على أي الجنان بنا تمر

عَلى أَيِّ الجِنانِ بِنا تَمُرُّ
وَفي أَيِّ الحَدائِقِ تَستَقِرُّ
رُوَيداً أَيُّها الفُلكُ الأَبَرُّ
بَلَغتَ بِنا الرُبوعَ فَأَنتَ حُرُّ
سَهِرتَ وَلَم تَنَم لِلرَكبِ عَينُ
كَأَن لَم يُضوِهِم ضَجَرٌ وَأَينُ
يَحُثُّ خُطاكَ لُجٌّ بَل لُجَينُ
بَلِ الإِبريزُ بَل أُفقٌ أَغَرُّ
عَلى شِبهِ السُهولِ مِنَ المِياهِ
تُحيطُ بِكَ الجَزائِرُ كَالشِياهِ
وَأَنتَ لَهُنَّ راعٍ ذو اِنتِباهِ
تَكُرُّ مَعَ الظَلامِ وَلا تَفِرُّ
يُنيفُ البَدرُ فَوقَكَ بِالهَباءِ
رَفيعاً في السُمُوِّ بِلا اِنتِهاءِ
تَخالُكُما العُيونُ إِلى اِلتِقاءِ
وَدونَ المُلتَقى كَونٌ وَدَهرُ
إِلى أَن قيلَ هَذا الدَردَنيلُ
فَسِرتَ إِلَيهِ وَالفَجرُ الدَليلُ
يُجيزُكَ وَالأَمانُ بِهِ سَبيلُ
إِذا هُوَ لَم يُجِز فَالماءُ خَمرُ
تَمُرُّ مِنَ المَعاقِلِ وَالجِبالِ
بِعالٍ فَوقَ عالٍ خَلفَ عالي
إِذا أَومَأنَ وَقَّفَتِ اللَيالي
وَتَحمي الحادِثاتُ فَلا تَمُرُّ
مَدافِعُ بَعضَها مُتَقابِلاتُ
وَمِنها الصاعِداتُ النازِلاتُ
وَمِنها الظاهِراتُ وَأُخرَياتُ
تَوارى في الصُخورِ وَتَستَسِرُّ
فَلَو أَنَّ البِحارَ جَرَت مِئينا
وَكانَ اللُجُّ أَجمَعُهُ سَفينا
لِتَلقى مَنفَذاً لَلَقينَ حَينا
وَلَمّا يَمسَسِ البوغازَ ضُرُّ
وَبَعدَ الأَرخَبيلُ وَما يَليهِ
وَتيهٍ في العَيالِمِ تيهِ
بَدا ضَوءُ الصَباحِ فَسِرتَ فيهِ
إِلى البُسفورِ وَاِقتَرَبَ المَقَرُّ
تُسايِرُكَ المَدائِنُ وَالأَناسي
وَفُلكٌ بَينَ جَوّالٍ وَراسي
وَتَحضُنُكَ الجَزائِرُ وَالرَواسي
وَتَجري رِقَّةً لَكَ وَهيَ صَخرُ
تَسيرُ مِنَ الفَضاءِ إِلى المَضيقِ
فَآناً أَنتَ في بَحرٍ طَليقِ
وَآوِنَةً لَدى مَجرىً سَحيقٍ
كَما الشَلّالُ قامَ لَدَيهِ نَهرُ
وَتَأَتي الأُفقَ تَطويهِ سِجِلّاً
لِآخَرَ كَالسَرابِ إِذا أَضَلّا
إِذا قُلنا المَنازِلُ قيلَ كَلّا
فَدونَ بُلوغِها ظُهرٌ وَعَصرُ
إِلى أَن حَلَّ في الأَوجِ النَهارُ
وَلِلرائي تَبَيَّنَتِ الدِيارُ
فَقُلنا الشَمسُ فيها أَم نُضارُ
وَياقوتٌ وَمُرجانٌ وَدُرُّ
وَدِدنا لَو مَشَيتَ بِنا الهُوَينا
وَأَينَ الخُلودُ لَدَيكَ أَينا
لِنَبهَجَ خاطِراً وَنَقَرَّ عَيناً
بِأَحسَنِ ما رَأى في البَحرِ سَفرُ
بِلَوحٍ جامِعِ الصُّوَرِ الغَوالي
وَديوانٍ تَفَرَّدَ بِالخَيالِ
وَمِرآةِ المَناظِرِ وَالمَجالي
تَمُرُّ بِها الطَبيعَةُ ما تَمُرُّ
فَضاءٌ مُثِّلَ الفِردَوسُ فيهِ
وَمَرأَىً في البِحارِ بِلا شَبيهِ
فَإيهٍ يا بَناتِ الشِعرِ إيهِ
فَمالَكِ في عُقوقِ الشِعرِ عُذرُ
لِأَجلِكِ سِرتُ في بَرٍّ وَبَحرِ
وَأَنتِ الدَهرَ أَنتِ بِكُلِّ قُطرِ
حَنَنتِ إِلى الطَبيعَةِ دونَ مِصرِ
وَقُلتِ لَدى الطَبيعَةِ أَينَ مِصرُ
فَهَلّا هَزَّكِ التِبرُ المُذابُ
وَهَذا اللَوحُ وَالقَلَمُ العُجابُ
وَما بَيني وَبَينَهُما حِجابُ
وَلا دوني عَلى الآياتِ سِترُ
جِهاتٌ أَم عَذارى حالِياتُ
وَماءٌ أَم سَماءٌ أَم نَباتُ
وَتِلكَ جَزائِرٌ أَم نَيِّراتُ
وَكَيفَ طُلوعُها وَالوَقتُ ظُهرُ
جَلاها الأُفقُ صُفراً وَهيَ خُضرُ
كَزَهرٍ دونَهُ في الرَوضِ زَهرُ
لَوى نَحرٌ بِها وَاِلتَفَّ بَحرُ
كَما مَلَكَت جِهاتِ الدَوحِ غُدرُ
تَلوحُ بِها المَساجِدُ باذِخاتِ
وَتَتَّصِلُ المَعاقِلُ شامِخاتُ
طِباقاً في العُلى مُتَفاوِتاتِ
سَما بَرٌّ بِها وَاِنحَطَّ بَرُّ
وَكَم أَرضٍ هُنالِكَ فَوقَ أَرضِ
وَرَوضٍ فَوقَ رَوضٍ فَوقَ رَوضِ
وَدورٍ بَعضُها مِن فَوقِ بَعضِ
كَسَطرٍ في الكِتابِ عَلاهُ سَطرِ
سُطورٌ لا يُحيطُ بِهِنَّ رَسمٌ
وَلا يُحصي مَعانيهِنَّ عِلمُ
إِذا قُرِئَت جَميعاً فَهيَ نَظمُ
وَإِن قُرِئَت فُرادى فَهيَ نَثرُ
تَأَرَّجُ كُلَّما اِقتَرَبَت وَتَزكو
وَيَجمَعُها مِنَ الآفاقِ سِلكُ
تُشاكِلُ ما بِهِ فَالقَصرُ فُلكُ
عَلى بُعدٍ لَنا وَالفُلكُ قَصرُ
وَنونٌ دونَها في البَحرِ نونُ
مِنَ البُسفورِ نَقَّطَها السَفينُ
كَأَنَّ السُبلَ فيهِ لَنا عُيونٌ
وَإِنسانُ السَفينَةِ لا يَقِرُّ
هُنالِكَ حَفَّتِ النُعمى خُطانا
وَحاطَتنا السَلامَةُ في حِمانا
فَأَلقَينا المَراسِيَ وَاِحتَوانا
بِناءٌ لِلخِلافَةِ مُشمَخِرُّ
فَيا مَن يَطلُبِ المَرأى البَديعا
وَيَعشَقهُ شَهيداً أَو سَميعا
رَأَيتَ مَحاسِنَ الدُنيا جَميعاً
فَهُنَّ الواوُ وَالبُسفورُ عَمرو

