خفضت لعزة الموت اليراعا

خَفَضتُ لِعِزَّةِ المَوتِ اليَراعا
وَجَدَّ جَلالُ مَنطِقِهِ فَراعا
كَفى بِالمَوتِ لِلنُذُرِ اِرتِجالاً
وَلِلعَبَراتِ وَالعِبَرِ اِختِراعا
حَكيمٌ صامِتٌ فَضَحَ اللَيالي
وَمَزَّقَ عَن خَنا الدُنيا القِناعا
إِذا حَضَرَ النُفوسَ فَلا نَعيماً
تَرى حَولَ الحَياةِ وَلا مَتاعا
كَشَفتُ بِهِ الحَياةَ فَلَم أَجِدها
وَلَمحَةَ مائِها إِلّا خِداعا
وَما الجَرّاحُ بِالآسي المُرَجّى
إِذا لَم يَقتُلِ الجُثَثَ اِطِّلاعا
فَإِن تَقُلِ الرِثاءَ فَقُل دُموعاً
يُصاغُ بِهِنَّ أَو حِكَماً تُراعى
وَلا تَكُ مِثلَ نادِبَةِ المُسَجّى
بَكَت كَسباً وَلَم تَبكِ اِلتِياعا
خَلَت دُوَلُ الزَمانِ وَزُلنَ رُكناً
وَرُكنُ الأَرضِ باقٍ ما تَداعى
كَأَنَّ الأَرضَ لَم تَشهَد لِقاءً
تَكادُ لَهُ تَميدُ وَلا وَداعا
وَلَو آبَت ثَواكِلُ كُلِّ قَرنٍ
وَجَدنَ الشَمسَ لَم تَثكَل شُعاعا
وَلَكِن تُضرَبَ الأَمثالُ رُشداً
وَمِنهاجاً لِمَن شاءَ اِتِّباعا
وَرُبَّ حَديثِ خَيرٍ هاجَ خَيراً
وَذِكرِ شَجاعَةٍ بَعثَ الشُجاعا
مَعارِفُ مِصرَ كانَ لَهُنَّ رُكنٌ
فَذُقنَ اليَومَ لِلرُكنِ اِنصِداعا
مَضى أَعلى الرِجالِ لَها يَميناً
وَأَرحَبُهُم بِحُلَّتِها ذِراعا
وَأَكثَرُهُم لَها وَقَفاتِ صِدقٍ
إِباءً في الحَوادِثِ أَو زِماعا
أَتَتهُ فَنالَها نَفلاً وَفَيئاً
فَلا هِبَةً أَتَتهُ وَلا اِصطِناعا
تَنَقَّلَ يافِعاً فيها وَكَهلاً
وَمِن أَسبابِها بَلَغَ اليَفاعا
فَتىً عَجَمَتهُ أَحداثُ اللَيالي
فَلا ذُلّاً رَأَينَ وَلا اِختِضاعا
سَجَنَّ مُهَنَّداً وَنَفَينَ تِبراً
وَزِدنَ المِسكَ مِن ضَغطٍ فَضاعا
شَديدٌ صُلَّبٌ في الحَقِّ حَتّى
يَقولَ الحَقُّ ليناً وَاِتِّداعا
وَمَدرَسَةٍ سَمَت بِالعِلمِ رُكناً
وَأَنهَضَتِ القَضاءَ وَالاِشتِراعا
بَناها مُحسِناً بِالعِلمِ بَرّاً
يَشيدُ لَهُ المَعالِمَ وَالرِباعا
وَحارَبَ دونَها صَرعى قَديمٍ
كَأَنَّ بِهِم عَنِ الزَمَنِ اِنقِطاعا
إِذا لَمَحَ الجَديدُ لَهُم تَوَلَّوا
كَذي رَمَدٍ عَلى الضَوءِ اِمتِناعا
أَخا سيشيلَ لا تَذكُر بِحاراً
بَعُدنَ عَلى المَزارِ وَلا بِقاعا
وَرَبِّكَ ما وَراءَ نَواكَ بُعدٌ
وَأَنتَ بِظاهِرِ الفُسطاطِ قاعا
نَزَلتَ بِعالَمٍ خَرَقَ القَضايا
وَأَصبَحَ فيهِ نَظمُ الدَهرِ ضاعا
