بني القبط إخوان الدهور رويدكم

بَني القِبطِ إِخوانُ الدُهورِ رُوَيدَكُم
هَبوهُ يَسوعاً في البَرِيَّةِ ثانِيا
حَمَلتُم لِحِكمِ اللَهِ صَلبَ اِبنِ مَريَمٍ
وَهَذا قَضاءُ اللَهِ قَد غالَ غالِيا
سَديدُ المَرامي قَد رَماهُ مُسَدِّدٌ
وَداهِيَةُ السُوّاسِ لاقى الدَواهِيا
وَوَاللَهِ أَو لَم يُطلِقِ النارَ مُطلِقٌ
عَلَيهِ لَأَودى فَجأَةً أَو تَداوِيا
قَضاءٌ وَمِقدارٌ وَآجالُ أَنفُسٍ
إِذا هِيَ حانَت لَم تُؤَخَّر ثَوانِيا
نَبيدُ كَما بادَت قَبائِلُ قَبلَنا
وَيَبقى الأَنامُ اِثنَينِ مَيتاً وَناعِيا
تَعالَوا عَسى نَطوي الجَفاءَ وَعَهدَهُ
وَنَنبِذُ أَسبابَ الشِقاقِ نَواحِيا
أَلَم تَكُ مِصرٌ مَهدَنا ثُمَّ لَحدَنا
وَبَينَهُما كانَت لِكُلٍّ مَغانِيا
أَلَم نَكُ مِن قَبلِ المَسيحِ اِبنِ مَريَمٍ
وَموسى وَطَهَ نَعبُدُ النيلَ جارِيا
فَهَلّا تَساقَينا عَلى حُبِّهِ الهَوى
وَهَلّا فَدَيناهُ ضِفافاً وَوادِيا
وَما زالَ مِنكُم أَهلُ وُدٍّ وَرَحمَةٍ
وَفي المُسلِمينَ الخَيرُ ما زالَ باقِيا
فَلا يَثنِكُم عَن ذِمَّةٍ قَتلُ بُطرُسٍ
فَقِدماً عَرَفنا القَتلَ في الناسِ فاشِيا

شغلته أشغال عن الآرام

شَغَلَتهُ أَشغالٌ عَنِ الآرامِ
وَقَضى اللُبانَةَ مِن هَوىً وَغَرامِ
وَمَضى يَجُرُّ عَلى الهَوى أَذيالَهُ
وَيَلومُ حامِلَهُ مَعَ اللُوّامِ
وَيَذُمُّ عَهدَ الغانِياتِ كَناقَةٍ
بَعدَ الشِفاءِ يَذُمُّ عَهدَ سَقامِ
لا تَعجَلَنَّ وَفي الشَبابِ بَقِيَّةٌ
إِنَّ الشَبابَ مَزَلَّةَ الأَحلامِ
كانَتَ إِنابَتُكَ المُريبَةُ سَلوَةً
نُسِجَت عَلى جُرحٍ بِجَنبِكَ دامي
إِنَّ الَّذي جَعَلَ القُلوبَ أَعِنَّةً
قادَ الشَبيبَةَ لِلهَوى بِزِمامِ
يا قَلبَ أَحمَدَ وَالسِهامُ شَديدَةٌ
ماذا لَقيتَ مِنَ الغَزالِ الرامي
تَدري وَتَسأَلُني تَجاهُلَ عارِفٍ
أَرَنا بِعَينٍ أَم رَمى بِسِهامِ
ما زِلتَ تَركَبُ كُلَّ صَعبٍ في الهَوى
حَتّى رَكِبتَ إِلى هَواكَ حِمامي
وَإِذا القُلوبُ اِستَرسَلَت في غَيِّها
كانَت بَلِيَّتُها عَلى الأَجسامِ

