغامِ قِصارِ
كانوا وَطَرفُ الدَهرِ لا يَسمو لَهُم
ما بالُهُم عُرِضوا عَلى النُظّارِ
لَو أَمهَلوا حَتّى النُشورِ بِدَورِهِم
قاموا لِخالِقِهِم بِغَيرِ غُبارِ

استخلف المنصور في وصاته

استخلفَ المَنصورَ في وصاتِهِ
إِن اِختيار المَرءِ مِن حَصاتِهِ
اِبن أَبيهِ وَسِراج بَيتِهِ
الخُلَفاءُ لَمَحاتُ زَيتِهِ
حَبرُ بَني العَباس بَحر العلمِ
قُطبُ رحى الحَرب مَدار السِلمِ
فَلم يَكد بِالأَمر يَستَقلُّ
حَتّى تَلقّى فِتنَةً تُسَلُّ
قَد فَرَغ الأَهلُ مِن الغَريبِ
وَاِشتَغَل القَريب بِالقَريب
ثارَ بِعَبدِ اللَهِ ثائِرُ الحَسَد
وَزَعم الغابَ أَتى غَيرَ الأَسَد
وَأَن مَروانَ إِلَيهِ سلَّما
وَأَن يَومَ الزاب يَكفي سُلَّما
اِنقَلب العَمُّ فَصارَ غَمّا
وَفَدح الأَمرُ بِهِ وَطَمّا
جاءَ نَصيبِينَ وَقَد شَقَّ العَصا
فِيمَن بَغى الفِتنَةَ صَيداً وَعَصى
ما فلّ حدّهم عَن المَنصورِ
سِوى أَبي مسلم الهَصورِ
سَل عَلَيهِ سَيفَهُ وَرايَه
فَلم تَقف لابن عَليٍّ رايه
وَهُزِمَ الطاهِرُ يَومَ النَهرِ
وَعرف القاهِرُ طَعمَ القَهرِ
وَمَن يُحاول دَولَةً وَمُلكا
يُلاقِ نُجحاً أَو يُلاقِ هُلكا
وَاستطرد الحَينُ بُنوةَ الحُسن
وَاِجتَمَعوا فَاِمتَنَعوا عَلى الرَسَن
وَطَلَبوا الأَمر وَحاوَلَوا المَدى
وَبايَعوا راشدَهم مُحَمّدا
وَكانَ مِقداماً جَريئاً مِحرَبا
طاحَ عَلى حَدّ الظُبا في يَثرِبا
فَثارَ إِبراهيمُ لِلثاراتِ
وَأَزعَج المَنصورَ بِالغاراتِ
فُوجِئَ وَالجُيوشُ في الأَطرافِ
بِنَهضة الدَهماءِ وَالأَشرافِ
اَضطَرب الحِجازُ وَالعِراقُ
وَشَغب الغواةُ وَالمُرّاقُ
فَلم تفُلَّ النائِباتُ عَزمَه
وَلَم يَكِلّ عَن لِقاءِ الأَزَمَه
تَدارَكَ الشدةَ بِالأَشدا
مِن كُلِّ مَن لِمثلِها أَعدّا
وَكانَ يَستَشيرُ في المَصائِبِ
وَهُوَ أَخو الرَأي السَديد الصائِبِ
أَمرٌ لَهُ كِلاهُما قَد شَمَّرا
وَجَرّدا السَيفَ لَهُ بَأَخمرا
فَكانَ بَينَ هاشمٍ مِن حَربِ
ما كانَ بَينَها وَبَينَ حَربِ
وَكانَ في أَولِها لِلطالب
عَلى قَنا المَنصور عِزُّ الغالِبِ
لَولا المَقاديرُ القَديرةُ اليَدِ
لَأَحرَز السَيّدُ مُلكَ السَيّدِ
كَرّت عَساكِرُ الإِمام كَرّه
عَلى جُنود الحَسَنِيِّ مُرّه
