سر يا صليب الرفق في ساح الوغى

سِر يا صَليبَ الرِفقِ في ساحِ الوَغى
وَاِنشُر عَلَيها رَحمَةً وَحَنانا
وَاِدخِل عَلى المَوتِ الصُفوفَ مُواسِياً
وَأَعِن عَلى آلامِهِ الإِنسانا
وَاِلمُس جِراحاتِ البَرِيَّةِ شافِياً
ما كُنتَ إِلّا لِلمَسيحِ بَنانا
وَإِذا الوَطيسُ رَمى الشَبابَ بِنارِهِ
خُض كَالخَليلِ إِلَيهُمُ النيرانا
وَاِجعَل وَسيلَتَكَ المَسيحَ وَأُمَّهُ
وَاِضرَع وَسَل في خَلقِهِ الرَحمانا
اللَهُ جارُكَ في عَوانٍ لَم تَهَب
لِلَّهِ لا بِيَعاً وَلا صُلبانا
وَسَلِمتَ يا حَرَمَ المَعارِكِ مِن يَدٍ
هَدَمَت لِسِلمِ العالَمينَ كَيانا
يا أَهلَ مِصرَ رَمى القَضاءُ بِلُطفِهِ
وَأَرادَ أَمراً بِالبِلادِ فَكانا
إِنَّ الَّذي أَمرُ المَمالِكِ كُلِّها
بِيَدَيهِ أَحدَثَ في الكِنانَةِ شانا
أَبقى عَلَيها عَرشَها في بُرهَةٍ
تَرمي العُروشَ وَتَنثُرُ التيجانا
وَكَسا البِلادَ سَكينَةً مِن أَهلِها
وَوَقى مِنَ الفِتَنِ العِبادَ وَصانا
أَوَما تَرَونَ الأَرضَ خُرِّبَ نِصفُها
وَدِيارُ مِصرٍ لا تَزالُ جِنانا
يَرعى كَرامَتَها وَيَمنَعُ حَوضَها
جَيشٌ يَعافُ البَغيَ وَالعُدوانا
كَجُنودِ عَمروٍ أَينَما رَكَزوا القَنا
عَفّوا يَداً وَمُهَنَّداً وَسِنانا
إِنَّ الشُجاعَ هُوَ الجَبانُ عَنِ الأَذى
وَأَرى الجَريءَ عَلى الشُرورِ جَبانا
أُمَمُ الحَضارَةِ أَنتُمُ آباؤُنا
مِنكُم أَخَذنا العِلمَ وَالعِرفانا
رَقَّت لَكُم مِنّا القُلوبُ كَأَنَّما
جَرحاكُمُ يَومَ الوَغى جَرحانا
وَمِنَ المُروءَةِ وَهيَ حائِطُ دينِنا
أَن نَذكُرَ الإِصلاحَ وَالإِحسانا
وَلَئِن غَزاكُم مِن ذَوينا مَعشَرٌ
فَلَرُبَّ إِخوانٍ عَزَوا إِخوانا
حَتّى إِذا الشَحناءُ نامَت بَينَهُم
لَم يَعرِفوا الأَحقادَ وَالأَضغانا

وقف الهدهد في باب

وَقَفَ الهُدهُدُ في با
بِ سُلَيمانَ بِذِلَّه
قالَ يا مَولايَ كُن لي
عيشَتي صارَت مُمِلَّه
متُّ مِن حَبَّةِ بُرٍّ
أَحدَثَت في الصَدرِ غُلَّه
لا مِياهُ النيلِ تُروي
ها وَلا أَمواهُ دِجلَه
وَإِذا دامَت قَليلاً
قَتَلَتني شَرَّ قتلَه
فَأَشارَ السَيِّدُ العالي
إِلى مَن كانَ حَولَه
قَد جَنى الهُدهُدُ ذَنباً
وَأَتى في اللُؤمِ فَعلَه
تِلكَ نارُ الإِثمِ في الصَد
رِ وَذي الشَكوى تَعِلَّه
ما أَرى الحَبَّةَ إِلّا
سُرِقَت مِن بَيتِ نَملَه
إِنَّ لِلظالِمِ صَدراً
يَشتَكي مِن غَيرِ عِلَّه