ناشئ في الورد من أيامه

ناشِئٌ في الوَردِ مِن أَيّامِهِ
حَسبُهُ اللَهُ أَبِالوَردِ عَثَر
سَدَّدَ السَهمَ إِلى صَدرِ الصِبا
وَرَماهُ في حَواشيهِ الغُرَر
بِيَدٍ لا تَعرِفُ الشَرَّ وَلا
صَلَحَت إِلّا لِتَلهو بِالأُكَر
بُسِطَت لِلسُمِّ وَالحَبلِ وَما
بُسِطَت لِلكَأسِ يَوماً وَالوَتَر
غَفَرَ اللَهُ لَهُ ما ضَرَّهُ
لَو قَضى مِن لَذَّةِ العَيشِ الوَطَر
لَم يُمَتَّع مِن صِبا أَيّامِهِ
وَلَياليهِ أَصيلٌ وَسَحَر
يَتَمَنّى الشَيخُ مِنهُ ساعَةً
بِحِجابِ السَمعِ أَو نورِ البَصَر
لَيسَ في الجَنَّةِ ما يُشبِهُهُ
خِفَّةً في الظِلِّ أَو طيبَ قِصَر
فَصِبا الخُلدِ كَثيرٌ دائِمٌ
وَصِبا الدُنيا عَزيزٌ مُختَصَر
كُلُّ يَومٍ خَبَرٌ عَن حَدَثٍ
سَئِمَ العَيشَ وَمَن يَسأَم يَذَر
عافَ بِالدُنيا بِناءً بَعدَ ما
خَطَبَ الدُنيا وَأَهدى وَمَهَر
حَلَّ يَومَ العُرسِ مِنها نَفسَهُ
رَحِمَ اللَهُ العَروسُ المُختَضَر
ضاقَ بِالعيشَةِ ذَرعاً فَهَوى
عَن شَفا اليَأسِ وَبِئسَ المُنحَدَر
راحِلاً في مِثلِ أَعمارِ المُنى
ذاهِباً في مِثلِ آجالِ الزَهَر
هارِباً مِن ساحَةِ العَيشِ وَما
شارَفَ الغَمرَةَ مِنها وَالغُدُر
لا أَرى الأَيّامَ إِلّا مَعرَكاً
وَأَرى الصِنديدَ فيهِ مَن صَبَر
رُبَّ واهي الجَأشِ فيهِ قَصَفٌ
ماتَ بِالجُبنِ وَأَودى بِالحَذَر
لامَهُ الناسُ وَما أَظلَمَهُم
وَقَليلٌ مَن تَغاضى أَو عَذَر
وَلَقَد أَبلاكَ عُذراً حَسَناً
مُرتَدي الأَكفانِ مُلقىً في الحُفَر
قالَ ناسٌ صَرعَةٌ مِن قَدَرٍ
وَقَديماً ظَلَمَ الناسُ القَدَر
وَيَقولُ الطِبُّ بَل مِن جَنَّةٍ
وَرَأَيتُ العَقلَ في الناسِ نَدَر
وَيَقولونَ جَفاءٌ راعَهُ
مِن أَبٍ أَغلَظَ قَلباً مِن حَجَر
وَاِمتِحانٌ صَعَّبَتهُ وَطأَةٌ
شَدَّها في العِلمِ أُستاذٌ نَكِر
لا أَرى إِلّا نِظاماً فاسِداً
فَكَّكَ الغَلمَ وَأَودى بِالأُسَر
مِن ضَحاياهُ وَما أَكثَرَها
ذَلِكَ الكارِهُ في غَضِّ العُمُر
ما رَأى في العَيشِ شَيئاً سَرَّهُ
وَأَخَفُّ العَيشِ ما ساءَ وَسَر
نَزَلَ العَيشَ فَلَم يَنزِل سِوى
شُعبَةِ الهَمِّ وَبَيداءِ الفِكَر
وَنَهارٍ لَيسَ فيهِ غِبطَةٌ
وَلَيالٍ لَيسَ فيهِنَّ سَمَر
وَدُروسٍ لَم يُذَلِّل قَطفَها
عالِمٌ إِن نَطَقَ الدَرسَ سَحَر