من ظن بعدك أن يقول رثاء

مَن ظَنَّ بَعدَكَ أَن يَقولَ رِثاءَ
فَليَرثِ مِن هَذا الوَرى مَن شاءَ
فَجَعَ المَكارِمَ فاجِعٌ في رَبِّها
وَالمَجدَ في بانيهِ وَالعَلياءَ
وَنَعى النُعاةُ إِلى المُروءَةِ كَنزَها
وَإِلى الفَضائِلِ نَجمَها الوَضّاءَ
أَأَبا مُحَمَّدٍ اِتَّئِد في ذا النَوى
وَاِرفُق بِآلِكَ وَاِرحَمِ الأَبناءَ
وَاِستَبقِ عِزَهُم بِطَهراءَ الَّتي
كانوا النُجومَ بِها وَكُنتَ سَماءَ
أَدجى بِها لَيلُ الخُطوبِ وَطالَما
مُلِأَت مَنازِلُها سَنىً وَسَناءَ
وَإِذا سُلَيمانَ اِستَقَلَّ مَحَلَّةً
كانَت بِساطاً لِلنَدى وَرَجاءَ
فَاِنظُر مِنَ الأَعوادِ حَولَكَ هَل تَرى
مِن بَعدِ طِبِّكَ لِلعُفاةِ دَواءَ
سارَت جَنازَةُ كُلِّ فَضلٍ في الوَرى
لَمّا رَكِبتَ الآلَةَ الحَدباءَ
وَتَيَتَّمَ الأَيتامُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَرَمى الزَمانُ بِصَرفِهِ الفُقَراءَ
وَلَقَد عَهِدتُكَ لا تُضَيِّعُ راجِياً
وَاليَومَ ضاعَ الكُلُّ فيكَ رَجاءَ
وَعَلِمتُ أَنَّكَ مَن يَوَدُّ وَمَن يَفي
فَقِفِ الغَداةَ لَوِ اِستَطَعتَ وَفاءَ
وَذَكَرتُ سَعيَكَ لي مَريضاً فانِياً
فَجَعَلتُ سَعيِيَ بِالرِثاءِ جَزاءَ
وَالمَرءُ يُذكَرُ بِالجَمائِلِ بَعدَهُ
فَاِرفَع لِذِكرِكَ بِالجَميلِ بِناءَ
وَاِعلَم بِأَنَّكَ سَوفَ تُذكَرُ مَرَّةً
فَيُقالُ أَحسَنَ أَو يُقالُ أَساءَ
أَبَنيهِ كونوا لِلعِدى مِن بَعدِهِ
كَيداً وَكونوا لِلوَلِيِّ عَزاءَ
وَتَجَلَّدوا لِلخَطبِ مِثلَ ثَباتِهِ
أَيّامَ يُدافِعُ الأَرزاءَ
وَاللَهُ ما ماتَ الوَزيرُ وَكُنتُمُ
فَوقَ التُرابِ أَعِزَّةً أَحياءَ

