يا حبذا أمينة وكلبها

يا حَبَّذا أَمينَةٌ وَكَلبُها
تُحِبُّهُ جِدّاً كَما يُحِبُّها
أَمينَتي تَحبو إِلى الحَولَينِ
وَكَلبُها يُناهِزُ الشَهرَينِ
لَكِنَّها بَيضاءُ مِثلُ العاجِ
وَعَبدُها أَسوَدُ كَالدَياجي
يَلزَمُها نَهارَها وَتَلزَمُه
وَمِثلَما يُكرِمُها لا تُكرِمُهُ
فَعِندَها مِن شِدَّةِ الإِشفاقِ
أَن تَأخُذَ الصَغيرَ بِالخِناقِ
في كُلِّ ساعَةٍ لَهُ صِياحُ
وَقَلَّما يَنعَمُ أَو يَرتاحُ
وَهَذِهِ حادِثَةٌ لَها مَعَه
تُنبيكَ كَيفَ اِستَأثَرَت بِالمَنفَعَه
جاءَت بِهِ إِلَيَّ ذاتَ مَرَّه
تَحمِلُهُ وَهيَ بِهِ كَالبَرَّه
فَقُلتُ أَهلا بِالعَروسِ وَاِبنِها
ماذا يَكونُ يا تُرى مِن شَأنِها
قالَت غُلامي يا أَبي جَوعانُ
وَما لَهُ كَما لَنا لِسانُ
فَمُرهُموا يَأتوا بِخُبزٍ وَلَبَن
وَيُحضِروا آنِيَةً ذاتَ ثَمَن
فَقُمتُ كَالعادَةِ بِالمَطلوبِ
وَجِئتُها أَنظُرُ مِن قَريبِ
فَعَجَنَت في اللَبَنِ اللُبابا
كَما تَرانا نُطعِمُ الكِلابا
ثُمَّ أَرادَت أَن تَذوقَ قَبلَهُ
فَاِستَطعَمَت بِنتُ الكِرامِ أَكلَهُ
هُناكَ أَلقَت بِالصَغيرِ لِلوَرا
وَاِندَفَعَت تَبكي بُكاءً مُفتَرى
تَقولُ بابا أَنا دَحّا وَهوَ كُخّ
مَعناهُ بابا لِيَ وَحدي ما طُبِخ
فَقُل لِمَن يَجهَل خَطبَ الآنِيَه
قَد فُطِرَ الطِفلُ عَلى الأَنانِيَه

جهد الصبابة ما أكابد فيك

جَهدُ الصَبابَةِ ما أُكابِدُ فيكِ
لَو كانَ ما قَد ذُقتُهُ يَكفيكِ
حَتّامَ هِجراني وَفيمَ تَجَنُّبي
وَإِلامَ بي ذُلُّ الهَوى يُغريكِ
قَد مُتُّ مِن ظَمَإٍ فَلَو سامَحتِني
أَن أَشتَهي ماءَ الحَياةِ بِفيكِ
أَجِدُ المَنايا في رِضاكِ هِيَ المُنى
ماذا وَراءَ المَوتِ ما يُرضيكِ
يا بِنتَ مَخضوبِ الصَوارِمِ وَالقَنا
بَرِأَت بَنانُكِ مِن سِلاحِ أَبيكِ
فَخِضابُ تِلكَ مِنَ العُيونِ وِقايَةٌ
وَخِضابُ ذاكَ مِنَ الدَمِ المَسفوكِ
جَفناكِ أَيَّهُما الجَريءُ عَلى دَمي
بِأَبي هُما مِن قاتِلٍ وَشَريكِ
بِالسَيفِ وَالسِحرِ المُبينِ وَبِالطِلى
حَمَلا عَلَيَّ وَبِالقَنا المَشبوكِ
بِهِما وَبي سقَمٌ وَمِن عَجَبِ الهَوى
عُدوانُ مُنكَسِرٍ عَلى مَنهوكِ
رِفقاً بِمُسبِلَةِ الشُؤونِ قَريحَةٍ
تَسلو عَنِ الدُنيا وَلا تَسلوكِ
أَبكَيتِها وَقَعَدتِ عَن إِنسانِها
يا لِلرِجالِ لِمُغرَقٍ مَتروكِ
ضَلَّت كَراها في غَياهِبِ حالِكٍ
ضَلَّ الصَباحَ عَلَيهِ صَوتُ الديكِ
رَقَّ النَسيمُ عَلى دُجاهُ لِأَنَّتي
وَرَثى لِحالي في السَماءِ أَخوكِ
قاسَيتُهُ حَتّى اِنجَلى بِالصُبحِ عَن
سِرّي المَصونِ وَمَدمَعي المَهتوكِ
سُلَّت سُيوفُ الحَيِّ إِلّا واحِداً
إِفرِندُهُ في جَفنِهِ يَحميكِ
جَرَّدتِهِ في غَيرِ حَقٍّ كَالأُلى
سَلّوا سُيوفَهُمُ عَلى أَهليكِ
طَلَعَت عَلى حَرَمِ المَمالِكِ خيَلُهُم
ناراً سَنابِكُها عَلى البَلجيكِ
البَأسُ وَالجَبَروتُ في أَعرافِها
وَالمَوتُ حَولَ شَكيمِها المَعلوكِ
عَرَّت لِياجَ عَنِ الحُصونِ وَجَرَّدَت
نامورَ عَن فولاذِها المَشكوكِ
تَمشي عَلى خَطِّ المُلوكِ وَخَتمِهِم
وَعَلى مَصونِ مَواثِقٍ وَصُكوكِ
وَالحَربُ لا عَقلٌ لَها فَتَسومُها
ما يَنبَغي مِن خُطَّةٍ وَسُلوكِ
دَكَّت حُصونَ القَومِ إِلّا مَعقِلاً
مِن نَخوَةٍ وَحَمِيَّةٍ وَفُتوكِ
وَإِذا اِحتَمى الأَقوامُ بِاِستِقلالِهِم
لاذَوا بِرُكنٍ لَيسَ بِالمَدكوكِ
وَلَقَد أَقولُ وَأَدمُعي مُنهَلَّةٌ
باريرُ لَم يَعرِفكِ مَن يَغزوكِ
ما خِلتُ جَنّاتِ النَعيمِ وَلا الدُمى
تُرمى بِمَشهودِ النَهارِ سَفوكِ
زَعَموكِ دارَ خَلاعَةٍ وَمَجانَةٍ
وَدَعارَةٍ يا إِفكِ ما زَعَموكِ
إِن كُنتِ لِلشَهَواتِ رَيّاً فَالعُلا
شَهَواتُهُنَّ مُرَوَّياتٌ فيكِ
تَلِدينَ أَعلامَ البَيانِ كَأَنَّهُم
أَصحابُ تيجانٍ مُلوكُ أَريكِ
فاضَت عَلى الأَجيالِ حِكمَةُ شِعرِهِم
وَتَفَجَّرَت كَالكَوثَرِ المَعروكِ
وَالعِلمُ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
ما حَجَّ طالِبُهُ سِوى ناديكِ
العَصرُ أَنتِ جَمالُهُ وَجَلالُهُ
وَالرُكنُ مِن بُنيانِهِ المَسموكِ
أَخَذَت لِواءَ الحَقِّ عَنكِ شُعوبُهُ
وَمَشَت حَضارَتُهُ بِنورِ بَنيكِ
وَخِزانَةُ التاريخِ ساعَةَ عَرضِها
لِلفَخرِ خَيرُ كُنوزِها ماضيكِ
وَمِنَ العَجائِبِ أَنَّ واديكِ الثَرى
وَمَراتِعَ الغُزلانِ في واديكِ
يا مَكتَبي قَبلَ الشَبابِ وَمَلعَبي
وَمَقيلَ أَيّامِ الشَبابِ النوكِ
وَمَراحَ لَذّاتي وَمَغداها عَلى
أُفُقٍ كَجَنّاتِ النَعيمِ ضَحوكِ
وَسَماءَ وَحيِ الشِعرِ مِن مُتَدَفِّقٍ
سَلِسٍ عَلى نَولِ السَماءِ مَحوكِ
لَمّا اِحتَمَلتُ لَكَ الصَنيعَةَ لَم أَجِد
غَيرَ القَوافي ما بِهِ أُجزيكِ
إِن لَم يَقوكِ بِكُلِّ نَفسٍ حُرَّةٍ
فَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ واقيكِ