جلوسك أم سلام العالمينا

جلوسك أم سلام العالمينا
وتاجك أم هلال العز فينا
ملكت فكنت خير المالكينا
وأنت أجلهم دنيا ودينا
سرير لم يكن بالمطمئن
وملك غادروه بغير ركن
نهضت تقيم مائله وتبنى
فكنت الركن والسبب المتينا
وَلِيتَ الأمر أقدرَ من يليه
تخاف الله فيه وترتجيه
وتمحو آية العهد السفيه
وتجمع كلمة المتفرّقينا
بوقت فيه للمك انقلاب
وللعرش اهتزاز وأضطراب
فقمت فقرّ في يدك العباب
وأوشكت العواصف أن تدينا
بوقت فيه للأعدا دبيب
إذا ما راح ذيب جاء ذيب
لكل حزبه وبه يريب
وكنت لربك الحزب الأمينا
عداوات ينشن الملك لدًَّا
وأحزاب من الأتراك أعدى
تخذت البعض ضدا البعض جندا
فغال المفسدون المفسدينا
تغيرت الرجال فلا رجال
وزَيَّنَ للغَرورين الضلال
فراموا والذي راموا محال
ومن يرم المحال فلن يكونا
تمنوا للعدو كما تمنى
ولما يسألوا الأحياء عنا
فلا تتشبهوا يا قوم إنا
عرفنا مصر المتشبهينا
حجابك عند يلدزك الجلال
وأنت لها وللدنيا جمال
تنال الخافقين ولا تُنال
إذا قلبتَ في الأفق الجفونا
يرفِّعك المقام عن أبتذال
وعن عبث الحوادث والرجال
ومن يك ملكه حرب الليالي
يجد لصروفها وله شؤونا
تعالجهنِّ في سلم وحرب
وتلقاهنِّ في شرق وغرب
وتدفعهنّ من بعد وقرب
وتثنيهن حتى ينثنينا
وحيدا تستعان ولا تعان
كأنك في تفرّدك الزمان
ولكن أنت منه لنا أمان
وأكبر أن تخون وأن تمينا
تلذ بما يشقّ على العباد
وتنعم بانفرادك والسهاد
رويدا في جفونك والفؤاد
ومهلا يا أمير المؤمنينا
وقبلك لم يُنم عمرَ الأنام
وقد سهرت رعيته الكرام
وقومك عند مرقدهم نيام
فهل تحصى على القوم السنينا
تردّ على الليالي كل سهم
ولا يرددن سهمك حين ترمى
تجير على حوادثها وتحمى
ولا يحمين منك المحتمينا
وكم كرب كشفت وعظم هول
بفعل منك لم يسبق بقول
وأسطول رددت بغير حول
تشيِّعه الخلائق ساخرينا
جمعت الأمر حين الأمر فوضى
وشرَّفتَ اللواء وكان أرضا
وحصنت القرى طولا وعرضا
بآساد يهيبِّن العرينا
وكم لك من فيالق من طراز
غدوا خير الجنود لخير غاز
إذا زحموا الضياغم في مجاز
أبادوها وكانوا العابرينا
سلاح من سلاح الموت أمضى
إذا الإيمان يوم الروع أنضى
وبأس ينزل الأجبال أرضا
ويركبها إلى الهيجا متونا
نظمت الجيش بالقلم الحميد
كنظمي فيك أبيات النشيد
فإن فتشت عن بيت القصيد
قرأت الفتح والنصر المبينا
وفتح في العدوّ لنا جليل
شفعناه من الصفح الجميل
بأجمل منه من فعل الجميل
فكنا القادرين الصافحينا
بطشت فلم تدع لهمو وجودا
وكان البطش إشفاقا وجودا
صدقت قياصر العصر الوعودا
تريهم كيف عهد الظافرينا
وقائع في الزمان هي الجسام
إذا ذكرت لنا سأل الأنام
أجيش للخليفة أم غمام
أظلَّ تساليا سمحا هتونا
وقبل النصر نصر قد تجلى
عُلاً في العصر آثارا وجلّى
ظهرت على الحوادث وهي جُلى
وأكمدت العدا والشامتينا
تخبط قومه فيك الخطيب
يريبك في المجامع ما يريب
فما سمع الهلال ولا الصليب
بغيرك في عقاب المعتدينا
يزيد سفاهة فتزيد حلما
لأنت أجل أخلاقا وأسمى
فكنت لساكن البلقان سلما
وكان محرّك الشر الكمينا
كفيت الخلق نارا قد أثارا
وللشرف الرفيع أخذت ثارا
وقد يمحو بك الإسلام عارا
إذا الإسلام في يوم أُهينا
بحزم ليس من قال وقيل
وعز ليس بالرجل العليل
وبطش من يدَى سمح منيل
كريم معرق في الأكرمينا
أسود الترك هبى ثم هبى
وهزى الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يحمى المواقع والحصونا
وحيِّى من أقامك يا قلاع
ومن لك تحت رايته أمتناع
فليس كهذه بشرى تذاع
ولا كجلوس ربك تعلنينا
أشيري يا أرامل للسماء
ويا أيتام ضجوا بالدعاء
ويا شهداء ناجوا بالبقاء
إذا سُمع الملائك هاتفينا
إذا شاقتكم الأوطان يوما
أو أشتقتم بها أهلا وقوما
فناموا في أمان الله نوما
فكل عند خير الكافلينا
أربَّ العيد هذا العيد يُجلَى
وكم لك من دعاء فيه يتلى
ولكن شاعر الإسلام أعلى
وأوقع في نفوس المسلمينا
لقد بيضت للملك الليالي
فليل الملك بالزينات حالي
وكم لك في القلوب من احتفال
يكاد الجسم عنه أن يبينا
وهذى مصر باسطة اليدين
تؤدّى من ولائك خير دين
وتلحظ عيدك الأسنى بعين
تفاجى بالهوى تلك العيونا
فهل عند الإمام لها قبول
وهل نحو الإمام لها وصول
فتشكو من جراح ما تزول
وكيف يزول ما بلغ الوتينا
أتتك تغض من طرف الحياء
تتوب إليك من ماضي الرياء
وتبسط في ثراك يد الرجاء
وتُلقى فيه آمال البنينا
فقابلها بعطفك والنوال
وأنزلها بسوحك والظلال
أدام الله ذاتك للمعالي
وأيَّد تاجها ورعى الجبينا