فَخَلِّ الأَربَعينَ لِحافِليها
وَقُم تَجِدِ القُرونَ مَرَرنَ ساعا
مَرِضتَ فَما أَلَحَّ الداءُ إِلّا
عَلى نَفسٍ تَعَوَّدَتِ الصِراعا
وَلَم يَكُ غَيرَ حادِثَةٍ أَصابَت
مُفَلِّلَ كُلِّ حادِثَةٍ قِراعا
وَمَن يَتَجَرَّعِ الآلامَ حَيّاً
تَسُغ عِندَ المَماتِ لَهُ اِجتِراعا
أَرِقتَ وَكَيفَ يُعطى الغُمضَ جَفنٌ
تَسُلُّ وَراءَهُ القَلبَ الرُواعا
وَلَم يَهدَء وِسادُكَ في اللَيالي
لِعِلمِكَ أَن سَتُفنيها اِضطِجاعا
عَجِبتُ لِشارِحٍ سَبَبَ المَنايا
يُسَمّى الداءَ وَالعِلَلَ الوِجاعا
وَلَم تَكُنِ الحُتوفُ مَحَلَّ شَكٍّ
وَلا الآجالُ تَحتَمِلُ النِزاعا
وَلَكِن صُيَّدٌ وَلَها بُزاةٌ
تَرى السَرَطانَ مِنها وَالصُداعا
أَرى التَعليمَ لَمّا زِلتَ عَنهُ
ضَعيفَ الرُكنِ مَخذولاً مُضاعا
غَريقٌ حاوَلَت يَدُهُ شِراعاً
فَلَمّا أَوشَكَت فَقَدَ الشِراعا
سَراةُ القَومِ مُنصَرِفونَ عَنهُ
وَصُحفُ القَومِ تَقتَضِبُ الدِفاعا
لَقَد نَسّاهُ يَومُكَ ناصِباتٍ
مِنَ السَنَواتِ قاساها تِباعا
قُمِ اِبنِ الأُمَّهاتِ عَلى أَساسٍ
وَلا تَبنِ الحُصونَ وَلا القِلاعا
فَهُنَّ يَلِدنَ لِلقَصَبِ المَذاكي
وَهُنَّ يَلِدنَ لِلغابِ السِباعا
وَجَدتُ مَعانِيَ الأَخلاقِ شَتّى
جُمِعنَ فَكُنَّ في اللَفظِ الرِضاعا
عَزاءَ الصابِرينَ أَبا بَهِيٍّ
وَمِثلُكَ مَن أَنابَ وَمَن أَطاعا
صَبَرتَ عَلى الحَوادِثِ حينَ جَلَّت
وَحينَ الصَبرُ لَم يَكُ مُستَطاعا
وَإِنَّ النَفسَ تَهدَءُ بَعدَ حينٍ
إِذا لَم تَلقَ بِالجَزعِ اِنتِفاعا
إِذا اِختَلَفَ الزَمانُ عَلى حَزينٍ
مَضى بِالدَمعِ ثُمَّ مَحا الدِماعا
قُصارى الفَرقَدَينِ إِلى قَضاءٍ
إِذا عَثَرا بِهِ اِنفَصَما اِجتِماعا
وَلَم تَحوِ الكِنانَةُ آلَ سَعدٍ
أَشَدَّ عَلى العِدا مِنكُم نِباعا
وَلَم تَحمِل كَشَيخِكُمُ المُفَدّى
نُهوضاً بِالأَمانَةِ وَاِضطِلاعا
غَداً فَصلُ الخِطابِ فَمَن بَشيري
بِأَنَّ الحَقَّ قَد غَلَبَ الطِماعا
سَلوا أَهلَ الكِنانَةِ هَل تَداعَوا
فَإِنَّ الخَصمَ بَعدَ غَدٍ تَداعى
وَما سَعدٌ بِمُتَّجِرٍ إِذاما
تَعَرَّضَتِ الحُقوقُ شَرى وَباعا
وَلَكِن تَحتَمي الآمالُ فيهِ
وَتَدَّرِعُ الحُقوقُ بِهِ اِدِّراعا
إِذا نَظَرَت قُلوبُكُمُ إِلَيهِ
عَلا لِلحادِثاتِ وَطالَ باعا