الضلوع تتقد

الضُلوعُ تَتَّقِدُ
وَالدُموعُ تَطَّرِدُ
أَيُّها الشَجِيُّ أَفِق
مِن عَناءِ ما تَجِدُ
قَد جَرَت لِغايَتِها
عَبرَةٌ لَها أَمَدُ
كُلُّ مُسرِفٍ جَزَعاً
أَو بُكىً سَيَقتَصِدُ
وَالزَمانُ سُنَّتُهُ
في السُلُوِّ يَجتَهِدُ
قُل لِثاكِلَينِ مَشى
في قِواهُما الكَمَدُ
لَم يُعافَ قَبلَكُما
والِدٌ وَلا وَلَدُ
الَّذينَ ميلَ بِهِم
في سِفارِهِم بَعُدوا
ما عَلِمنا أَشَقوا
بِالرَحيلِ أَم سَعِدوا
إِنَّ مَنزِلاً نَزَلوا
لا يَرُدُّ من يَرِدُ
كُلُّنا إِلَيهِ غَداً
لَيسَ بِالبَعيدِ غَدُ
البَنونَ هُم دَمُنا
وَالحَياةُ وَالوُرُدُ
لا تَلَدُّ مِثلَهُم
مُهجَةٌ وَلا كَبِدُ
يَستَوونَ واحِدُهُم
في الحَنانِ وَالعَدَدُ
زينَةٌ وَمَصلَحَةٌ
وَاِستِراحَةٌ وَدَدُ
فِتنَةٌ إِذا صَلُحوا
مِحنَةٌ إِذا فَسَدوا
شاغِلٌ إِذا مَرِضوا
فاجِعٌ إِذا فُقِدوا
جُرحُهُم إِذا اِنتُزِعوا
لا تَلُمُّهُ الضُمَدُ
العَزاءُ لَيسَ لَهُ
آسِياً وَلا الجَلَدُ
قُل لِهَيكَلٍ كَلِماً
مِن وَرائِها رَشَدُ
لَم يَشُب مُهَذَّبَها
باطِلٌ وَلا فَنَدُ
قَد عَجِبتُ مِن قَلمٍ
ثاكِلٍ وَيَنجَرِدُ
أَنتَ لَيثُ مَعرَكَةٍ
وَهوَ صارِمٌ فَرَدُ
وَالسُيوفُ نَخوَتُها
في الوَطيسِ تَتَّقِدُ
أَنتَ ناقِدٌ أَرِبٌ
وَالأَريبُ يَنتَقِدُ
ما تَقولُ في قَدَرٍ
بَعضُ سِنِّهِ الأَبَدُ
وَهوَ في الحَياةِ عَلى
كُلِّ خُطوَةٍ رَصَدُ
يَعثُرُ الأَنامُ بِهِ
إِن سَعَوا وَإِن قَعَدوا
يَنزِلُ الرِجالُ عَلى
حُكمِهِ وَإِن جَحَدوا
القَضاءُ مُعضِلَةٌ
لَم يُحِلَّها أَحَدُ
كُلَّما نَقَضتَ لَها
عُقدَةً بَدَت عُقَدُ
أَتعَبَت مُعالِجَها
وَاستَراحَ مُعتَقِدُ
عالَمٌ مُدَبِّرُهُ
بِالبَقاءِ مُنفَرِدُ
مِن بِلى كَوائِنِهِ
كائِناتُهُ الجُدُدُ
لا تَقُل بِهِ إِدَدٌ
إِنَّ حُسنَهُ اَلإِدَدُ
تَلتَقي نَقائِضُهُ
غايَةً وَتَتَّحِدُ
الفَناءُ فيهِ يَدٌ
لِلبَقاءِ أَو عَضُدُ
اِئتِلافُهُ رَشَدٌ
وَاِختِلافُهُ سَدَدُ
جَدَّ في عَمارَتِهِ
مُنصَفٌ وَمُضطَهَدُ
وَالغِنى لِخِدمَتِهِ
كَالفَقيرِ مُحتَشِدُ
وَهوَ في أَعِنَّتِهِ
مُمعِنٌ وَمُطَّرِدُ
وَالحَياةُ حَنظَلَةٌ
في حُروفِها شُهُدُ
هَيكَلُ الشَقاءِ لهُ
مِن مَدامِعٍ عَمَدُ
قامَتِ النُعوشُ عَلى
جانِبَيهِ وَالوَسَدُ
عُرسُهُ وَمَأتَمُهُ
غايَتاهُما نَفَدُ