من ذلك المطل من لحيته

من ذلك المطلّ من لحيته
كالبغل من وراء مخلاة رنا
نسأل عن ذاك الذي انحنى على
صحيفة يقرا وولانا القفا
أجل أجل هذا القفا
هذا هو الدكتور

ابتغوا ناصية الشمس مكانا

اِبتَغوا ناصِيَةَ الشَمسِ مَكانا
وَخُذوا القِمَّةَ عَلَماً وَبَيانا
وَاِطلُبوا بِالعَبقَرِيّاتِ المَدى
لَيسَ كُلُّ الخَيلِ يَشهَدنَ الرِهنا
اِبعَثوها سابِقاتٍ نُجُبا
تَملَأُ المِضمارَ مَعنىً وَعِيانا
وَثِبوا لِلعِزِّ مِن صَهوَتِها
وَخُذوا المَجدَ عِناناً فَعِنانا
لا تُثيبوها عَلى ما قَلَّدَت
مِن أَيادٍ حَسَداً أَو شَنَآنا
وَضَئيلٍ مِن أُساةِ الحَيِّ لَم
يُعنَ بِاللَحمِ وَبِالشَحمِ اِختِزانا
ضامِرٍ في شُفعَةٍ تَحسَبُهُ
نِضوَ صَحراءَ اِرتَدى الشَمسَ دِهانا
أَو طَبيباً آيِباً مِن طيبَةٍ
لَم تَزَل تَندى يَداهُ زَعفَرانا
تُنكِرُ الأَرضُ عَلَيهِ جِسمَهُ
وَاِسمُهُ أَعظَمُ مِنها دَوَرانا
نالَ عَرشَ الطِبِّ أُمحوتَبٍ
وَتَلَقّى مِن يَدَيهِ الصَولَجانا
يا لِأَمحوتَبَ مِن مُستَألِهٍ
لَم يَلِد إِلّا حَوارِيّاً هِجانا
خاشِعاً لِلَّهِ لَم يُزهَ وَلَم
يُرهِقِ النَفسَ اِغتِراراً وَاِفتِتانا
يَلمُسُ القُدرَةُ لَمساً كُلَّما
قَلَبَ المَوتى وَجَسَّ الحَيَوانا
لَو يُرى اللَهُ بِمِصباحٍ لَما
كانَ إِلّا العِلمَ جَلَّ اللَهُ شانا
في خِلالٍ لَفَتَت زَهرَ الرُبى
وَسَجايا أَنِسَت الشَربَ الدِنانا
لَو أَتاهُ موجَعاً حاسِدُهُ
سَلَّ مِن جَنَبِ الحَسودِ السَرطانا
خَيرُ مَن عَلَّمَ في القَصرِ وَمَن
شَقَّ عَن مُستَتِرِ الداءِ الكِنانا
كُلُّ تَعليمٍ نَراهُ ناقِصاً
سُلَّمٌ رَثٌّ إِذا اِستُعمِلَ خانا
دَرَكٌ مُستَحدَثٌ مِن دَرَجٍ
وَمِنَ الرِفعَةِ ما حَطَّ الدُخانا
لا عَدِمنا لِلسُيوطِيِّ يَداً
خُلِقَت لِلفَتقِ وَالرَتقِ بَنانا
تَصرِفِ المِشرَطَ لِلبُرءِ كَما