وَلَقَد تُنهِكُهُ نَهكَ الضَنى
ضَرَّةٌ مَنظَرُها سُقمٌ وَضُر
وَيُلاقي نَصَباً مِمّا اِنطَوى
في بَني العَلّاتِ مِن ضِغنٍ وَشَر
إِخوَةٌ ما جَمَعَتهُم رَحِمٌ
بَعضُهُم يَمشونَ لِلبَعضِ الخَمَر
لَم يُرَفرِف مَلَكُ الحُبِّ عَلى
أَبَوَيهِم أَو يُبارِك في الثَمَر
خَلَقَ اللَهُ مِنَ الحُبِّ الوَرى
وَبَنى المُلكَ عَلَيهِ وَعَمَر
نَشَأَ الخَيرِ رُوَيداً قَتلُكُم
في الصِبا النَفسَ ضَلالٌ وَخُسُر
لَو عَصَيتُمُ كاذِبِ اليَأسِ فَما
في صِباها يَنحَرُ النَفَسَ الضَجَر
تُضمِرُ اليَأسَ مِنَ الدُنيا وَما
عِندَها عَن حادِثِ الدُنيا خَبَر
فيمَ تَجنونَ عَلى آبائِكُم
أَلَمَ الثُكلِ شَديداً في الكِبَر
وَتَعُقّونَ بِلاداً لَم تَزَل
بَينَ إِشفاقٍ عَلَيكُم وَحَذَر
فَمُصابُ المُلكِ في شُبّانِهِ
كَمُصابِ الأَرضِ في الزَرعِ النَضِر
لَيسَ يَدري أَحَدٌ مِنكُم بِما
كانَ يُعطى لَو تَأَنّى وَاِنتَظَر
رُبَّ طِفلٍ بَرَّحَ البُؤسُ بِهِ
مُطِرَ الخَيرَ فَتِيّاً وَمَطَر
وَصَبِيٍّ أَزرَتِ الدُنيا بِهِ
شَبَّ بَينَ العِزِّ فيها وَالخَطَر
وَرَفيعٍ لَم يُسَوِّدهُ أَبٌ
مَن أَبو الشَمسِ وَمَن جَدُّ القَمَر
فَلَكٌ جارٍ وَدُنيا لَم يَدُم
عِندَها السَعدُ وَلا النَحسُ اِستَمَر
رَوِّحوا القَلبَ بِلَذّاتِ الصِبا
فَكَفى الشَيبُ مَجالاً لِلكَدَر
عالِجوا الحِكمَةَ وَاِستَشفوا بِها
وَاِنشُدوا ما ضَلَّ مِنها في السِيَر
وَاِقرَأوا آدابَ مَن قَبلِكُم
رُبَّما عَلَّمَ حَيّاً مَن غَبَر
وَاِغنَموا ما سَخَّرَ اللَهُ لَكُم
مِن جَمالٍ في المَعاني وَالصُوَر
وَاِطلُبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا
لِشَهاداتٍ وَآرابٍ أُخَر
كَم غُلامٍ خامِلٍ في دَرسِهِ
صارَ بَحرَ العِلمِ أُستاذَ العُصُر
وَمُجِدٍّ فيهِ أَمسى خامِلاً
لَيسَ فيمَن غابَ أَو فيمَن حَضَر
قاتِلُ النَفسِ لَو كانَت لَهُ
أَسخَطَ اللَهَ وَلَم يُرضِ البَشَر
ساحَةُ العَيشِ إِلى اللَهِ الَّذي
جَعَلَ الوِردَ بِإِذنٍ وَالصَدَر
لا تَموتُ النَفسُ إِلّا بِاِسمِهِ
قامَ بِالمَوتِ عَلَيها وَقَهَر
إِنَّما يَسمَحُ بِالروحِ الفَتى
ساعَةَ الرَوعِ إِذا الجَمعُ اِشتَجَر
فَهُناكَ الأَجرُ وَالفَخرُ مَعاً
مَن يَعِش يُحمَد وَمَن ماتَ أُجِر