وطن يرف هوى إلى شبانه

وَطَنٌ يَرُفُّ هَوىً إِلى شُبّانِهِ
كَالرَوضِ رِفَّتُهُ عَلى رَيحانِهِ
هُم نَظمُ حِليَتِهِ وَجَوهَرُ عِقدِهِ
وَالعِقدُ قيمَتُهُ يَتيمُ جُمانِهِ
يَرجو الرَبيعَ بِهِم وَيَأمَلُ دَولَةً
مِن حُسنِهِ وَمِنِ اِعتِدالِ زَمانِهِ
مَن غابَ مِنهُم لَم يَغِب عَن سَمعِهِ
وَضَميرِهِ وَفُؤادِهِ وَلِسانِهِ
وَإِذا أَتاهُ مُبَشِّرٌ بِقُدومِهِم
فَمِنَ القَميصِ وَمِن شَذى أَردانِهِ
وَلَقَد يَخُصُّ النافِعينَ بِعَطفِهِ
كَالشَيخِ خَصَّ نَجيبَهُ بِحَنانِهِ
هَيهاتَ يَنسى بَذلَهُم أَرواحَهُم
في حِفظِ راحَتِهِ وَجَلبِ أَمانِهِ
وَقَفوا لَهُ دونَ الزَمانِ وَرَيبِهِ
وَمَشَت حَداثَتُهُم عَلى حَدَثانِهِ
في شِدَّةٍ نُقِلَت أَناةُ كُهولِهِ
فيها وَحِكمَتُهُم إِلى فِتيانِهِ
قُم يا خَطيبَ الجَمعِ هاتِ مِنَ الحَلي
ما كُنتَ تَنثُرُهُ عَلى آذانِهِ
فَلَطالَما أَبدى الحَنينَ لِقِسِّهِ
وَاِهتَزَّ أَشواقاً إِلى سَحبانِهِ
نادِ الشَبابَ فَلَم يَزَل لَكَ نادِياً
وَالمَرءُ ذو أَثَرٍ عَلى أَخدانِهِ
اُمدُد حُداءَكَ في النَجائِبِ تَنصَرِف
يَهوى أَعِنَّتِها إِلى تَحنانِهِ
أَلقَ النَصيحَةَ غَيرَ هائِبِ وَقعِها
لَيسَ الشُجاعُ الرَأيِ مِثلَ جَبانِهِ
قُل لِلشَبابِ زَمانُكُم مُتَحَرِّكٌ
هَل تَأخُذونَ القِسطَ مِن دَوَرانِهِ
نِمتُم عَلى الأَحلامِ تَلتَزِمونَها
كَالعالَمِ الخالي عَلى أَوثانِهِ
وَتُنازِعونَ الحَيَّ فَضلَ ثِيابِهِ
وَالمَيتَ ما قَد رَثَّ مِن أَكفانِهِ
وَلَقَد صَدَقتُم هَذِهِ الأَرضَ الهَوى
وَالحُرُّ يَصدُقُ في هَوى أَوطانِهِ
أَمَلٌ بَذَلتُم كُلَّ غالٍ دونَهُ
وَفَقَدتُمُ ما عَزَّ في وُجدانِهِ
اللَيثُ يَدفَعُكُم بِشِدَّةِ بَأسِهِ
عَنهُ وَيُطعِمُكُم بِفَرطِ لِبانِهِ
وَيُريدُ هَذا الطَيرَ حُرّاً مُطلَقاً
لَكِن بِأَعيُنِهِ وَفي بُستانِهِ
أَوفَدتُمُ وَفداً وَأَوفَدَ رَبُّكُم
مَعَهُ العِنايَةَ فَهيَ مِن أَعوانِهِ
العَصرُ حُرٌّ وَالشُعوبُ طَليقَةً
ما لَم يَحُزها الجَهلُ في أَرسانِهِ
فاضَ الزَمانُ مِنَ النُبوغِ فَهَل فَتى
غَمَرَ الزَمانَ بِعِلمِهِ وَبَيانِهِ
أَينَ التِجارَةَ وَهيَ مِضمارُ الغِنى
أَينَ الصِناعَةُ وَهيَ وَجهُ عَنانِهِ
أَينَ الجَوادُ عَلى العُلومِ بِمالِهِ
أَينَ المُشارِكُ مِصرَ في فِدانِهِ
أَينَ الزِراعَةُ في جِنانٍ تَحتَكُم
كَخَمائِلِ الفِردَوسِ أَو كَجِنانِهِ
أَإِذا أَصابَ القُطنَ كاسِدُ سوقِهِ
قُمنا عَلى ساقٍ إِلى أَثمانِهِ
يا مَن لِشَعبٍ رُزؤُهُ في مالِهِ
أَنساهُ ذِكرَ مُصابِهِ بِكَيانِهِ
المُلكُ كانَ وَلَم يَكُن قُطنٌ فَلَم
يُغلَب أُبُوَّتُنا عَلى عُمرانِهِ
الفاطِمِيَّةُ شُيِّدَت مِن عِزِّهِ
وَبَنى بَنو أَيّوبَ مِن سُلطانِهِ
بِالقُطنِ لَم يَرفَع قَواعِدَ مُلكِهِ
فِرعَونُ وَالهَرَمانُ مِن بُنيانِهِ
لَكِن بِأَوَّلِ زارِعٍ نَقَضَ الثَرى
بِذَكائِهِ وَأَثارِهِ بِبَنانِهِ
وَبِكُلِّ مُحسِنِ صَنعَةٍ في دَهرِهِ
تَتَعَجَّبُ الأَجيالُ مِن إِتقانِهِ
وَبِهِمَّةٍ في كُلِّ نَفسٍ حَلَّقَت
في الجَوِّ وَاِرتَفَعَت عَلى كَيوانِهِ
مَلِكٌ مِنَ الأَخلاقِ كانَ بِناؤُهُ
مِن نَحتِ أَوَّلِكُم وَمِن صَوّانِهِ
فَأتوا الهَياكِلَ إِن بَنَيتُم وَاِقبُسوا
مِن عَرشِهِ فيها وَمِن تيجانِهِ