طوي البساط وجفت الأقداح

طُوِيَ البِساطُ وَجَفَّتِ الأَقداحُ
وَغَدَت عَواطِلٌ بَعدَكَ الأَفراحُ
وَاِنفَضَّ نادٍ بِالشَآمِ وَسامِرٌ
في مِصرَ أَنتَ هَزارُهُ الصَدّاحُ
وَتَقَوَّضَت لِلفَنِّ أَطوَلُ سَرحَةٍ
يُغدى إِلى أَفيائِها وَيُراحُ
وَاللَهِ ما أَدري وَأَنتَ وَحيدُهُ
أَعَلَيهِ يُبكى أَم عَلَيكَ يُناحُ
إِسحاقُ ماتَ فَلا صَبوحَ وَمَعبَدٌ
أَودى فَلَيسَ مَعَ الغَبوقِ فَلاحُ
مَلِكُ الغِناءِ أَزالَهُ عَن تَختِهِ
قَدَرٌ يُزيلُ الراسِياتِ مُتاحُ
في التُربِ فَوقَ بَني سُوَيفَ يَتيمَةٌ
وَمِنَ الجَواهِرِ زَيِّفٌ وَصِحاحُ
ما زالَ تاجُ الفَنِّ تَيّاهاً بِها
حَتّى اِستَبَدَّ بِها الرَدى المُجتاحُ
لَو تَستَطيعُ كَرامَةً لِمَكانِها
مَشَتِ الرِياضُ إِلَيهِ وَالأَدواحُ
رُحماكَ عَبدَ الحَيِّ أُمُّكَ شَيخَةٌ
قَعَدَت وَهيضَ لَها الغَداةَ جَناحُ
كُسِرَت عَصاها فَهيَ بِلا عَصاً
وَقَضى فَتاها الأَجوَدُ المِسماحُ
اللَهُ يَعلَمُ إِن يَكُن في قَلبِها
جُرحٌ فَفي أَحشاءِ مِصرَ جِراحُ
وَالناسُ مَبكِيٌّ وَباكٍ إِثرَهُ
وَبُكا الشُعوبِ إِذا النَوابِغُ طاحوا
كانَ النَدامى إِن شَدَوتَ وَعاقَروا
سِيّانَ صَوتُكَ بَينَهُم وَالراحُ
فيما تَقولُ مُغَنِّياً وَمُحَدِّثاً
تَتَنافَسُ الأَسماعُ وَالأَرواحُ
فارَقتَ دُنيا أَرهَقَتكَ خَسارَةً
وَغَنِمتَ قُربَ اللَهِ وَهوَ رَباحُ
يا مُخلِفاً لِلوَعدِ وَعدُكَ مالَهُ
عِندي وَلا لَكَ في الضَميرِ بَراحُ
عَبَثَت بِهِ وَبِكَ المَنِيَّةُ وَاِنقَضى
سَبَبٌ إِلَيهِ بِأُنسِنا نَرتاحُ
لَمّا بَلَغنا بِالأَحِبَّةِ وَالمُنى
بابَ السُرورِ تَغَيَّبَ المِفتاحُ
زَعَموا نَعِيَّكَ في المَجامِعِ مازِحاً
هَيهاتَ في رَيبِ المَنونِ مِزاحُ
الجِدُّ غايَةُ كُلِّ لاهٍ لاعِبٍ
عِندَ المَنِيَّةِ يَجزَعُ المِفراحُ
رَمَتِ المَنايا إِذ رَمَينَكَ بُلبُلاً
أَراَهُ في شَرَكِ الحَياةِ جِماحُ
آهاتُهُ حُرَقُ الغَرامِ وَلَفظُهُ
سَجعُ الحَمامِ لَوَ انَّهُنَّ فِصاحُ
وَذَبَحنَ حَنجَرَةً عَلى أَوتارِها
تُؤسى الجِراحُ وَتُذبَحُ الأَتراحُ
وَفَلَلنَ مِن ذاكَ اللِسانِ حَديدَةً
يَخشى لَئيمٌ بَأسَها وَوَقاحُ
وَأَبَحنَ راحَتَكَ البِلى وَلَطالَما
أَمسى عَلَيها المالُ وَهوَ مُباحُ
روحٌ تَناهَت خِفَّةً فَتَخَيَّرَت
نُزُلاً تَقاصَرُ دونَهُ الأَشباحُ
قُم غَنِّ وِلدانَ الجِنانِ وَحورِها
وَاِبعَث صَداكَ فَكُلُّنا أَرواحُ

حلو الوعود متى وفاك

حلو الوعود متى وفاك
أتُراك منجزها تراك
من كل لفظ لو أذن
ت لأجله قبلت فاك
يروى الحلاوة عن ثنا
ياك العذاب وعن لمَاك
رخصت به الدنيا فكيـ
ـف إذا أنالته يداك
ظلما أقول جنى الهوى
لم يجن إلا مقلتاك
غدتا منية من رأيـ
ـت ورحت منية من رآك
والنفس تهلك مرّة
والنفس يشفيها الهلاك
من علم الأجفان في
أهدابها مدّ الشباك
وتصيّد الآساد بالـ
ـآجام تسلبها الحراك
يا قاسي القلب أتئد
وأقلّ جهدك في جفاك
ماذا انتفاعي فيك بالـ
ـرحماء من باكٍ وشاك
نفس قضت في الحب من
أولى برحمتها سواك