ردت الروح على المضنى معك

رُدَّتِ الروحُ عَلى المُضنى مَعَك
أَحسَنُ الأَيّامِ يَومٌ أَرجَعَك
مَرَّ مِن بُعدِكَ ما رَوَّعَني
أَتُرى يا حُلوُ بُعدي رَوَّعَك
كَم شَكَوتُ البَينَ بِاللَيلِ إِلى
مَطلَعِ الفَجرِ عَسى أَن يُطلِعَك
وَبَعَثتُ الشَوقَ في ريحِ الصَبا
فَشَكا الحُرقَةَ مِمّا اِستَودَعَك
يا نَعيمي وَعَذابي في الهَوى
بِعَذولي في الهَوى ما جَمَعَك
أَنتَ روحي ظَلَمَ الواشي الَّذي
زَعَمَ القَلبَ سَلا أَو ضَيَّعَك
مَوقِعي عِندَكَ لا أَعلَمُه
آهِ لَو تَعلَمُ عِندي مَوقِعَك
أَرجَفوا أَنَّكَ شاكٍ موجَعٌ
لَيتَ لي فَوقَ الضَنا ما أَوجَعَك
نامَتِ الأَعيُنُ إِلّا مُقلَةً
تَسكُبُ الدَمعَ وَتَرعى مَضجَعَك

يا أيها السائل ما الحرية

يا أيها السائل ما الحرية
سالتَ عن جوهرة سنيه
تضئ أرواحا لنا زكيه
يا نعمت الحياة بالحريه
لذاذة طاهرة نقيه
تبعث في قلوبنا الحميه
تبعث فيها الهمة الأبيه
فتأنف المواقف الدنيه
وتألف المنازل العليه
العز كل العز في الحريه
يا جاهلا معاني الحريه
يا فاقدا حسّ الحياة الحيه
عميت عن أنوارها البهيه
صممت عن أنغامها الشجيه
فأنت في غفلتك الغبيه
أشبه بالبهائم الوحشيه
لم تَرد الموارد الشهيه
لم تعرف اللذائذ الهنيه
موردك المذلة القصيه
لذتّك النقائصُ البذية
تعيش عبدا حاله شقيه
مستضعَفا تمقتك البريه
يا سالبا نفوسنا الحريه
يا راكبا مراكب الخطيه
الله أعطاك لنا عطية
غريزة في خلقه فطريه
لَنبذلنَّ دونها ضحية
النفس والنفيس والذرّيه

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري

تلك الطبيعة ُ، قِف بنا يا ساري
حتى أُريكَ بديعَ صُنْعِ الباري
الأَرضُ حولك والسماءُ اهتزَّت
لروائع الآياتِ والآثار
من كلّ ناطقة ِ الجلال، كأَنه
أُمُّ الكتاب على لسان القاري

أعطى العهود وأقسم الأقساما

أعطى العهود وأقسم الأقساما
أن لا يطول مقامه فأقاما
خمسون عاما في البلاد يسوقها
بالعنف عاما والهوادة عاما
مستعمر جعل الخلاف ذريعة
ليهز رمحا أو يسل حساما
لما أتى الوادي وعبّاً جيشه
وجد الرعية والرعاة نياما
ومشى يقلَّب في المعسكر عينه
فيرى الصفوف ولا يحس إماما
قد أقبل التاريخ في محرابه
بجزى الرجال وينطق الأحكاما
اليوم يُتَّهم الأبوة في البلى
ويُناقشون جماجما وعظما
رفقا على الآباء إن لهم غدا
يوما ينسِّى حرّه الأياما
يُجزّون فيه عن التقاطع بينهم
إن انشقاق الأهل كان حراما
وعن الوثوب جماعة بجماعة
يتنازعون ولاية وحطاما
حتى أنت سفن المغير وخيله
فترّقوا في الضفتين نعاما
يا أيها الجيل الذي يبنى غدا
كن في بنائك حازما مقداما
واجعل أداتك في البناء محبة
وتعاونا وتآلفا ووثاما
وإذا بنيت الملك فآبن حقيقة
لا تبن أوهاما ولا أحلاما
وانظر إلى الماضى فإن المهتدى
من يجعل الماضي هدى وزماما