دام ديويت غانما

دام ديويت غانما
سالما من محاربه
تلك ثيرانه التي
هي إحدى عجائبه
يُشترى اثنان منهما
بعرابي وصاحبه

ممالك الشرق أم أدارس أطلال

مَمالِكُ الشَرقِ أَم أَدارِسُ أَطلالِ
وَتِلكَ دولاتُهُ أَم رَسمُها البالي
أَصابَها الدَهرُ إِلّا في مَآثِرِها
وَالدَهرُ بِالناسِ مِن حالٍ إِلى حالِ
وَصارَ ما نَتَغَنّى مِن مَحاسِنِها
حَديثُ ذي مِحنَةٍ عَن صَفوِهِ الخالي
إِذا حَفا الحَقُّ أَرضاً هانَ جانِبُها
كَأَنَّها غابَةٌ مِن غَيرِ رِئبالِ
وَإِن تَحَكَّمَ فيها الجَهلُ أَسلَمَها
لِفاتِكٍ مِن عَوادي الذُلِّ قَتّالِ
نَوابِغَ الشَرقِ هُزّوهُ لَعَلَّ بِهِ
مِنَ اللَيالي جُمودَ اليائِسِ السالي
إِن تَنفُخوا فيهِ مِن روحِ البَيانِ وَمِن
حَقيقَةِ العِلمِ يَنهَض بَعدَ إِعضالِ
لا تَجعَلوا الدينَ بابَ الشَرِّ بَينَكُمُ
وَلا مَحَلَّ مُباهاةٍ وَإِدلالِ
ما الدينُ إِلّا تُراثُ الناسِ قَبلَكُمُ
كُلُّ اِمرِئٍ لِأَبيهِ تابِعٌ تالي
لَيسَ الغُلُوُّ أَميناً في مَشورَتِهِ
مَناهِجُ الرُشدِ قَد تَخفى عَلى الغالي
لا تَطلُبوا حَقَّكُم بَغياً وَلا ضَلَفاً
ما أَبعَدَ الحَقَّ عَن باغٍ وَمُختالِ
وَلا يَضيعَنَّ بِالإِهمالِ جانِبُهُ
فَرُبَّ مَصلَحَةٍ ضاعَت بِإِهمالِ
كَم هِمَّةٍ دَفَعَت جيلاً ذُرا شَرَفٍ
وَنَومَةٍ هَدَمَت بُنيانَ أَجيالِ
وَالعِلمُ في فَضلِهِ أَو في مَفاخِرِهِ
رُكنُ المَمالِكِ صَدرُ الدَولَةِ الحالي
إِذا مَشَت أُمَّةٌ في العالَمينَ بِهِ
أَبى لَها اللَهُ أَن تَمشي بِأَغلالِ
يَقِلُّ لِلعِلمِ عِندَ العارِفينَ بِهِ
ما تَقدِرُ النَفسُ مِن حُبٍّ وَإِجلالِ
فَقِف عَلى أَهلِهِ وَاِطلُب جَواهِرَهُ
كَناقِدٍ مُمعِنٍ في كَفِّ لَآلِ
فَالعِلمُ يَفعَلُ في الأَرواحِ فاسِدُهُ
ما لَيسَ يَفعَلُ فيها طِبُّ دَجّالِ
وَرُبَّ صاحِبِ دَرسٍ لَو وَقَفتَ بِهِ
رَأَيتَ شِبهَ عَليمٍ بَينَ جُهّالِ
وَتَسبِقُ الشَمسَ في الأَمصارِ حِكمَتُهُ
إِلى كَهولٍ وَشُبّانٍ وَأَطفالِ
زَيدانُ إِنّي مَعَ الدُنيا كَعَهدِكَ لي
رَضِيَ الصَديقِ مُقيلُ الحاسِدِ القالي
لي دَولَةُ الشِعرِ دونَ العَصرِ وائِلَةٌ
مَفاخِري حِكَمي فيها وَأَمثالي
إِن تَمشِ لِلخَيرِ أَو لِلشَرِّ بي قَدَمٌ