عدته عَن دَعوته العَوادي
وَأَسعف الدَهرُ أَولى السَدادِ
وَطابَ لِلشَريف الاستشهادُ
فِيما يَخال أَنَّهُ جِهادُ
فَطاحَ لَم يَنزل عَن الكُميتِ
وَهَكَذا أَبناءُ هَذا البَيتِ
وَكَثُر القَتلى وَراحَ الأَسرى
عَلى فَوات الوَفَياتِ حَسرى
سَيقوا إِلى يَزيدَ أَو زِيادِ
لَكن مِن القَرابَةِ الأَسيادِ
فَلم يَذُق كَالحسنيّين البَلا
وَلا الحُسينيّون يَوم كَربلا
مُنوا بِقاسي القَلب لَيسَ يَرحَمُ
وَلَيسَ تَثنيهِ عَلَيهُم رَحِم
لَو طَمعت في مُلكِهِ أَولادُهُ
شَفاهمو مشن طَمع جَلّادُهُ
هَذا أَبو مُسلم التيّاهُ
غرّته في دَولَتِهم دُنياهُ
فَطالَ في أَعراضِهم لِسانه
وَلَم يَقُم بِمَنِّهِ إِحسانُه
وَنازع الآلَ جَلال القَدرِ
وَنافَست هِمّتُه في الصَدرِ
دَعواه في دَوعتهم عَريضَه
لَولاه ظَلت شَمسُها مَريضَه
وَهُوَ لِفَضلِ الطاهِرين ناسِ
وَما لَهُم في الحُب عِندَ الناسِ
وَما عَلوا لَهُ مِن المُهمَّة
وَبَذَلوا مِن مُدهِشات الهمّه
وَمَوت إِبراهيم حَتفَ فيهِ
فِدىً لِأَمرِهُم وَحُبّاً فيهِ
فَوغِرَ الوالي عَلَيهِ صَدرا
يُظهِرُ عَطفاً وَيسِرَّ غَدرا
وَصاحِبُ الدَعوة ضافي الدَعوى
يَرفُلُ فيها نَخوَةً وَزَهوا
تَطلُبُهُ الدِماءُ كُل مَطلَبِ
لا بُدَّ لِلظُلم مِن مُنقَلَبِ
فَكَم أَدارَها عَلى المَنون
وَكَم أَراقَها عَلى الظُنونِ
هَذا الَّذي حَمى أُميَةَ الكَرى
كانَ أَبو جَعفَر مِنهُ أَنكَرا
قَد يَقَع الثَعلَبُ في الحُبَالَه
وَتَتّقِي الفَراشَةُ الذُبالَه
أَفنى الفَضاءُ حيلَةَ الخِراسِي
وَعَصفت رِياحُهُ بِالراسي
وَساقَهُ الحَينُ إِلى الإِمامِ
وَالنَفس تَستَجر لِلحِمامِ
فَجاءَهُ في مَوكِبٍ مَشهودِ
وَفي مَدارِعٍ مِن العُهود
أُريدُ بِالداعي الرَدى وَما دَرى
وَكُلُّ غَدّارٍ مُلاقٍ أَغدَرا
فَمُكِّنت مِنهُ سُيوفُ الهِندِ
وَظَفَر الفِرندُ بِالفِرِندِ
أُصيبَتِ الدَولَةُ في غِنائِها
وَسَقَط البَنّاءُ مِن بِنائِها
الخُلفاءُ وَلدُ المَنصورِ
وَعَصرُهُ الزاهي أَبو العُصورِ
إِن اِستَهلَّت بِالدِماءِ مُدَّتُه
فَما وَقاها الهَيج إِلّا شِدتُه
وَمَن يَقُم بِمُلكِهِ الجَديدِ
يَقُده بِالحَريرِ وَالحَديدِ
لا تَرجُ في الفِتنَة رِفقَ الوَالي
قَد يُدفَع الحُكّامُ بِالأَحوالِ