صداح يا ملك الكنار

صَدّاحُ يا مَلِكَ الكَنا
رِ وَيا أَميرَ البُلبُلِ
قَد فُزتُ مِنكَ بِمَعبَدٍ
وَرُزِقتُ قُربَ الموصِلي
وَأُتيحَ لي داودُ مِز
ماراً وَحُسنَ تَرَتُّلِ
فَوقَ الأَسِرَّةِ وَالمَنا
بِرِ قَطُّ لَم تَتَرَجَّلِ
تَهتَزُّ كَالدينارِ في
مُرتَجِّ لَحظِ الأَحوَلِ
وَإِذا خَطَرتَ عَلى المَلا
عِبِ لَم تَدَع لِمُمَثِّلِ
وَلَكَ اِبتِداءاتُ الفَرَز
دَقِ في مَقاطِعِ جَروَلِ
وَلَقَد تَخِذتَ مِنَ الضُحى
صُفرَ الغَلائِلِ وَالحَلي
وَرَوَيتَ في بيضِ القَلا
نِسِ عَن عَذارى الهَيكَلِ
يا لَيتَ شِعرِيَ يا أَسي
رُ شَجٍ فُؤادُكَ أَم خَلي
وَحَليفُ سُهدٍ أَم تَنا
مُ اللَيلَ حَتّى يَنجَلي
بِالرُغمِ مِنّي ما تُعا
لِجُ في النُحاسِ المُقفَلِ
حِرصي عَلَيكَ هَوىً وَمَن
يُحرِز ثَميناً يَبخَلِ
وَالشُحُّ تُحدِثُهُ الضَرو
رَةُ في الجَوادِ المُجزِلِ
أَنا إِن جَعَلتُكَ في نُضا
رٍ بِالحَريرِ مُجَلَّلِ
وَلَفَفتُهُ في سَوسَنٍ
وَحَفَفتُهُ بِقُرُنفُلِ
وَحَرَقتُ أَزكى العودِ حَو
لَيهِ وَأَغلى الصَدنَلِ
وَحَمَلتُهُ فَوقَ العُيو
نِ وَفَوقَ رَأسِ الجَدوَلِ
وَدَعَوتُ كُلَّ أَغَرَّ في
مُلكِ الطُيورِ مُحَجَّلِ
فَأَتَتكَ بَينَ مُطارِحٍ
وَمُحَبِّذٍ وَمُدَلِّلِ
وَأَمَرتَ بِاِبني فَاِلتَقا
كَ بِوَجهِهِ المُتَهَلِّلِ
بِيَمينِهِ فالوذَجٌ
لَم يُهدَ لِلمُتَوَكِّلِ
وَزُجاجَةٌ مِن فِضَّةٍ
مَملوءَةٌ مِن سَلسَلِ
ما كُنتُ يا صَدّاحُ عِن
دَكَ بِالكَريمِ المُفضَلِ
شَهدُ الحَياةِ مَشوبَةً
بِالرِقِّ مِثلُ الحَنظَلِ
وَالقَيدُ لَو كانَ الجُما
نُ مُنَظَّماً لَم يُحمَلِ
يا طَيرُ لَولا أَن يَقو
لوا جُنَّ قُلتُ تَعَقَّلِ
اِسمَع فَرُبَّ مُفَصِّلٍ
لَكَ لَم يُفِدكَ كَمُجمِلِ
صَبراً لِما تَشقى بِهِ
أَو ما بَدا لَكَ فَاِفعَلِ
أَنتَ اِبنُ رَأيٍ لِلطَبي
عَةِ فيكَ غَيرِ مُبَدَّلِ
أَبَداً مَروعٌ بِالإِسا
رِ مُهَدَّدٌ بِالمَقتَلِ
إِن طِرتَ عَن كَنَفي وَقَع
تَ عَلى النُسورِ الجُهَّلِ
يا طَيرُ وَالأَمثالُ تُض
رَبُ لِلَّبيبِ الأَمثَلِ
دُنياكَ مِن عاداتِها
أَلّا تَكونَ لِأَعزَلِ
أَو لِلغَبِيِّ وَإِن تَعَل
لَلَ بِالزَمانِ المُقبِلِ
جُعِلَت لِحُرٍّ يُبتَلى
في ذي الحَياةِ وَيَبتَلي
يَرمي وَيُرمى في جِها
دِ العَيشِ غَيرَ مُغَفَّلِ
مُستَجمِعٍ كَاللَيثِ إِن
يُجهَل عَلَيهِ يَجهَلِ
أَسَمِعتَ بِالحَكَمَينِ في ال
إِسلامِ يَومَ الجَندَلِ
في الفِتنَةِ الكُبرى وَلَو
لا حِكمَةٌ لَم تُشعَلِ
رَضِيَ الصَحابَةُ يَومَ ذَ
لِكَ بِالكِتابِ المُنزَلِ
وَهُمُ المَصابيحُ الرُوا
ةُ عَنِ النَبِيِّ المُرسَلِ
قالوا الكِتابُ وَقامَ كُل
لُ مُفَسِّرٍ وَمُوَوِّلِ
حَتّى إِذا وَسِعَت مُعا
وِيَةً وَضاقَ بِها عَلي
رَجَعوا لِظُلمٍ كَالطَبا
ئِعِ في النُفوسِ مُؤَصَّلِ
نَزَلوا عَلى حُكمِ القَوِي
يِ وَعِندَ رَأيِ الأَحيَلِ
صَدّاحُ حَقٌّ ما أَقو
لُ حَفِلتَ أَم لَم تَحفَلِ
جاوَرتَ أَندى رَوضَةٍ
وَحَلَلتَ أَكرَمَ مَنزِلِ
بَينَ الحَفاوَةِ مِن حُسَي
نٍ وَالرِعايَةِ مِن عَلي
وَحَنانِ آمِنَةٍ كَأُم
مِكَ في صِباكَ الأَوَّلِ
صِح بِالصَباحِ وَبَشِّرِ ال
أَبناءَ بِالمُستَقبَلِ
وَاِسأَل لِمِصرَ عِنايَةً
تَأبى وَتَهبُطُ مِن عَلِ
قُل رَبَّنا اِفتَح رَحمَةً
وَالخَيرُ مِنكَ فَأَرسِلِ
أَدرِك كِنانَتَكَ الكَري
مَةَ رَبَّنا وَتَقَبَّلِ