صَرَفَ الرُمحُ إِلى النَصرِ السِنانا
مَدَّها كَالأَجَلِ المَبسوطِ في
طَلَبِ البُرءِ اِجتِهاداً وَاِفتِنانا
تَجِدُ الفولاذَ فيها مُحسِناً
أَخَذَ الرِفقَ عَلَيها وَاللِيانا
يَدُ إِبراهيمَ لَو جِئتَ لَها
بِذَبيحِ الطَيرِ عادَ الطَيَرانا
لَم تَخِط لِلناسِ يَوماً كَفَناً
إِنَّما خاطَت بَقاءً وَكِيانا
وَلَقَد يُؤسى ذَوو الجَرحى بِها
مِن جِراحِ الدَهرِ أَو يُشفى الحَزانى
نَبَغَ الجيلُ عَلى مِشرَطِها
في كِفاحِ المَوتِ ضَرباً وَطِعانا
لَو أَتَت قَبلَ نُضوجِ الطِبِّ ما
وَجَدَ التَنويمُ عَوناً فَاِستَعانا
يا طِرازاً يَبعَثُ اللَهُ بِهِ
في نَواحي مُلكِهِ آناً فَآنا
مِن رِجالٍ خُلِقوا أَلوِيَةً
وَنُجوماً وَغُيوثاً وَرِعانا
قادَةُ الناسِ وَإِن لَم يَقرُبوا
طَبَعاتِ الهِندِ وَالسُمرَ اللِدانا
وَغَذاءَ الجيلِ فَالجيلِ وَإِن
نَسِيَ الأَجيالُ كَالطِفلِ اللِبانا
وَهُمو الأَبطالُ كانَت حَربُهُم
مُنذُ شَنّوها عَلى الجَهلِ عَوانا
يا أَخي وَالذُخرُ في الدُنيا أَخٌ
حاضِرُ الخَيرِ عَلى الخَيرِ أَعانا
لَكَ عِندَ اِبنَي أَو عِندي يَدٌ
لَستُ آلوها اِدِّكاراً أَو صِيانا
حَسُنَت مِنّي وَمِنهُ مَوقِعاً
فَجَعَلنا حِرزَها الشُكرَ الحُسانا
هَل تَرى أَنتَ فَإِنّي لَم أَجِد
كَجَميلِ الصُنعِ بِالشُكرِ اِقتِرانا
وَإِذا الدُنيا خَلَت مِن خَيرٍ
وَخَلَت مِن شاكِرٍ هانَت هَوانا
دَفَعَ اللَهُ حُسَيناً في يَدٍ
كَيَدِ الأَلطافِ رِفقاً وَاِحتِضانا
لَو تَناوَلتُ الَّذي قَد لَمَسَت
مِنهُ ما زِدتُ حِذاراً وَحَنانا
جُرحُهُ كانَ بِقَلبي يا أَباً
لا أُنَبّيهِ بِجُرحي كَيفَ كانا
لَطَفَ اللَهُ فَعوفينا مَعاً
وَاِرتَهَنّا لَكَ بِالشُكرِ لِسانا

غالب الأمر بالتوكل غالب

غالب الأمر بالتوكل غالب
وأطلب العون في جميع المطالب
رُبَّ أمر به تضيق المساعي
لك منه إلى الفضاء مذاهب