لا يقيمن على الضيم الأسد

لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد
نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد
كَبُرَ الشِبلُ وَشَبَّت نابُهُ
وَتَغَطّى مَنكِباهُ بِاللُبَد
اِترُكوهُ يَمشِ في آجامِهِ
وَدَعوهُ عَن حِمى الغابِ يَذُد
وَاِعرُضوا الدُنيا عَلى أَظفارِهِ
وَاِبعَثوهُ في صَحاراها يَصِد
فِتيَةَ الوادي عَرَفنا صَوتَكُم
مَرحَباً بِالطائِرِ الشادي الغَرِد
هُوَ صَوتُ الحَقِّ لَم يَبغِ وَلَم
يَحمِلِ الحِقدَ وَلَم يُخفِ الحَسَد
وَخَلا مِن شَهوَةٍ ما خالَطَت
صالِحاً مِن عَمَلٍ إِلّا فَسَد
حَرَّكَ البُلبُلُ عِطفَي رَبوَةٍ
كانَ فيها البومُ بِالأَيكِ اِنفَرَد
زَنبَقُ المُدنِ وَرَيحانُ القُرى
قامَ في كُلِّ طَريقٍ وَقَعَد
باكِراً كَالنَحلِ في أَسرابِها
كُلُّ سِربٍ قَد تَلاقى وَاِحتَشَد
قَد جَنى ما قَلَّ مِن زَهرِ الرُبا
ثُمَّ أَعطى بَدَلَ الزَهرِ الشُهُد
بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه
وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد
يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه
وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد
كُلَّما مَرَّ بِبابٍ دَقَّهُ
أَو رَأى داراً عَلى الدَربِ قَصَد
غادِياً في المُدنِ أَو نَحوَ القِرى
رائِحاً يَسأَلُ قِرشاً لِلبَلَد
أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ
أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد
لا تَرُدّوا يَدَهُم فارِغَةً
طالِبُ العَونِ لِمِصرٍ لا يُرَد
سَيَرى الناسُ عَجيباً في غَدٍ
يَغرِسُ القِرشُ وَيَبني وَيَلِد
يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ
مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد
أَو يَزيدَ البِرَّ داراً قَعَدَت
لِكِفاحِ السُلِّ أَو حَربِ الرَمَد
وَهوَ في الأَيدي وَفي قُدرَتِها
لَم يَضِق عَنهُ وَلَم يَعجِز أَحَد
تِلكَ مِصرُ الغَدِ تَبني مُلكَها
نادَتِ الباني وَجاءَت بِالعُدَد
وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها
ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد
وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها
حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد
مَثَلٌ مِن هِمَّةٍ قَد بَعُدَت
وَمَداها في المَعالي قَد بَعُد
رَدَّها العَصرُ إِلى أُسلوبِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِأَساليبَ جُدُد
البَنونَ اِستَنهَضوا آبائَهُم
وَدَعا الشِبلُ مِنَ الوادي الأَسَد
أَصبَحَت مِصرُ وَأَضحى مَجدُها
هِمَّةَ الوالِدِ أَو شُغلَ الوَلَد
هَذِهِ الهِمَّةُ بِالأَمسِ جَرَت
فَحَوَت في طَلَبِ الحَقِّ الأَمَد
أَيُّها الجيلُ الَّذي نَرجو لِغَدٍ
غَدُكَ العِزُّ وَدُنياكَ الرَغَد
أَنتَ في مَدرَجَةِ السَيلِ وَقَد
ضَلَّ مَن في مَدرَجِ السَيلِ رَقَد
قُدتَ في الحَقِّ فَقُد في مِثلِهِ
مِن نَواحي القَصدِ أَو سُبلِ الرَشَد
رُبَّ عامٍ أَنتَ فيهِ واجِدٌ
وَاِدَّخِر فيهِ لِعامٍ لا تَجِد
عَلِّمِ الآباءَ وَاِهتِف قائِلاً
أَيُّها الشَعبُ تَعاوَن وَاِقتَصِد
اِجمَعِ القِرشَ إِلى القِرشِ يَكُن
لَكَ مِن جَمعِهِما مالٌ لُبَد
اُطلِبِ القُطنَ وَزاوِل غَيرَهُ
وَاِتَّخِذ سوقاً إِذا سوقٌ كَسَد
نَحنُ قَبلَ القُطنِ كُنّا أُمَّةً
تَهبِطُ الوادي وَتَرعى وَتَرِد
قَد أَخَذنا في الصِناعاتِ المَدى
وَبَنَينا في الأَوالي ما خَلَد
وَغَزَلنا قَبلَ إِدريسَ الكُسا
وَنَسَجنا قَبلَ داوُدَ الزَرَد
إِن تَكُ اليَومَ لِواءً قائِداً
كَم لِواءٍ لَكَ بِالأَمسِ اِنعَقَد