يا جارة الوادي طربت وعادني

يا جارة الوادي طربت وعادني
ما زادني شوقا إلى مرآك
فقطعت ليلي غارقا نشوان في
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثّلت في الذكرى هواك وفي الكرى
لمّا سموت به وصنتُ هواك
ولكم على الذكرى لقلبي عبرةٌ
والذكريات صدى السنين الحاكي
ولقد مررت على الرياض بربوة
كم راقصت فيها رؤاي رؤاك
خضراء قد سبت الربيع بدلّها
غنّاء كنت حيالها ألقاك
لم أدر ما طيب العناق على الهوى
والروض أسكرهُ الصبا بشذاك
لم أدر والأشواق تصرخ في دمي
حتّى ترفّق ساعدي فطواك
وتأوّدت أعطاف بانك في يدي
سكرى وداعب أضلعي فطواك
أين الشقائق منك حين تمايلا
وأحمرّ من خفريهما خدّاك
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
والسكر أغراني بما أغراك
فطغى الهوى وتناهبتك عواطفي
ولثمت كالصبح المنوّر فاك
وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت
قلبي بأحلى قبلة شفتاك
وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت
عينيّ في لغة الهوى عيناك
لا أمس من عمر الزمان ولا غد
بنواك آه من النوى رحماك
سمراء يا سؤلي وفرحة خاطري
جمع الزمان فكان يوم لقاك