يا ليت شعري والأفهام حائرة

يا ليت شعري والأفهام حائرة
ما غية اللورد في تلك الزغاليل
إنى لأخشى إذا ربى خوافيها
أن تستحيل إلى طير أبابيل

سماؤك يا دنيا خداع سراب

سَماؤُكِ يا دُنيا خِداعُ سَرابِ
وَأَرضُكِ عُمرانٌ وَشيكُ خَرابِ
وَما أَنتِ إِلّا جيفَةٌ طالَ حَولَها
قِيامُ ضِباعٍ أَو قُعودُ ذِئابِ
وَكَم أَلجَأَ الجوعُ الأُسودَ فَأَقبَلَت
عَلَيكِ بِظُفرٍ لَم يَعِفَّ وَنابِ
قَعَدتِ مِنَ الأَظعانِ في مَقطَعَ السُرى
وَمَرّوا رِكاباً في غُبارِ رِكابِ
وَجُدتِ عَلَيهِم في الوَداعِ بِساخِرٍ
مِنَ اللَحظِ عَن مَيتِ الأَحِبَّةِ نابي
أَقاموا فَلَم يُؤنِسكِ حاضِرُ صُحبَةٍ
وَمالوا فَلَم تَستَوحِشي لِغِيابِ
تَسوقينَ لِلمَوتِ البَنينَ كَقائِدٍ
يَرى الجَيشَ خَلقاً هَيِّناً كَذُبابِ
رَأى الحَربَ سُلطاناً لَهُ وَسَلامَةً
وَإِن آذَنَت أَجنادَهُ بِتَبابِ
وَلَولا غُرورٌ في لُبانِكَ لَم يَجِد
بَنوكِ مَذاقَ الضُرِّ شَهدَ رُضابِ
وَلا كُنتِ لِلأَعمى مَشاهِدَ فِتنَةٍ
وَلِلمُقعَدِ العاني مَجالَ وَثابِ
وَلا ضَلَّ رَأيُ الناشِيءِ الغِرِّ في الصِبا
وَلا كَرَّ بَعدَ الفُرصَةِ المُتَصابي
وَلا حَسِبَ الحَفّارُ لِلمَوتِ بَعدَما
بَنى بِيَدَيهِ القَبرَ أَلفَ حِسابِ
يَقولونَ يَرثي كُلَّ خِلٍّ وَصاحِبٍ
أَجَل إِنَّما أَقضى حُقوقَ صِحابي
جَزَيتُهُمُ دَمعي فَلَمّا جَرى المَدى
جَعَلتُ عُيونَ الشِعرِ حُسنَ ثَوابي
كَفى بِذُرى الأَعوادِ مِنبَرَ واعِظٍ
وَبِالمُستَقِلّيها لِسانَ صَوابِ
دَعَوتُكَ يا يَعقوبُ مِن مَنزِلِ البِلى
وَلَولا المَنايا ما تَرَكتَ جَوابي
أُذَكِّرُكَ الدُنيا وَكَيفَ وَلَم يَزَل
لَها أَثَرا شَهدٍ بِفيكَ وَصابِ
حَمَلنا إِلَيكَ الغارَ بِالأَمسِ ناضِراً
وَسُقنا كِتابَ الحَمدِ تِلوَ كِتابِ
وَما اِنفَكَّتِ الدُنيا وَإِن قَلَّ لُبثُها
لِسانَ ثَوابٍ أَو لِسانَ عِقابِ
أَلا في سَبيلِ العِلمِ خَمسونَ حِجَّةً
مَضَت بَينَ تَعليمٍ وَبَينَ طِلابِ
قَطَعتَ طَوالَي لَيلِها وَنَهارِها
بِآمالِ نَفسٍ في الكَمالِ رِغابِ
رَأى اللَهُ أَن تُلقى إِلَيكَ صَحيفَةٌ
فَنَزَّهتَها عَن هَوشَةٍ وَكِذابِ
وَلَم تَتَّخِذها آلَةَ الحِقدِ وَالهَوى
وَلا مُنتَدى لَغوٍ وَسوقَ سِبابِ
مَشَينا بِنورَي عِلمِها وَبَيانِها