فلوس الشغل ما تأخير

فلوس الشغل ما تأخيـ
ـر شغل اليوم من عاداتي
أين الحساب حساب بيت البيك هل
أحضرته لنراه في نظرات
هي ذي الدفاتر ناطقات في يدي
بكمال ضبط الدخل والنفقات
لخصتها لأميرتي وأتيت أعـ
ـرضها على الأعتاب مختصرات
ذا صادر ذا وارد ذا ساير
هذا حسابات أبو البركات
من بعد إنعامات جمكيات يو
ميات صرفيات توريدات
هذا جفالك ذا عمارات كما
هذا مطابخ ثم يا مولاتي
لا رأي لي في ثمُ يا حنا اختصر
يا ضيعة الأيام والساعات
هذا الخلاصة يا أميرة فاسمعي
لي بالقراريط وبالحبات
قد كان عند البيك من عام مضى
عشرون الفا حلوة الطلعات
ألفان منها مال ذاك العام والـ
ـباقي ضرائب تسعة لم تات
لم تأت كيف رأيتمو تحصيلها
هذا لعمري البغي في الغايات
حنا لقد أقعدتني وأقمتني
أكذاك يفعل سائر البيكات
لا إذ من العادات ما لا يستوى
فيه البكات لكونهم درجات
وبأيما كيفية تحصيلها
ومن الجباة فهنّ شر جباة
هل في دم الفلاح سر الكيميا
أم هل يدين لكل باغٍ عاتي
تحصيلها سهل مع القرصات والر
كيات والجلدات والشنقات
والضرب فوق الظهر وهو مطاوع
والضرب فوق البطن وهو مواتي
وأمرّ من ذا بيع واحدة النعا
ج أو التي بقيت من البقرات
الآن بان لي الرشاد بوجهه
وعرفت مصدر هذه الظلمات
وقنطت من مرجوّ عودك يا علي
ورجوع بيتك ظافر الرايات

قدمت بين يدي نفساً أذنبت

قَدَّمتُ بَينَ يَدَيَّ نَفساً أَذنَبَت
وَأَتَيتُ بَينَ الخَوفِ وَالإِقرارِ
وَجَعَلتُ أَستُرُ عَن سِواك ذُنوبَها
حَتّى عَبيتُ فَمُنَّ لي بِسِتارِ

سلام الله لا أرضى سلامي

سلام الله لا أرضى سلامي
فكل تحية دون المقام
وعين من رسول الله ترعى
وتحرس حامل الأمر الجُسام
وتنَجد مقلة في الله يقظى
وتخلفها على أمم نيام
تقلَّب في ليال من خطوب
تركن المسلمين بلا سلام
ومن عجبٍ قيامك في الليالي
وأنت الشمس في نظر الأنام
أحب خليفة الرحمن جهدي
وحب الله في حب الإمام
وأجعل عصره عنوان شعري
وحسن العقد يظهر في النظام
فإن نفت الموانع فيه حظى
فليس بفائت حظ الكلام
وقد يُرعى الغمام الأرض أذنا
وأين الأرض من سمع الغمام