نظر الليث إلى عجل سمين

نَظَرَ اللَيثُ إِلى عِجلٍ سَمين
كانَ بِالقُربِ عَلى غَيطٍ أَمين
فَاِشتَهَت مِن لَحمِهِ نَفسُ الرَئيس
وَكَذا الأَنفُسُ يُصيبُها النَفيس
قالَ لِلثَعلَبِ يا ذا الاِحتِيال
رَأسُكَ المَحبوبُ أَو ذاكَ الغَزال
فَدَعا بِالسَعدِ وَالعُمرِ الطَويل
وَمَضى في الحالِ لِلأَمرِ الجَليل
وَأَتى الغَيطَ وَقَد جَنَّ الظَلام
فَرَأى العِجلَ فَأَهداهُ السَلام
قائِلاً يا أَيُّها المَولى الوَزير
أَنتَ أَهلُ العَفوِ وَالبِرِّ الغَزير
حَمَلَ الذِئبَ عَلى قَتلى الحَسَد
فَوَشى بي عِندَ مَولانا الأَسَد
فَتَرامَيتُ عَلى الجاهِ الرَفيع
وَهوَ فينا لَم يَزَل نِعمَ الشَفيع
فَبَكى المَغرورُ مِن حالِ الخَبيث
وَدَنا يَسأَلُ عَن شَرحِ الحَديث
قالَ هَل تَجهَلُ يا حُلوَ الصِفات
أَنَّ مَولانا أَبا الأَفيالِ مات
فَرَأى السُلطانُ في الرَأسِ الكَبير
مَوطِنَ الحِكمَةِ وَالحِذقِ الكَثير
وَرَآكُم خَيرَ مَن يُستَوزَرُ
وَلِأَمرِ المُلكِ رُكناً يُذخَرُ
وَلَقَد عَدّوا لَكُم بَينَ الجُدود
مِثلَ آبيسَ وَمَعبودِ اليَهود
فَأَقاموا لِمَعاليكُم سَرير
عَن يَمينِ المَلكِ السامي الخَطير
وَاِستَعَدَّ الطَيرُ وَالوَحشُ لِذاك
في اِنتِظارِ السَيِّدِ العالي هُناك
فَإِذا قُمتُم بِأَعباءِ الأُمور
وَاِنتَهى الأُنسُ إِلَيكُم وَالسُرور
بَرِّؤوني عِندَ سُلطانِ الزَمان
وَاِطلُبوا لي العَفوَ مِنهُ وَالأَمان
وَكَفاكُم أَنَّني العَبدُ المُطيع
أَخدُمُ المُنعِمَ جَهدَ المُستَطيع
فَأَحَدَّ العِجلُ قَرنَيهِ وَقالَ
أَنتَ مُنذُ اليَومِ جاري لا تُنال
فَاِمضِ وَاِكشِف لي إِلى اللَيثِ الطَريق
أَنا لا يَشقى لَدَيهِ بي رَفيق
فَمَضى الخِلّانِ تَوّاً لِلفَلاه
ذا إِلى المَوتِ وَهَذا لِلحَياه
وَهُناكَ اِبتَلَعَ اللَيثُ الوَزير
وَحَبا الثَعلَبَ مِنهُ بِاليَسير
فَاِنثَنى يَضحَكُ مِن طَيشِ العُجول
وَجَرى في حَلبَةِ الفَخرِ يَقول
سَلِمَ الثَعلَبُ بِالرَأسِ الصَغير
فَفَداهُ كُلُّ ذي رَأسٍ كَبير