أُشَمِّرُ الذَيلَ أَو أَعثُر بِأَذيالي
وَإِن لَقيتُ اِبنَ أُنثى لي عَلَيهِ يَدٌ
جَحَدتُ في جَنبِ فَضلِ اللَهِ أَفضالي
وَأَشكُرُ الصُنعَ في سِرّي وَفي عَلَني
إِنَّ الصَنائِعَ تَزكو عِندَ أَمثالي
وَأَترُكُ الغَيبَ لِلَّهِ العَليمِ بِهِ
إِنَّ الغُيوبَ صَناديقٌ بِأَقفالِ
كَأُرغُنِ الدَيرِ إِكثاري وَمَوقِعُهُ
وَكَالأَذانِ عَلى الأَسماعِ إِقلالي
رَثَيتُ قَبلَكَ أَحباباً فُجِعتُ بِهِم
وَرُحتُ مِن فُرقَةِ الأَحبابِ يُرثى لي
وَما عَلِمتُ رَفيقاً غَيرَ مُؤتَمَنٍ
كَالمَوتِ لِلمَرءِ في حِلٍّ وَتِرحالِ
أَرَحتَ بالَك مِن دُنيا بِلا خُلُقٍ
أَلَيسَ في المَوتِ أَقصى راحَةَ البالِ
طالَت عَلَيكَ عَوادي الدَهرِ في خَشِنٍ
مِنَ التُرابِ مَعَ الأَيّامِ مُنهالِ
لَم نَأتِهِ بِأَخٍ في العَيشِ بَعدَ أَخٍ
إِلّا تَرَكنا رُفاتاً عِندَ غِربالِ
لا يَنفَعُ النَفسَ فيهِ وَهيَ حائِرَةٌ
إِلّا زَكاةُ النُهى وَالجاهِ وَالمالِ
ما تَصنَعِ اليَومَ مِن خَيرٍ تَجِدهُ غَداً
الخَيرُ وَالشَرُّ مِثقالٌ بِمِثقالِ
قَد أَكمَلَ اللَهُ ذَيّاكَ الهِلالَ لَنا
فَلا رَأى الدَهرَ نَقصاً بَعدَ إِكمالِ
وَلا يَزَل في نُفوسِ القارِئينَ لَهُ
كَرامَةُ الصُحُفِ الأُولى عَلى التالي
فيهِ الرَوائِعُ مِن عِلمٍ وَمِن أَدَبٍ
وَمِن وَقائِعِ أَيّامٍ وَأَحوالِ
وَفيهِ هِمَّةُ نَفسٍ زانَها خُلُقٌ
هُما لِباغي المَعالي خَيرُ مِنوالِ
عَلَّمتَ كُلَّ نَؤومٍ في الرِجالِ بِهِ
أَنَّ الحَياةَ بِآمالٍ وَأَعمالِ
ما كانَ مِن دُوَلِ الإِسلامِ مُنصَرِماً
صَوَّرتَهُ كُلَّ أَيّامٍ بِتِمثالِ
نَرى بِهِ القَومَ في عِزٍّ وَفي ضَعَةٍ
وَالمُلكَ ما بَينَ إِدبارٍ وَإِقبالِ
وَما عَرَضتَ عَلى الأَلبابِ فاكِهَةً
كَالعِلمِ تُبرِزُهُ في أَحسَنِ القالِ
وَضَعتَ خَيرَ رِواياتِ الحَياةِ فَضَع
رِوايَةَ المَوتِ في أُسلوبِها العالي
وَصِف لَنا كَيفَ تَجفو الروحُ هَيكَلَها
وَيَستَبِدُّ البِلى بِالهَيكَلِ الخالي
وَهَل تَحِنُّ إِلَيهِ بَعدَ فُرقَتِهِ
كَما يَحِنُّ إِلى أَوطانِهِ الجالي
هِضابُ لُبنانَ مِن مَنعاتِكَ اِضطَرَبَت
كَأَنَّ لُبنانَ مَرمِيٌّ بِزِلزالِ
كَذَلِكَ الأَرضُ تَبكي فَقدَ عالِمِها
كَالأُمِّ تَبكي ذَهابَ النافِعِ الغالي