أُنظُر إِلى أَيامِهِ النَواضِرِ
وَظِلِّها الوَارف في الحَواضِرِ
عِشرونَ في المُلكِ رَفَقنَ أَمنا
وَفِضنَ نَعماءَ وَسِلنَ يُمنا
خِلافَةٌ ثَبّتها قَواعِدا
ثُمَ تَرقّى بِالبِناءِ صاعِدا
أَدرُّ مِن صَوب الغَمام دَخلا
عَلى أَشَد الخُلِفاءِ بُخلا
يَخافُ في مالِ العِباد اللَه
ما تَبع الدُنيا وَلا تَلاهى
لِلسلم آلاتٌ وَلِلحَرب أُهَب
جِماعهن في المَمالك الذَهَب
وَحَوّلَ المَنصورُ مَجرى العَهدِ
أَخَّر عيسى وَأَقام المَهدي
فَكانَ في تَقديمه الإِصلاحُ
وَفي بَنيهِ الخَيرُ وَالفَلاحُ
وَلا تَسَل عَن هِمَّةِ العُقولِ
وَنَهضَةِ المَعقول وَالمَنقولِ
وَكَثرَةِ الناقِلِ وَالمُعَرِّبِ
عَن حِكمَةِ الفُرسِ وَعِلم المَغرِبِ
وَاِختَطَّ بَغدادَ عَلى التَسديد
داراً لِمُلكِ يسرٍ مَديدِ
كانَت لِأَيام البَهاليل سِمَه
وَمِهرَجانَ مُلكِهم وَمَوسِمَه
يَنجمُ فيها النابِغُ السَعيدُ
وَيُنجب المُقتَبس البَعيدُ

ما بين دمعي المسبل

ما بَينَ دَمعي المُسبَلِ
عَهدٌ وَبَينَ ثَرى عَلي
عَهدُ البَقيعِ وَساكِني
هِ عَلى الحَيا المُتَهَدِّلِ
وَالدَمعُ مِروَحَةُ الحَزي
نِ وَراحَةُ المُتَمَلمِلِ
نَمضي وَيَلحَقُ مَن سُلا
في الغابِرينَ بِمَن سُلي
كَم مِن تُرابٍ بِالدُمو
عِ عَلى الزَمانِ مُبَلَّلِ
كَالقَبرِ ما لَم يَبلَ في
هِ مِنَ العِظامِ وَما بَلي
رَيّانُ مِن مَجدٍ يَعِز
زُ عَلى القُصورِ مُوَثَّلِ
أَمسَت جَوانِبُهُ قَرا
راً لِلنُجومِ الأُفَّلِ
وَحَديثُهُم مِسكُ النَدِي
يِ وَعَنبَرٌ في المَحفِلِ
قُل لِلنَعيِّ هَتَكتَ دَم
عَ الصابِرِ المُتَجَمِّلِ
المُلتَقي الأَحداثَ إِن
نَزَلَت كَأَن لَم تَنزِلِ
حَمَلَ الأَسى بِأَبي الفُتو
حِ عَلَيَّ ما لَم أَحمِلِ
حَتّى ذَهِلتُ وَمَن يَذُق
فَقدَ الأَحِبَّةِ يَذهَلِ
فَعَتِبتُ في رُكنِ القَضا
ءِ عَلى القَضاءِ المُنزَلِ
لَهَفي عَلى ذاكَ الشَبا
بِ وَذاكَ المُستَقبَلِ
وَعَلى المَعارِفِ إِذ خَلَت
مِن رُكنِها وَالمَوئِلِ
وَعَلى شَمائِلَ كَالرُبى
بَينَ الصَبا وَالجَدوَلِ
وَحَياءِ وَجهٍ يُؤ
ثَرُ عَن يَسوعَ المُرسَلِ
يا راوِياً تَحتَ الصَفي
حِ مِنَ الكَرى وَالجَندَلِ
وَمُسَربَلاً حُلَلَ الوِزا
رَةِ باتَ غَيرَ مُسَربَلِ