تولستوي تجري آية العلم دمعها

تولُستويُ تُجري آيَةُ العِلمِ دَمعَها
عَلَيكَ وَيَبكي بائِسٌ وَفَقيرُ
وَشَعبٌ ضَعيفُ الرُكنِ زالَ نَصيرُهُ
وَما كُلُّ يَومٍ لِلضَعيفِ نَصيرُ
وَيَندُبُ فَلّاحونَ أَنتَ مَنارُهُم
وَأَنتَ سِراجٌ غَيَّبوهُ مُنيرُ
يُعانونَ في الأَكواخِ ظُلماً وَظُلمَةً
وَلا يَملُكونَ البَثَّ وَهوَ يَسيرُ
تَطوفُ كَعيسى بِالحَنانِ وَبِالرِضى
عَلَيهِم وَتَغشى دورَهُم وَتَزورُ
وَيَأسى عَلَيكَ الدينُ إِذ لَكَ لُبُّهُ
وَلِلخادِمينَ الناقِمينَ قُشورُ
أَيَكفُرُ بِالإِنجيلِ مَن تِلكَ كُتبُهُ
أَناجيلُ مِنها مُنذِرٌ وَبَشيرُ
وَيَبكيكَ إِلفٌ فَوقَ لَيلى نَدامَةً
غَداةَ مَشى بِالعامِرِيِّ سَريرُ
تَناوَلَ ناعيكَ البِلادَ كَأَنَّهُ
يَراعٌ لَهُ في راحَتَيكَ صَريرُ
وَقيلَ تَوَلّى الشَيخُ في الأَرضِ هائِماً
وَقيلَ بِدَيرِ الراهِباتِ أَسيرُ
وَقيلَ قَضى لَم يُغنِ عَنهُ طَبيبُهُ
وَلِلطِبِّ مَن بَطشِ القَضاءِ عَذيرُ
إِذ أَنتَ جاوَرتَ المَعَرِّيَّ في الثَرى
وَجاوَرِ رَضوى في التُرابِ ثَبيرُ
وَأَقبَلَ جَمعُ الخالِدينَ عَلَيكُما
وَغالى بِمِقدارِ النَظيرِ نَظيرُ
جَماجِمُ تَحتَ الأَرضِ عَطَّرَها شَذىً
جَناهُنَّ مِسكٌ فَوقَها وَعَبيرُ
بِهِنَّ يُباهي بَطنُ حَوّاءَ وَاِحتَوى
عَلَيهُنَّ بَطنُ الأَرضِ وَهوَ فَخورُ
فَقُل يا حَكيمَ الدَهرِ حَدِّث عَنِ البِلى
فَأَنتَ عَليمٌ بِالأُمورِ خَبيرُ
أَحَطتَ مِنَ المَوتى قَديماً وَحادِثاً
بِما لَم يُحَصِّل مُنكِرٌ وَنَكيرُ
طَوانا الَّذي يَطوي السَمَواتِ في غَدٍ
وَيَنشُرُ بَعدَ الطَيِّ وَهوَ قَديرُ
تَقادَمَ عَهدانا عَلى المَوتِ وَاِستَوى
طَويلُ زَمانٍ في البِلى وَقَصيرُ
كَأَن لَم تَضِق بِالأَمسِ عِنّى كَنيسَةٌ
وَلَم يُؤوِني دَيرٌ هُناكَ طَهورُ
أَرى راحَةً بَينَ الجَنادِلِ وَالحَصى
وَكُلُّ فِراشٍ قَد أَراحَ وَثيرُ
نَظَرنا بِنورِ المَوتِ كُلَّ حَقيقَةٍ
وَكُنّا كِلانا في الحَياةِ ضَريرُ
إِلَيكَ اِعتِرافي لا لِقَسٍَّ وَكاهِنٍ
وَنَجوايَ بَعدَ اللَهِ وَهوَ غَفورُ
فَزُهدُكَ لَم يُنكِرهُ في الأَرضِ عارِفٌ
وَلا مُتَعالٍ في السَماءِ كَبيرُ
بَيانٌ يُشَمُّ الوَحيُ مِن نَفَحاتِهِ
وَعِلمٌ كَعِلمِ الأَنبِياءِ غَزيرُ
سَلَكتُ سَبيلَ المُترَفينَ وَلَذَّ لي
بَنونَ وَمالٌ وَالحَياةُ غُرورُ
أَداةُ شِتائي الدِفءُ في ظِلِّ شاهِقٍ
وَعُدَّةُ صَيفي جَنَّةٌ وَغَديرُ
وَمُتِّعتُ بِالدُنيا ثَمانينَ حِجَّةً
وَنَضَّرَ أَيّامي غِنىً وَحُبورُ
وَذِكرٌ كَضَوءِ الشَمسِ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَلا حَظَّ مِثلُ الشَمسِ حينَ تَسيرُ
فَما راعَني إِلّا عَذارى أَجَرنَني
وَرُبَّ ضَعيفٍ تَحتَمي فَيُجيرُ
أَرَدتُ جِوارَ اللَهِ وَالعُمرُ مُنقَضٍ
وَجاوَرتُهُ في العُمرِ وَهوَ نَضيرُ
صِباً وَنَعيمٌ بَينَ أَهلٍ وَمَوطِنٍ
وَلَذّاتُ دُنيا كُلُّ ذاكَ نَزورُ
بِهِنَّ وَما يَدرينَ ما الذَنبُ خَشيَةٌ
وَمِن عَجَبٍ تَخشى الخَطيئَةَ حورُ
أَوانِسُ في داجٍ مِنَ اللَيلِ موحِشٍ
وَلِلَّهِ أُنسٌ في القُلوبِ وَنورُ
وَأَشبَهُ طُهرٍ في النِساءِ بِمَريَمٍ
فَتاةٌ عَلى نَهجِ المَسيحِ تَسيرُ
تُسائِلُني هَل غَيَّرَ الناسُ ما بِهِم
وَهَل حَدَثَت غَيرَ الأُمورِ أُمورُ
وَهَل آثَرَ الإِحسانَ وَالرِفقَ عالَمٌ
دَواعي الأَذى وَالشَرِّ فيهِ كَثيرُ
وَهَل سَلَكوا سُبلَ المَحَبَّةِ بَينَهُم
كَما يَتَصافى أُسرَةٌ وَعَشيرُ
وَهَل آنَ مِن أَهلِ الكِتابِ تَسامُحٌ
خَليقٌ بِآدابِ الكِتابِ جَديرُ
وَهَل عالَجَ الأَحياءُ بُؤساً وَشِقوَةً
وَقَلَّ فَسادٌ بَينَهُم وَشُرورُ
قُمِ اِنظُر وَأَنتَ المالِئُ الأَرضَ حِكمَةً
أَأَجدى نَظيمٌ أَم أَفادَ نَثيرُ
أُناسٌ كَما تَدري وَدُنيا بِحالِها
وَدَهرٌ رَخِيٌّ تارَةً وَعَسيرُ
وَأَحوالُ خَلقٍ غابِرٍ مُتَجَدِّدٍ
تَشابَهَ فيها أَوَّلٌ وَأَخيرُ
تَمُرُّ تِباعاً في الحَياةِ كَأَنَّها
مَلاعِبُ لا تُرخى لَهُنَّ سُتورُ
وَحِرصٌ عَلى الدُنيا وَمَيلٌ مَعَ الهَوى
وَغِشٌّ وَإِفكٌ في الحَياةِ وَزورُ
وَقامَ مَقامَ الفَردِ في كُلِّ أُمَّةٍ
عَلى الحُكمِ جَمٌّ يَستَبِدُّ غَفيرُ
وَحُوِّرَ قَولُ الناسِ مَولىً وَعَبدُهُ
إِلى قَولِهِم مُستَأجِرٌ وَأَجيرُ
وَأَضحى نُفوذُ المالِ لا أَمرَ في الوَرى
وَلا نَهيَ إِلّا ما يَرى وَيُشيرُ
تُساسُ حُكوماتٌ بِهِ وَمَمالِكٌ
وَيُذعِنُ أَقيالٌ لَهُ وَصُدورُ
وَعَصرٌ بَنوهُ في السِلاحِ وَحِرصُهُ
عَلى السِلمِ يُجري ذِكرَهُ وَيُديرُ
وَمِن عَجَبٍ في ظِلِّها وَهوَ وارِفٌ
يُصادِفُ شَعباً آمِناً فَيُغيرُ
وَيَأخُذُ مِن قوتِ الفَقيرِ وَكَسبِهِ
وَيُؤوي جُيوشاً كَالحَصى وَيَميرُ
وَلَمّا اِستَقَلَّ البَرَّ وَالبَحرَ مَذهَباً
تَعَلَّقَ أَسبابَ السَماءِ يَطيرُ