يا نائح الطلح أشباه عوادينا

يا نائِحَ ا لطَلحِ أَشباهٌ عَوادينا
نَشجى لِواديكَ أَم نَأسى لِوادينا
ماذا تَقُصُّ عَلَينا غَيرَ أَنَّ يَداً
قَصَّت جَناحَكَ جالَت في حَواشينا
رَمى بِنا البَينُ أَيكاً غَيرَ سامِرِنا
أَخا الغَريبِ وَظِلّاً غَيرَ نادينا
كُلٌّ رَمَتهُ النَوى ريشَ الفِراقُ لَنا
سَهماً وَسُلَّ عَلَيكَ البَينُ سِكّينا
إِذا دَعا الشَوقُ لَم نَبرَح بِمُنصَدِعٍ
مِنَ الجَناحَينِ عَيٍّ لا يُلَبّينا
فَإِن يَكُ الجِنسُ يا اِبنَ ا لطَلحِ فَرَّقَنا
إِنَّ المَصائِبَ يَجمَعنَ المُصابينا
لَم تَألُ ماءَكَ تَحناناً وَلا ظَمَأً
وَلا اِدِّكاراً وَلا شَجوا أَفانينا
تَجُرُّ مِن فَنَنٍ ساقاً إِلى فَنَنٍ
وَتَسحَبُ الذَيلَ تَرتادُ المُؤاسينا
أُساةُ جِسمِكَ شَتّى حينَ تَطلُبُهُم
فَمَن لِروحِكَ بِالنُطسِ المُداوينا
آها لَنا نازِحي أَيكٍ بِأَندَلُسٍ
وَإِن حَلَلنا رَفيقاً مِن رَوابينا
رَسمٌ وَقَفنا عَلى رَسمِ الوَفاءِ لَهُ
نَجيشُ بِالدَمعِ وَ الإِجلالِ يَثنينا
لِفِتيَةٍ لا تَنالُ الأَرضُ أَدمُعَهُم
وَلا مَفارِقَهُم إِلّا مُصَلّينا
لَو لَم يَسودوا بِدينٍ فيهِ مَنبَهَةٌ
لِلناسِ كانَت لَهُم أَخلاقُهُم دينا
لَم نَسرِ مِن حَرَمٍ إِلّا إِلى حَرَمٍ
كَالخَمرِ مِن بابِلٍ سارَت لِدارينا
لَمّا نَبا الخُلدُ نابَت عَنهُ نُسخَتُهُ
تَماثُلَ الوَردِ خِيرِيّاً وَنَسرينا
نَسقي ثَراهُم ثَناءً كُلَّما نُثِرَت
دُموعُنا نُظِمَت مِنها مَراثينا
كادَت عُيونُ قَوافينا تُحَرِّكُهُ
وَكِدنَ يوقِظنَ في التُربِ السَلاطينا
لَكِنَّ مِصرَ وَإِن أَغضَت عَلى مِقَةٍ
عَينٌ مِنَ الخُلدِ بِالكافورِ تَسقينا
عَلى جَوانِبِها رَفَّت تَمائِمُنا
وَحَولَ حافاتِها قامَت رَواقينا
مَلاعِبٌ مَرِحَت فيها مَآرِبُنا
وَأَربُعٌ أَنِسَت فيها أَمانينا
وَمَطلَعٌ لِسُعودٍ مِن أَواخِرِنا
وَمَغرِبٌ لِجُدودٍ مِن أَوالينا
بِنّا فَلَم نَخلُ مِن رَوحٍ يُراوِحُنا
مِن بَرِّ مِصرَ وَرَيحانٍ يُغادينا
كَأُمِّ موسى عَلى اِسمِ اللَهِ تَكفُلُنا
وَبِاِسمِهِ ذَهَبَت في اليَمِّ تُلقينا
وَمِصرُ كَالكَرمِ ذي الإِحسانِ فاكِهَةٌ
لِحاضِرينَ وَأَكوابٌ لِبادينا
يا سارِيَ البَرقِ يَرمي عَن جَوانِحِنا
بَعدَ الهُدوءِ وَيَهمي عَن مَآقينا
لَمّا تَرَقرَقَ في دَمعِ السَماءِ دَماً
هاجَ البُكا فَخَضَبنا الأَرضَ باكينا
اللَيلُ يَشهَدُ لَم نَهتِك دَياجِيَهُ
عَلى نِيامٍ وَلَم نَهتِف بِسالينا