قف بهذا البحر وانظر ما غمر

قِف بِهَذا البَحرِ وَاُنظُر ما غَمَر
مَظهَرَ الشَمسِ وَإِقبالَ القَمَر
وَاَعرِضِ المَوجَ مَلِيّاً هَل تَرى
غَمرَةً أَودَت بِخَوّاصِ الغُمَر
أَخَذَت ناحِيَةَ الحَقِّ بِهِ
وَسَبيلَ الناسِ في خالي العُصُر
مَنَعَ اللُبثَ وَإِن طالَ المَدى
فَلَكٌ ما لِعَصاهُ مُستَقَر
دائِرُ الدولابِ بِالناسِ عَلى
جانِبَيهِ المُرتَقى وَالمُنحَدَر
نَقَضَ الإيوانَ مِن آساسِهِ
وَأَتى الأَهرامَ مِن أُمِّ الحُجَر
وَمَحا الحَمراءَ إِلّا عَمَداً
نَزعُها مِن عَضُدِ الأَرضِ عَسِر
أَينَ رومِيَّةُ ما قَيصَرُها
ما لَياليها المُرِنّاتُ الوَتَر
أَينَ وادي الطَلحِ وَاللائي بِهِ
مِن دُمىً يَسحَبنَ في المِسكِ الحِبَر
أَينَ نابِلِيونُ ما غاراتُهُ
شَنَّها الدَهرُ عَلَيهِ مِن غِيَر
أَيُّها الساكِنُ في ظِلِّ المُنى
نَم طَويلاً قَد تَوَسَّدتَ الزَهَر
شَجَرٌ نامٍ وَظِلٌّ سابِغٌ
بَيدَ أَنَّ الصِلَّ في أَصلِ الشَجَر
يَذَرُ المَرءُ وَيَأتي ما اِشتَهى
وَقَضاءُ اللَهِ يَأتي وَيَذَر
كُلُّ مَحمولٍ عَلى النَعشِ أَخٌ
لَكَ صافٍ وُدُّهُ بَعدَ الكَدَر
إِن تَكُن سِلماً لَهُ لَم يَنتَفِع
أَو تَكُن حَرباً فَقَد فاتَ الضَرَر
راكِبَ البَحرِ أَمَوجٌ ما تَرى
أَم كِتابُ الدَهرِ أَم صُحفُ القَدَر
لُجَّةٌ كَاللَوحِ لا يُحصى عَلى
قَلَمِ القُدرَةِ فيها ما سُطِر
فَتَلَفَّت وَتَنَسَّم حِكمَةً
وَاِلمِس العِبرَةَ مِن بَينِ الفِقَر
وَتَأَمَّل مَلعَباً أَعجَبُهُ
آيَةً جانِبُهُ المُرخى السُتُر
هَهُنا تَمشي الجَواري مَرَحاً
وَجَواري الدَهرِ يَمشينَ الخَمَر
رُبَّ سَيفٍ ضَرَبَ الجَمعُ بِهِ
في كُنوزِ البَحرِ مَطروحَ الكِسَر
وَنِجادَ لَم يُطاوَل ضَحوَةً
نالَهُ الفَجرُ عِشاءً بِالقِصَر
وَسَفينَ آمِرٍ فيها البِلى
طالَما أَوحَت إِلَيهِ فَأتَمَر
وَوُجوهٍ ذَهَبَ الماءُ بِها
في نَهارِ الفَرقِ أَو لَيلِ الشَعَر
وَعُيونٍ ساجِياتٍ سُجِّيَت
بِرُفاتِ السِحرِ أَو فَلِّ الحَوَر
قُل لِلَيثٍ خُسِفَ الغيلُ بِهِ
بَينَ طِمٍّ وَظَلامٍ مُعتَكِر
اُنظُرِ الفُلكَ أَمِنها أَثَرٌ
هَكَذا الدُنيا إِذا المَوتُ حَضَر
هَذِهِ مَنزِلَةٌ لَو زِدتَها
ضاقَ عَنكَ السَعدُ أَو ضاقَ العُمُر
فَاِمضِ شَيخاً في هَوى المَجدِ قَضى
رَحمَةَ المَجدِ وَرِفقاً بِالكِبَر
ميتَةٌ لَم تَلقَ مِنها عَلَزاً
مِن وَقارِ اللَيثِ أَن لا يُحتَضَر
أَنتُمُ القَومُ حِمى الماءِ لَكُم
يَرجِعُ الوِردُ إِلَيكُم وَالصَدَر
لُجَجُ الدَأماءِ أَوطانٌ لَكُم
وَمِنَ الأَوطانِ دورٌ وَحُفَر
لَستَ في البَحرِ وَحيداً فَاِستَضِف