لنا صاحب قد مس إلا بقية

لَنا صاحِبٌ قَد مُسَّ إِلّا بَقِيَّةٌ
فَلَيسَ بِمَجنونٍ وَلَيسَ بِعاقِلِ
لَهُ قَدَمٌ لا تَستَقِرُّ بِمَوضِعٍ
كَما يَتَنَزّى في الحَصى غَيرُ ناعِلِ
إِذا ما بَدا في مَجلِسٍ ظُنَّ حافِلاً
مِنَ الصَخَبِ العالي وَلَيسَ بِحافِلِ
وَيُمطِرُنا مِن لَفظِهِ كُلَّ جامِدٍ
وَيُمطِرُنا مِن رَيلِهِ شَرَّ سائِلِ
وَيُلقي عَلى السُمّارِ كَفّاً دِعابُها
كَعَضَّةِ بَردٍ في نَواحي المَفاصِلِ

أعقاب في عنان الجو لاح

أَعُقابٌ في عَنانِ الجَوِّ لاح
أَم سَحابٌ فَرَّ مِن هَوجِ الرِياح
أَم بِساطُ الريحِ رَدَّتهُ النَوى
بَعدَ ما طَوَّفَ في الدَهرِ وَساح
أَو كَأَنَّ البُرجَ أَلقى حوتَهُ
فَتَرامى في السَماواتِ الفِساح
أَقبَلَت مِن بُعُدٍ تَحسَبُها
نَحلَةً عَنَّت وَطَنَّت في الرِياح
يا سِلاحَ العَصرِ بُشِّرنا بِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِكَمِيٍّ وَسِلاح
إِنَّ عِزّاً لَم يُظَلَّل في غَدٍ
بِجَناحَيكَ ذَليلٌ مُستَباح
فَتَكاثَر وَتَأَلَّف فَيلَقاً
تَعصِمُ السِلمَ وَتَعلو لِلكِفاح
مِصرُ لِلطَيرِ جَميعاً مَسرَحٌ
ما لَنا فيهِ ذُنابى أَو جَناح
رُبَّ سِربٍ قاطِعٍ مَرَّ بِهِ
هَبَطَ الأَرضَ مَلِيّاً وَاِستَراح
لِمَ لا يُفتَنُ فِتيانَ الحِمى
ذَلِكَ الإِقدامُ أَو ذاكَ الطِماح
مِن فَتىً حَلَّ مِنَ الجَوِّ بِهِم
فَتَلَقّوهُ عَلى هامٍ وَراح
إِنَّهُ أَوَّلُ عُصفورٍ لَهُم
هَزَّ في الجَوِّ جَناحَيهِ وَصاح
دَبَّت الهِمَّةُ فيهِ وَمَشَت
عَزَماتٌ مِنكَ يا حَربُ صِحاح
ناطَحَ النَجمَ فَتىً عَلَّمتُهُ
في حَياةٍ حُرَّةٍ كَيفَ النِطاح
لَكَ في الأَجيالِ تِمثالٌ مَشى
وَجَدوا الرُشدَ عَلَيهِ وَالصَلاح
جاوَزَ النيلَ وَعَبرَيهِ إِلى
أَكَمِ الشامِ وَهاتيكَ البِطاح
فارِسَ الجَوِّ سَلامٌ في الذُرى
وَعَلى الماءِ وَمِن كُلِّ النَواح
ثِب إِلىالنَجمِ وَزاحِم رُكنَهُ
وَاِمتَلِئ مِن خُيَلاءٍ وَمِراح
إِنَّ هَذا الفَتحَ لا عَهدَ بِهِ
لِضِفافِ النيلِ مِن عَهدِ فِتاح
تِلكَ أَبوابُ السَماءِ اِنفَتَحَت
ما وَراءَ البابِ يا طَيرَ النَجاح
أَسَماءُ النيلِ أَيضاً حَرَمٌ
مِن طَريقِ الهِندِ أَم جَوٌّ مُباح
عَينُ شَمسٍ مُلِأَت مِن مَوكِبٍ
كانَ لِلأَبطالِ أَحياناً يُتاح
رُبَّما جَلَّلَ وَجهَ الأَرضِ أَو
رُبَّما سَدَّ عَلى الشَمسِ السَراح
إِن يَفُتهُ الجَيشُ أَو رَوَّعتُهُ
لَم يَفُتهُ النَشَأُ الزُهرُ الصِباح
وَفِدى فائِزَةٍ سُمرُ القَنا
وَفِدى حارِسِها بيضُ الصِفاح
وَلَقَد أَبطَأَت حَتّى لَم يَنَم
لِلحِمى لَيلٌ وَلَم يَنعَم صَباح
فَاِبتَغي العُذرَ كِرامٌ وَاِنبَرَت
أَلسُنٌ في الثَلمِ وَالهَدمِ فِصاح
تَلتَوي الخَيلُ عَلى راكِبِها
كَيفَ بِالعاصِفِ في يَومِ الجِماح
لَيسَ مَن يَركَبُ سَرجاً لَيِّناً
مِثلَ مَن يَركَبُ أَعرافَ الرِياح
سِر رُوَيداً في فَضاءٍ سافِرٍ
ضاحِكِ الصَفحَةِ كَالفِردَوسِ صاح
طَرَفَت عَيناً بِهِ الشَمسُ فَلَو
خُيِّرَت لَم تَتَحَفَّز لِلرَواح
وَتَكادُ الطَيرُ مِن خِفَّتِهِ
تَتَعالى فيهِ مِن غَيرِ جَناح
قِف تَأَمَّل مِن عُلُوٍّ قُبَّةً
رُفِعَت لِلفَصلِ وَالرَأيِ الصُراح
نَزَلَ النُوّابُ فيها فِتيَةً
في جَناحٍ وَشُيوخاً في جَناح
حَمَلوا الحَقَّ وَقاموا دونَهُ
كَرَعيلِ الخَيلِ أَو صَفِّ الرِماح
يا أَبا الفاروقِ مَن تَرعى فَفي
كَنَفِ الفَضلِ وَفي ظِلِّ السِماح
أَنتَ مِن آباؤُكِ السُحبُ وَما
في بِناءِ السُحُبِ الأَيدي الشِحاح
يَدُكَ السَمحَةُ في الخَيرِ وَفي
هِمَّةِ الغَرسِ وَفي أُسوِ الجِراح
نَحنُ أَفلَحنا عَلى الأَرضِ بِكُم
وَرَجَونا في السَماواتِ الفَلاح