وَالنَجمُ لَم يَرَنا إِلّا عَلى قَدَمٍ
قِيامَ لَيلِ الهَوى لِلعَهدِ راعينا
كَزَفرَةٍ في سَماءِ اللَيلِ حائِرَةٍ
مِمّا نُرَدِّدُ فيهِ حينَ يُضوينا
بِاللَهِ إِن جُبتَ ظَلماءَ العُبابِ عَلى
نَجائِبِ النورِ مَحدُوّاً بِجرينا
تَرُدُّ عَنكَ يَداهُ كُلَّ عادِيَةٍ
إِنساً يَعِثنَ فَساداً أَو شَياطينا
حَتّى حَوَتكَ سَماءُ النيلِ عالِيَةٍ
عَلى الغُيوثِ وَإِن كانَت مَيامينا
وَأَحرَزَتكَ شُفوفُ اللازَوَردِ عَلى
وَشيِ الزَبَرجَدِ مِن أَفوافِ وادينا
وَحازَكَ الريفُ أَرجاءً مُؤَرَّجَةً
رَبَت خَمائِلَ وَاِهتَزَّت بَساتينا
فَقِف إِلى النيلِ وَاِهتُف في خَمائِلِهِ
وَاِنزِل كَما نَزَلَ الطَلُّ الرَياحينا
وَآسِ ما باتَ يَذوي مِن مَنازِلِنا
بِالحادِثاتِ وَيَضوى مِن مَغانينا
وَيا مُعَطِّرَةَ الوادي سَرَت سَحَراً
فَطابَ كُلُّ طُروحٍ مِن مَرامينا
ذَكِيَّةُ الذَيلِ لَو خِلنا غِلالَتَها
قَميصَ يوسُفَ لَم نُحسَب مُغالينا
جَشِمتِ شَوكَ السُرى حَتّى أَتَيتِ لَنا
بِالوَردِ كُتباً وَبِالرَيّا عَناوينا
فَلَو جَزَيناكِ بِالأَرواحِ غالِيَةً
عَن طيبِ مَسراكِ لَم تَنهَض جَوازينا
هَل مِن ذُيولِكِ مَسكِيٌّ نُحَمِّلُهُ
غَرائِبَ الشَوقِ وَشياً مِن أَمالينا
إِلى الَّذينَ وَجَدنا وُدَّ غَيرِهِمُ
دُنيا وَوُدَّهُمو الصافي هُوَ الدينا
يا مَن نَغارُ عَلَيهِم مِن ضَمائِرِنا
وَمِن مَصونِ هَواهُم في تَناجينا
غابَ الحَنينُ إِلَيكُم في خَواطِرِنا
عَنِ الدَلالِ عَلَيكُم في أَمانينا
جِئنا إِلى الصَبرِ نَدعوهُ كَعادَتِنا
في النائِباتِ فَلَم يَأخُذ بِأَيدينا
وَما غُلِبنا عَلى دَمعٍ وَلا جَلَدٍ
حَتّى أَتَتنا نَواكُم مِن صَياصينا
وَنابِغي كَأَنَّ الحَشرَ آخِرُهُ
تُميتُنا فيهِ ذِكراكُم وَتُحيينا
نَطوي دُجاهُ بِجُرحٍ مِن فُراقِكُمو
يَكادُ في غَلَسِ الأَسحارِ يَطوينا
إِذا رَسا النَجمُ لَم تَرقَأ مَحاجِرُنا
حَتّى يَزولَ وَلَم تَهدَأ تَراقينا
بِتنا نُقاسي الدَواهي مِن كَواكِبِهِ
حَتّى قَعَدنا بِها حَسرى تُقاسينا
يَبدو النَهارُ فَيَخفيهِ تَجَلُّدُنا
لِلشامِتينَ وَيَأسوهُ تَأَسّينا
سَقياً لِعَهدٍ كَأَكنافِ الرُبى رِفَةً
أَنّى ذَهَبنا وَأَعطافِ الصَبا لينا
إِذِ الزَمانُ بِنا غَيناءُ زاهِيَةٌ
تَرِفُّ أَوقاتُنا فيها رَياحينا
الوَصلُ صافِيَةٌ وَالعَيشُ ناغِيَةٌ
وَالسَعدُ حاشِيَةٌ وَالدَهرُ ماشينا
وَالشَمسُ تَختالُ في العِقيانِ تَحسَبُها