فَلَم نَسرِ إِلّا في شُعاعِ شِهابِ
وَعِشنا بِها جيلَينِ قُمتَ عَلَيهِما
مُعَلِّمَ نَشءٍ أَو إِمامَ شَبابِ
رَسائِلُ مِن عَفوِ الكَلامِ كَأَنَّها
حَواشي عُيونٍ في الطُروسِ عِذابِ
هِيَ المَحضُ لا يَشقى بِهِ اِبنُ تَميمَةٍ
غِذاءً وَلا يَشقى بِهِ اِبنُ خِضابِ
سُهولٌ مِنَ الفُصحى وَقَفتَ بِها الهَوى
عَلى ما لَدَيها مِن رُبىً وَهِضابِ
وَما ضِعتَ بَينَ الشَرقِ وَالغَربِ مِشيَةً
كَما قيلَ في الأَمثالِ حَجلُ غُرابِ
فَلَم أَرَ أَنقى مِنكَ سُمعَةَ ناقِلٍ
إِذا وَسَمَ النَقلُ الرِجالَ بِعابِ
وَكَم أَخَذَ القَولَ السَرِيَّ مُعَرِّبٌ
فَما رَدَّهُ لِاِسمٍ وَلا لِنِصابِ
وَفَدتَ عَلى الفُصحى بِخَيراتِ غَيرِها
فَوَاللَهِ ما ضاقَت مَناكِبَ بابِ
وَقِدماً دَنَت يونانُ مِنها وَفارِسٌ
وَروما فَحَلّوا في فَسيحِ رِحابِ
تَبَتَّلتَ لِلعِلمِ الشَريفِ كَأَنَّهُ
حَقيقَةُ تَوحيدٍ وَأَنتَ صَحابي
وَجَشَّمتَ مَيدانَ السِياسَةِ فارِساً
وَكُلُّ جَوادٍ في السِياسَةِ كابي
وَكُنّا وَنَمرٌ في شِغابٍ فَلَم يَزَل
بِنا الدَهرُ حَتّى فَضَّ كُلَّ شِغابِ
رَأى الثَورَةَ الكُبرى فَسَلَّ يَراعَهُ
لِتَحطيمِ أَغلالٍ وَفَكِّ رِقابِ
وَما الشَرقُ إِلّا أُسرَةٌ أَو عَشيرَةٌ
تَلُمُّ بَنيها عِندَ كُلِّ مُصابِ
سَلامٌ عَلى شَيخِ الشُيوخِ وَرَحمَةٌ
تَحَدَّرُ مِن أَعطافِ كُلِّ سَحابِ
وَرَفّافُ رَيحانٍ يَروحُ وَيَغتَدي
عَلى طَيِّباتٍ في الخِلالِ رِطابِ
وَذِكرى وَإِن لَم نَنسَ عَهدَكَ ساعَةً
وَشَوقٌ وَإِن لَم نَفتَكِر بِإِيابِ
وَوَيحَ السَوافي هَل عَرَضنَ عَلى البِلى
جَبينَكَ أَم سَتَّرنَهُ بِحِجابِ
وَهَل صُنَّ ماءً كانَ فيهِ كَأَنَّهُ
حَياءُ بَتولٍ في الصَلاةِ كَعابِ
وَيا لِحَياةٍ لَم تَدَع غَيرَ سائِلٍ
أَكانَت حَياةً أَم خَلِيَّةَ دابِ
وَأَينَ يَدٌ كانَت وَكانَ بَنانُها
يَراعَةَ وَشيٍ أَو يَراعَةَ غابِ
وَلَهفي عَلى الأَخلاقِ في رُكنِ هَيكَلٍ
بِبَطنِ الثَرى رَثِّ المَعالِمِ خابي
نَعيشُ وَنَمضي في عَذابٍ كَلَذَّةٍ
مِنَ العَيشِ أَو في لَذَّةٍ كَعَذابِ
ذَهَبنا مِنَ الأَحلامِ في كُلِّ مَذهَبٍ
فَلَمّا اِنتَهَينا فُسِّرَت بِذَهابِ
وَكُلُّ أَخي عَيشٍ وَإِن طالَ عَيشُهُ
تُرابٌ لَعَمرُ المَوتِ وَاِبنُ تُرابِ