ردت الروح على المضنى معك

ردّت الروح على المضنى معك
أحسن الأيام يوم أرجعك
تَبعا كانت ورقَّا في النوى
وقليل للهوى ما أتبعك
إن يكن إثرك لم يهلك أسى
هو ملاك إليه أستشفعك
مر من بعدك ما روّعني
أتُرى يا حلو بُعدى روّعك
قمت بالبين وما جرعني
وحملت الشَّطر مما جرعك
كم شكوت البث يا ليل إلى
مطلع البدر عسى أن يُطلِعك
وبعثت الشوق في ريح الصَّبا
فشكا الحرقة مما أستودعك
لم تسل ما ليله ما ويله
وسألتُ الريح ماذا ضعضعك
مبدعا في الكيد والدل معا
لست أشكوك إلى من أبدعك
يا نعيمي وعذابي في الهوى
بعذولي في الهوى ما جَمَّعضك
بين عينيك وقلبي رحمة
نقلت عيناك لى ما أسمعك
أنت روحي ظلم الواشي الذي
زعم القلب سلا أو ضيّعك
موقعي عند لا أعلمه
آه لو يعلم عندي موقعك
نحن بانٌ ونسيم في الهوى
بك أغراني الذي بي أولعك
نحن في الحب الحميا والحيا
قد سقانيها الذي بي شعشعك
أرجفوا أنك شاك موجع
ليت بي فوق الضنى ما أوجعك
لو ترى كيف أستهلت أدمعي
لا رأت أمك يوما أدمعك
نامت الأعين إلا مقلة
تسكب الدمع وترعى مضجعك
وتحنت وتمنت أضلعي
لوفدت مما تلاقى أضلعك
بِيَ من جرحك ألف مثله
لا خلعُت السقم حتى يدعك
احتكم في الروح والمال وخذ
نور عينيَّ عسى أن ينفعك

علمت بأن الحطام انصرف

علمت بأن الحطام انصرف
وأدبر ما كان إلا الشرف
وأنك بعت المنى واشتريـ
ـت فخانك في ذاك سوق الصُدف
وأسرفت تبغى عريض الغنى
أقبلك من ناله بالسرف
وما هو إلا انقباض اليدين
رجاء الصيان وخوف التلف
وحبك مالِك حب الحياة
وحفظك مالك حفظ التحف
فقلت لعل الأديب انتهى
وكان له عظة ما سلف
أتدركه حرفة جازها
قديما إلى غيرها في الحرف
وقد هجر النظم نظم الجمان
وقد هجر النثر نثر الطرف
ومن كان ثروته عقله
يبيع الجواهر بيع الخزف

داو المتيم داوه

داوِ المُتَيَّمَ داوِهِ
مِن قَبلِ أَن يَجِدَ الدَوا
إِنَّ النَواصِحَ كُلَّهُم
قالوا بِتَبديلِ الهَوا
فَتَحتُموا باباً عَلى صَبِّكُم
لِلصَدِّ وَالهَجرِ وَطولِ النَوى
فَلا تَلوموهُ إِذا ما سَلا
قَد فُتِحَ البابُ وَمَرَّ الهَوا