فيهِ آباءَكَ تَنزِل بِالدُرَر
رَسَبوا فيهِ كِراماً وَطَفا
طائِفُ النَصرِ عَلَيهِم وَالظَفَر
نَشَأَ النيلُ إِلَيكُم سيرَةً
لَكُمو فيها عِظاتٌ وَعِبَر
إِقرَأوها يُكشَفُ العَصرُ لَكُم
كُلُّ عَصرٍ بِرِجالٍ وَسِيَر
لا تَقولوا شاعِرُ الوادي غَوى
مَن يُغالِط نَفسَهُ لا يُعتَبَر
مَوقِفُ التاريخِ مِن فَوقِ الهَوى
وَمَقامُ المَوتِ مِن فَوقِ الهَذَر
لَيسَ مَن ماتَ بِخافٍ عَنكُمو
أَو قَليلِ الفِعلِ فيكُم وَالأَثَر
شِدتُمو دُنياهُ في أَحسَنِها
غَزوَةَ السودانِ وَالفَتحِ الأَغَر
وَبَنى مَملَكَةَ النوبِ بِكُم
فَاِذكُروا القَتلى وَلا تَنسوا البِدَر
وَاِحذَروا مِن قِسمَةِ النيلِ فَيا
ضَيعَةَ الوادي إِذا النيلُ شُطِر
رَجُلٌ لَيسَ اِبنَ قارونَ وَلا
بِاِبنِ عادِيٍّ مِنَ العَظمِ النَخِر
لَيسَ بِالزاخِرِ في العِلمِ وَلا
هُوَ يَنبوعُ البَيانِ المُنفَجِر
رَضَعَ الأَخلاقَ مِن أَلبانِها
إِنَّ لِلأَخلاقِ وَقعاً في الصِغَر
وَرَآها صورَةً في أُمَّةٍ
وَمِنَ القُدوَةِ ما توحي الصُوَر
ذَلِكَ المَجدُ وَهَذي سُبلُهُ
بَيِّنٌ فيها سُبلُ المُعتَذِر
أَبَعدَ الساعونَ يَبغونَ المَدى
وَالمَدى في المَجدِ دانٍ لِنَفَر
كَجيادِ السَبقِ لَن تُغنِيَها
أَدَواتُ السَبقِ ما تُغني الفِطَر
وَجَناحُ السِلمِ إِلّا أَنَّها
ساعَةَ الرَوعِ جَناحٌ مِن سَقَر
مِن حَديدٍ جانِباها سابِغٍ
رَبَضَ المَوتُ عَلَيهِ وَفَغَر
أَشبَهَت أَفواهُها أَعجازَها
قُنفُذٌ في اليَمِّ مَشروعُ الإِبَر
أَرهَفَت سَمعَ العَصا وَاِكتَحَلَت
إِثمِدَ الزَرقاءِ في عَرضِ السَدَر
وَتُؤَدّي القَولَ لا يَسبِقُها
رُسُلُ الأَرواحِ في نَقلِ الفِكَر
خَطَرَت في مِحجَرَيها وَمَشَت
بِعُيونِ المُلكِ في بَحرٍ وَبَر
غابَةٌ تَجري بِسُلطانِ الشَرى
خادِراً مِن أَلفِ نابٍ وَظُفُر
وَإِذا المَوتُ إِلى النَفسِ مَشى
وَرَكِبتَ النَجمَ بِالمَوتِ عَثَر
رُبَّ ثاوٍ في الظُبى مُمتَنِعٍ
سَلَّهُ المِقدارُ مِن جَفنِ الحَذَر
تَسحَبُ الفولاذَ في مُلتَطَمٍ
بِالعَوادي مُتَعالٍ مُعتَكِر
لَو أَشارَت جاءَها ساحِلُه
في حَديدٍ وَعَديدٍ مُنتَصِر
أَو فَدى المَيِّتَ حَيٌّ فُدِيَت
بِوَقاحٍ في الجَواري وَخِفَر
بَعَثَ البَحرُ بِها كَالمَوجِ مِن
لُجَجِ السِندِ وَخُلجانِ الخَزَر
لَمَسَتها لِلمَقاديرِ يَدٌ
تَلمَسُ الماءَ فَيَرمي بِالشَرَر
ضَرَبَتها وَهيَ سِرٌّ في الدُجى
لَيسَ دونَ اللَهِ تَحتَ اللَيلِ سِر
وَجَفَت قَلباً وَخارَت جُؤجُؤاً
وَنَزَت جَنباً وَناءَت مِن أُخَر
طُعِنَت فَاِنبَجَسَت فَاِستَصرَخَت
فَأَتاها حينُها فَهيَ خَبَر