ما جل فيهم عيدك المأثور

ما جَلَّ فيهِم عيدُكَ المَأثورُ
إِلّا وَأَنتَ أَجَلُّ يا فِكتورُ
ذَكَروكَ بِالمِئَةِ السِنينَ وَإِنَّها
عُمرٌ لِمِثلِكَ في النُجومِ قَصيرُ
سَتدومُ ما دامَ البَيانُ وَما اِرتَقَت
لِلعالَمينَ مَدارِكٌ وَشُعورُ
وَلَئِن حُجِبتَ فَأَنتَ في نَظَرِ الوَرى
كَالنَجمِ لَم يُرَ مِنهُ إِلّا النورُ
لَولا التُقى لَفَتَحتُ قَبرَكَ لِلمَلا
وَسَأَلتُ أَينَ السَيِّدَ المَقبورُ
وَلَقُلتُ يا قَومُ اُنظُروا اِنجيلَكُم
هَل فيهِ مِن قَلَمِ الفَقيدِ سُطورُ
مَن بَعدَهُ مَلَكَ البَيانَ فَعِندَكُم
تاجٌ فَقَدتُم رَبَّهُ وَسَريرُ
ماتَ القَريضُ بِمَوتِ هوجو وَاِنقَضى
مُلكُ البَيانِ فَأَنتُمُ جُمهورُ
ماذا يَزيدُ العيدُ في إِجلالِهِ
وَجَلالُهُ بِيَراعِهِ مَسطورِ
فَقَدَت وُجوهَ الكائِناتِ مُصَوِّراً
نَزَلَ الكَلامُ عَلَيهِ وَالتَصويرُ
كُشِفَ الغَطاءُ لَهُ فَكُلُّ عِبارَةٍ
في طَيِّها لِلقارِئينَ ضَميرُ
لَم يُعيِهِ لَفظٌ وَلا مَعنىً وَلا
غَرَضٌ وَلا نَظمٌ وَلا مَنثورُ
مُسلي الحَزينِ يَفُكُّهُ مِن حُزنِهِ
وَيَرُدُّهُ لِلَّهِ وَهوَ قَريرُ
ثَأَرَ المُلوكُ وَظَلَّ عِندَ إِبائِهِ
يَرجو وَيَأمَلُ عَفوَهُ المَثؤورُ
وَأَعارَ واتِرلو جَلالَ يَراعِهِ
فَجَلالُ ذاكَ السَيفِ عَنهُ قَصيرُ
يا أَيُّها البَحرُ الَّذي عَمَّرَ الثَرى
وَمِنَ الثَرى حُفَرٌ لَهُ وَقُبورُ
أَنتَ الحَقيقَةُ إِن تَحَجَّبَ شَخصُها
فَلَها عَلى مَرِّ الزَمانِ ظُهورُ
اِرفَع حِدادَ العالَمينَ وَعُد لَهُم
كَيما يُعَيِّدَ بائِسٌ وَفَقيرُ
وَاِنظُر إِلى البُؤَساءِ نَظرَةَ راحِمٍ
قَد كانَ يُسعَدُ جَمعَهُم وَيُجيرُ
الحالُ باقِيَةٌ كَما صَوَّرتَها
مِن عَهدِ آدَمَ ما بِها تَغييرُ
البُؤسُ وَالنُعمى عَلى حالَيهِما
وَالحَظُّ يَعدِلُ تارَةً وَيَجورُ
وَمِنَ القَوِيِّ عَلى الضَعيفِ مُسَيطِرٌ
وَمِنَ الغَنِيِّ عَلى الفَقيرِ أَميرُ
وَالنَفسُ عاكِفَةٌ عَلى شَهَواتِها
تَأوي إِلى أَحقادِها وَتَثورُ
وَالعَيشُ آمالٌ تَجِدُّ وَتَنقَضي
وَالمَوتُ أَصدَقُ وَالحَياةُ غُرورُ