لمن المساكن كالمقابر

لمن المساكن كالمقابر
يأوي لها حيّ كغابر
متجنب الدنيا عدو
وللأوائل والأواخر
تقف الطبيعة دونه
تحمى الميامن والمياسر
وتذود عنه بشامخ
منها وآونة بزاخر
وهو المضلَّل كاليعا
فر والمشرد كالعصافر
دنياه دنيا الخامليـ
ـن ودينه دين الأصاغر
ولغاته لا للمنا
بر قد خلقن ولا المحابر
وعلومه درست وعفّا
ها من الأزمان داثر
أوعَى سخافات الجدو
د وأسقط الحكَم البواهر
الأمر فيه لكاهن
والنهى مرجعه لساحر
وإذا يسام نفيسَه
والنفس أعطى الكل صاغر
فمن الملوك إلى الولا
ة إلى الجباة تراه حائر
هو بينهم ذاك الكسيـ
ـر وكلهم للكل جابر
ومن العجائب ما لوى
ذنبا ولا رفع العقائر
عَير المظالم والمغار
م ضارع للهون صابر
كلب إذا خوّفته
صقر إذا أمّنت كاسر
جبل تقلقله الربى
فيلٌ تطارده الجآذر
بين العباد وبينه
غور من الأحقاد غائر
وقِلاهم في طبعه
كالفأر تلقاه السنانر
لو أقطعوه صوفهم
غرس الخناجر في الحناجر
وسقى من المهجات أكـ
ـبادا أحرّ من الهواجر
تلك المعالم والمجا
هل والمحاشد والمحاشر
تلك السواحل والأسا
كل والعيالم والزواخر
تلك الممالك والإيا
لات التي لم يحص حاصر
تلك المصادر لا موا
رد والموارد لا مصادر
الطير فيها مستطيـ
ـر الروع والحيوان عائر
والنجم مضطرب الخطا
والفلك في الظلمات ماخر
مأهولة أحشاؤها
معمورة منها المحاسر
بالوحش في صور الأنا
م عشائرا حازت عشائر
أمم يكاثرها الحصى
عدّا وليس لها بكاثر
لا خلقها الحلو الوسيـ
ـم ولا خلائقها نواضر
صفر الغلائل واللوا
حظ والنواجذ والضمائر
حسروا الرؤوس ضئيلة
موشورة فيها الضفائر
ومشوا بأقدام حوا
ف مرهفات كالحوافر
وكأن سوقهم العصىّ
أو القسىّ أو الصنائر
ولقد يشينون الشنو
ف إذا تحلوا والأساور
وهم مغاوير السلا
م وفي الصدام هم المدابر
وترى خراب الود بيـ
ـنهم وبين الجن عامر
يستصرخهم إذا
ثاورا على الأَنَس المعاشر
يا قوم هذا موقف
ركن التهور فيها هائر
لا الجن فيه دافع
ين ولا من الأرباب ناصر
كلاّ ولا يغنى الرقا
ه ولا البخور ولا المجامر
واللّكم ليس بنافع
ولو أنه أدمى المناخر
إن الكفاية للمكا
سم واللوابل والموازر
ولقد تصونكم الدرو
ع ولا تخونكم المغافر
فتكثروا مما ذكر
ت فإنه خير الذخائر
وتعلموه وعلموه
صغاركم ضمن الشعائر
هيهات قد نفذ القضا
ء وصرتم في حكم قادر
متلهب الطغوى إذا
أخذ الفريسة لم يغادر
يا ليت شعري من تدو
ر عليه بعدكم الدوائر
الوقت أضيق أن نغا
لط في الحقائق أو نكابر
لم يبق إلا كرمة
للمسلمين بغير ناطر
إن نام عنها الحافظو
ن فان جفن الشر ساهر
من كان يرقب فرصة
فليغنم الفرص الحواضر
لا يمشينّ السلحفا
ء وغيره للمجد طائر
لا يحسبنّ المجد والـ
ـعلياء في كذب المظاهر
هذا بألقاب يتيـ
ـه وذا بأنساب يفاخر
وإلى الأجانب تنتهى
نعم الصنائع والمتاجر
وتؤول كل إمارة
لم يرعها في القوم آمر
إن دام هذا فالسلا
م على الَمَحارب والمنائر
وعلى البرور بلا معا
قل والبحور بلا عمائر

ولم أبت الشيخ وهو الغنى

ولم أبت الشيخ وهو الغنى
وكل ما في الزواج المهور
وهل يملأ التيس عين المهاة
وهل تحمل الكركدن القصور