يا مكس دنياك عاره

يا مكس دنياك عاره
والموت كأس مداره
والدهر يوما ويوما
والحال طورا وتاره
والعيش زهر ربيع
قصير عمر النضارة
إذا بلغن التراقى
فكل ربح خساره
يا مكس قل لي أحق
قد وسّدوك الحجارة
وغيبوك طويلا
أشمَّ مثل المناره
عن أبيض الهند سلوالـ
ـعريش والجراره
ألم تكن وطنيا
بكل معنى العباره
فكم شهدت قتالا
وكم تورّدت غاره
وكم لبست صليبا
على الجبين وشاره
وكم نقلت جريحا
فمات بالاستشاره
يا مكس عشت نقيا
ومت خِذن طهاره
ما ضج منك زقاق
ولا اشتكت منك حاره
وما عضضت بحار
ولا هممت بجاره
ولا اشتملت جِلالا
على الخنا والدعاره
قد عشت في البيت عمرا
وليس في البيت فاره
في الهند كل فقير
هدّ الصيام فقاره
في الجو تخفى عليه
طريقك المختاره
لما جفاك ابن سينا
وهام بالسيارة
تفر منه وتجرى
كالنحلة الدوّاره
فلا إلى البوق تصغى
ولا إلى الزماره
وقد تهتّك فيها
حتى أضاع وقاره
حملت من ذاك غما
أذاب منك المراره
حتى انتحرت جريئا
والانتحار جساره
أرسلت رأسك يهوى
من ربوة لقراره