كنيسة صارت إلى مسجد

كَنيسَةٌ صارَت إِلى مَسجِدِ
هَدِيَّةُ السَيِّدِ لِلسَيِّدِ
كانَت لِعيسى حَرَماً فَاِنتَهَت
بِنُصرَةِ الروحِ إِلى أَحمَدِ
شَيَّدَها الرومُ وَأَقيالُهُمُ
عَلى مِثالِ الهَرَمِ المُخلَدِ
تُنبِئُ عَن عِزٍّ وَعَن صَولَةٍ
وَعَن هَوىً لِلدينِ لَم يَخمُدِ
مَجامِرُ الياقوتِ في صَحنِها
تَملُؤُهُ مِن نَدِّها الموقَدِ
وَمِثلُ ما قَد أودِعَت مِن حُلىً
لَم تَتَّخِذ داراً وَلَم تُحشَدِ
كانَت بِها العَذراءُ مِن فَضَّةٍ
وَكانَ روحُ اللَهِ مِن عَسجَدِ
عيسى مِنَ الأُمِّ لَدى هالَةٍ
وَالأُمُّ مِن عيسى لَدى فَرقَدِ
جَلّاهُما فيها وَحَلّاهُما
مُصَوِّرُ الرومِ القَديرُ اليَدِ
وَأَودَعَ الجُدرانَ مِن نَقشِهِ
بَدائِعاً مِن فَنِّهِ المُفرَدِ
فَمِن مَلاكٍ في الدُجى رائِحٍ
عِندَ مَلاكٍ في الضُحى مُغتَدي
وَمِن نَباتٍ عاشَ كَالبَبَّغا
وَهوَ عَلى الحائِطِ غَضٌّ نَدي
فَقُل لِمَن شادَ فَهَدَّ القُوى
قُوى الأَجيرِ المُتعَبِ المُجهَدِ
كَأَنَّهُ فِرعَونُ لَمّا بَنى
لِرَبِّهِ بَيتاً فَلَم يَقصِدِ
أَيُعبَدُ اللَهُ بِسَومِ الوَرى
ما لا يُسامُ العَيرُ في المِقوَدِ
كَنيسَةٌ كَالفَدَنِ المُعتَلي
وَمَسجِدٌ كَالقَصرِ مِن أَصيَدِ
وَاللَهُ عَن هَذا وَذا في غِنىً
لَو يَعقِلُ الإِنسانُ أَو يَهتَدي
قَد جاءَها الفاتِحُ في عُصبَةٍ
مِنَ الأُسودِ الرُكَّعِ السُجَّدِ
رَمى بِهِم بُنيانَها مِثلَما
يَصطَدِمُ الجَلمَدُ بِالجَلمَدِ
فَكَبَّروا فيها وَصَلّى العِدا
وَاِختَلَطَ المَشهَدُ بِالمَشهَدِ
وَما تَوانى الرومُ يَفدونَها
وَالسَيفُ في المُفدِيِّ وَالمُفتَدي
فَخانَها مِن قَيصَرٍ سَعدُهُ
وَأُيِّدَت بِالقَيصَرِ الأَسعَدِ
بِفاتِحٍ غازٍ عَفيفِ القَنا
لا يَحمِلُ الحِقدَ وَلا يَعتَدي
أَجارَ مَن أَلقى مَقاليدَهُ
مِنهُم وَأَصفى الأَمنَ لِلمُرتَدي
وَنابَ عَمّا كانَ مِن زُخرُفٍ
جَلالَةُ المَعبودِ في المَعبَدِ
فَيا لِثَأرٍ بَينَنا بَعدَهُ
أَقامَ لَم يَقرُب وَلَم يَبعُدِ
باقٍ كَثَأرِ القُدسِ مِن قَبلِهِ
لا نَنتَهي مِنهُ وَلا يَبتَدي
فَلا يَغُرَّنكَ سُكونُ المَلا
فَالشَرُّ حَولَ الصارِمِ المُغمَدِ
لَن يَترُكَ الرومُ عِباداتِهِم
أَو يَنزِلَ التُركُ عَنِ السُؤدَدِ
هَذا لَهُم بَيتٌ عَلى بَيتِهِم
ما أَشبَهَ المَسجِدَ بِالمَسجِدِ
فَإِن يُعادوا في مَفاتيحِهِ
فَيا لِيَومٍ لِلوَرى أَسوَدِ
يَشيبُ فيهِ الطِفلُ في مَهدِهِ
وَيُزعَجُ المَيتُ مِنَ الَمرقَدِ
فَكُن لَنا اللَهُمَّ في أَمسِنا
وَكُن لَنا اليَومَ وَكُن في غَدِ
لَولا ضَلالٌ سابِقٌ لَم يَقُم
مِن أَجلِكَ الخَلقُ وَلَم يَقعُدِ
فَكُلُّ شَرٍّ بَينَهُم أَو أَذى
أَنتَ بَراءٌ مِنهُ طُهرُ اليَدِ