وَمُوَسَّداً حُفَرَ الثَرى
بَعدَ البِناءِ الأَطوَلِ
إِنّي اِلتَفَتُّ إِلى الشَبا
بِ الغابِرِ المُتَمَثِّلِ
وَوَقَفتُ ما بَينَ المُحَق
قَقِ فيهِ وَالمُتَخَيَّلِ
فَرَأَيتُ أَيّاماً عَجِل
نَ وَلَيتَها لَم تَعجَلِ
كانَت مُوَطَّأَةَ المِها
دِ لَنا عِذابَ المَنهَلِ
ذَهَبَت كَحُلمٍ بَيدَ أَن
نَ الحُلمَ لَم يَتَأَوَّلِ
إِذ نَحنُ في ظِلِّ الشَبا
بِ الوارِفِ المُتَهَدِلِ
جارانِ في دارِ النَوى
مُتَقابِلانِ بِمَنزِلِ
أَيكي وَأَيكُكَ ضاحِكا
نِ عَلى خَمائِلِ مونبِلي
وَالدَرسُ يَجمَعُني بِأَف
ضَلِ طالِبٍ وَمُحَصِّلِ
أَيّامَ تَبذُلُ في سَبي
لِ العِلمِ ما لَم يُبذَلِ
غَضَّ الشَبابُ فَكَيفَ كُن
تَ عَنِ الشَبابِ بِمَعزِلِ
وَإِذا دَعاكَ إِلى الهَوى
داعي الصِبا لَم تَحفِلِ
وَلَوِ اِطَّلَعتَ عَلى الحَيا
ةِ فَعَلتَ ما لَم يُفعَلِ
لَم يَدرِ إِلّا اللَهُ ما
خَبَّأَت لَكَ الدُنيا وَلي
تَجري بِنا لِمُفَتَّحٍ
بَينَ الغُيوبِ وَمُقفَلِ
حَتّى تَبَدَّلنا وَذا
كَ العَهدُ لَم يَتَبَدَّلِ
هاتيكَ أَيّامُ الشَبا
بِ المُحسِنِ المُتَفَضِّلِ
مَن فاتَهُ ظِلُّ الشَبي
بَةِ عاشَ غَيرَ مُظَلَّلِ
يا راحِلاً أَخلى الدِيا
رَ وَفَضلُهُ لَم يَرحَلِ
تَتَحَمَّلُ الآمالُ إِث
رَ شَبابِهِ المُتَحَمِّلِ
مَشَتِ الشَبيبَةُ جَحفَلاً
تَبكي لِواءَ الجَحفَلِ
فَاِنظُر سَريرَكَ هَل جَرى
فَوقَ الدُموعِ الهُطَّلِ
اللَهُ في وَطَنٍ ضَعي
فِ الرُكنِ واهي المَعقِلِ
وَأَبٍ وَراءَكَ حُزنُهُ
لِنَواكَ حُزنُ المُثكَلِ
يَهَبُ الضِياعَ العامِرا
تِ لِمَن يَرُدُّ لَهُ عَلي
لَيسَ الغَنِيُّ مِنَ البَرِيَّ
ةِ غَيرَ ذي البالِ الخَلي
وَنَجيبَةٍ بَينَ العَقا
ئِلِ هَمُّها لا يَنسَلي
دَخَلَت مَنازِلَها المَنو
نُ عَلى الجَريءِ المُشبِلِ
كَسَرَت جَناحَ مُنَعَّمٍ
وَرَمَت فُوادَ مُدَلَّلِ
فَكَأَنَّ آلَكَ مِن شَجٍ
وَمُتَيَّمٍ وَمُرَمَّلِ
آلُ الحُسَينِ بِكَربُلا
في كُربَةٍ لا تَنجَلي
خَلَعَ الشَبابَ عَلى القَنا
وَبَذَلتَهُ لِلمُعضِلِ
وَالسَيفُ أَرحَمُ قاتِلاً
مِن عِلَّةٍ في مَقتَلِ
فَاِذهَب كَما ذَهَبَ الحُسَي
نُ إِلى الجِوارِ الأَفضَلِ
فَكِلاكُما زَينُ الشَبا
بِ بِجَنَّةِ اللَهِ العَلي