أعياد عزك للدنيا مجاليها

أعياد عزك للدنيا مجاليها
وللأحاديث عاليها وغاليها
وللبرية منها ما تسر به
وللرعية ما يرضى أمانيها
وللسعود غدوّ في صبائحها
وللميامن مسرى في لياليها
وللمالك حظ في مفاخرها
وللملوك نصيب من معانيها
لعز غليوم فيها من يمثله
وذات إدورد فيها من يحاكيها
ما للممالك لا يأتي أكابرها
لصاحب النيل أو يسعى أهاليها
أليس من جمَّل الدنيا أبوته
وقصّرت عن معاليهم مواليها
العصر يعلم والأحياء ما بلغت
بعصر أيام إسماعيل تنويها
ضافته بلقيس حين الدهر خادمها
في ملكها والليالى من جواريها
وجاءه المالكون الصِّيد في سفن
ألقت على الساحة الكبرى مراسيها
تُقل كل كبير الملك مقتدر
تعزّ آيته الدنيا وتعليها
منىً كبار وآمال محببة
خابت ولم يلق غير اللوم راجيا
والناس من تقعد الدنيا به قعدوا
سجية المرء في الدنيا يجاريها
بنيت فوق عريض اليم قنطرة
ما كان فرعون ذو الأوتاد يبنيها
شماء قاهرة فوق المياه فلا
تجرى وتذهب إلا ما توليها
طلعت والشمس في ابهى مواكبها
وموكب الملك ذو الأنوار يَزريها
كما تطلّع يوما في ركائبه
رمسيس تدفعه الأيدي وتزجيها
أجل ركبا من الأقمار كافلة
تبدو النجوم حواليها تساريها
لا تنثنى عن محياك القلوب هوى
إن عارض الذهب الأبصار يثنيها
وقفت والنيل خلف السد منتظر
إشارة من بنان الخير يمضيها
فأعملت يدك المفتاح فانفجرت
في مصر عشر عيون من اياديها
لما جريت لغايات الندى وجرى
عجبت كيف حوى البحرين واديها
تالله ما جرت الأرزاق يومئذ
إلا وكنت بإذن الله مجريها
مفاخر لك يختال الزمان بها
قام الخطيب وزير الرىّ يطريها
من لأبن جعفر إن يحصى عليك ثنا
وللبلاغة في علياك ما فيها
لو دام يهدى لك الأشعار حافلة
ما ضِقت جاها ولا ضاقت قوافيها
يا نيل مصر وفي الأيام موعظة
ماذا لقيت من الدنيا واهليها
ليت البرية ما داستك أرجلها
بعد المشيب ولا غلتك أيديها
قد ثقلوك بنيرٍ من جلامد لا
تعده الأرض إلا من رواسيها
وحملوك صخورا فوق ما حملت
منها أثافي دهور عز خاليها
أمسيت في مصر موثوقا إلى اجل
وكنت وحدك حرّا في نواحيها
قدّت لك الصخر اغلالا ومن عجب
الشر تجزيك حين الخير تجزيها
ضنا بمائك أن يسقى الصعيد به
ورب حرص على الأشياء يؤذيها
ومركَب من بخار قد جرى وجرت
من تحته الأرض تطويه ويطويها
كأن اشباحه والليل ياخذها
سرائر الأرض تبديها وتخفيها
كأنها وبياض الصبح نم بها
رسل النهار إلى الدنيا تهنيها
تمر أعجلَ في شرخ الشباب بنا
على مناظر كالفردوس ضاحيها
على الطبيعة تلهو في ملاعبها
من الوجود وتزهى في مغانيها
كغادة لمعاني الحسن جامعة
تقاسم الحسن عاريها وكاسيها
ولى الصبا ومضى جِد الدهور به
ولا تزال لعوبا في تصابيها
مثل الملاحة في الدنيا مداولة
تُفنى الحسان ولا حسناء تفنيها
يا ابن البخار تمهل في الصعيد بنا
تر البسيطة في مشهور ماضيها
وقِف نشاهد طلول الأقدمين به
تحير الدهر فيها كيف يبليها
هياكل كالجبال الشم سافلها
وفوق هام النجوم الزهر عاليها
إذا أتتها الليالي من قواعدها
تنالها بالبلى قامت اثافيها
يفنى الزمان ولا تبلى زخارفها
ولا يحول من الألوان زاهيها
إذا وقفت بأبواب الملوك ضحى
أيقنت أن قد بنى للخلد بانيها
رأيت فرعون موسى عند حفرته
لا يطلب اليوم من دنياه تأليها
بين الحياة وبين الموت من جزع
يخشى القيامة فيها أن يلاقيها
عجائب الطب لا لقمان يعرفها
في الغابرين ولا بستور يدريها
يا أمة بلغت في المجد غايته
وقصر الناس فيه عن مساعيها
قوموا الغداة انظروا هذى مآثركم
هل في مآثرهم شئ يضاهيها