بَلقيسَ تَرفُلُ في وَشيِ اليَمانينا
وَالنيلُ يُقبِلُ كَالدُنيا إِذا اِحتَفَلَت
لَو كانَ فيها وَفاءٌ لِلمُصافينا
وَالسَعدُ لَو دامَ وَالنُعمى لَوِ اِطَّرَدَت
وَالسَيلُ لَو عَفَّ وَالمِقدارُ لَو دينا
أَلقى عَلى الأَرضِ حَتّى رَدَّها ذَهَباً
ماءً لَمَسنا بِهِ الإِكسيرَ أَو طينا
أَعداهُ مِن يُمنِهِ التابوتُ وَاِرتَسَمَت
عَلى جَوانِبِهِ الأَنوارُ مِن سينا
لَهُ مَبالِغُ ما في الخُلقِ مِن كَرَمٍ
عَهدُ الكِرامِ وَميثاقُ الوَفِيّينا
لَم يَجرِ لِلدَهرِ إِعذارٌ وَلا عُرُسٌ
إِلّا بِأَيّامِنا أَو في لَيالينا
وَلا حَوى السَعدُ أَطغى في أَعِنَّتِهِ
مِنّا جِياداً وَلا أَرحى مَيادينا
نَحنُ اليَواقيتُ خاضَ النارَ جَوهَرُنا
وَلَم يَهُن بِيَدِ التَشتيتِ غالينا
وَلا يَحولُ لَنا صِبغٌ وَلا خُلُقٌ
إِذا تَلَوَّنَ كَالحِرباءِ شانينا
لَم تَنزِلِ الشَمسُ ميزاناً وَلا صَعَدَت
في مُلكِها الضَخمِ عَرشاً مِثلَ وادينا
أَلَم تُؤَلَّه عَلى حافاتِهِ وَرَأَت
عَلَيهِ أَبناءَها الغُرَّ المَيامينا
إِن غازَلَت شاطِئَيهِ في الضُحى لَبِسا
خَمائِلَ السُندُسِ المَوشِيَّةِ الغينا
وَباتَ كُلُّ مُجاجِ الوادِ مِن شَجَرٍ
لَوافِظَ القَزِّ بِالخيطانِ تَرمينا
وَهَذِهِ الأَرضُ مِن سَهلٍ وَمِن جَبَلٍ
قَبلَ القَياصِرِ دِنّاها فَراعينا
وَلَم يَضَع حَجَراً بانٍ عَلى حَجَرٍ
في الأَرضِ إِلّا عَلى آثارِ بانينا
كَأَنَّ أَهرامَ مِصرٍ حائِطٌ نَهَضَت
بِهِ يَدُ الدَهرِ لا بُنيانُ فانينا
إيوانُهُ الفَخمُ مِن عُليا مَقاصِرِهِ
يُفني المُلوكَ وَلا يُبقي الأَواوينا
كَأَنَّها وَرِمالاً حَولَها اِلتَطَمَت
سَفينَةٌ غَرِقَت إِلّا أَساطينا
كَأَنَّها تَحتَ لَألاءِ الضُحى ذَهَباً
كُنوزُ فِرعَونَ غَطَّينَ المَوازينا
أَرضُ الأُبُوَّةِ وَالميلادِ طَيَّبَها
مَرُّ الصِبا في ذُيولٍ مِن تَصابينا
كانَت مُحَجَّلَةٌ فيها مَواقِفُنا
غُرّاً مُسَلسَلَةَ المَجرى قَوافينا
فَآبَ مِن كُرَةِ الأَيّامِ لاعِبُنا
وَثابَ مِن سِنَةِ الأَحلامِ لاهينا
وَلَم نَدَع لِلَيالي صافِياً فَدَعَت
بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا
لَوِ اِستَطَعنا لَخُضنا الجَوَّ صاعِقَةً
وَالبَرَّ نارَ وَغىً وَالبَحرَ غِسلينا
سَعياً إِلى مِصرَ نَقضي حَقَّ ذاكِرِنا
فيها إِذا نَسِيَ الوافي وَباكينا
كَنزٌ بِحُلوانَ عِندَ اللَهِ نَطلُبُهُ
خَيرَ الوَدائِعِ مِن خَيرِ المُؤَدّينا
لَو غابَ كُلُّ عَزيزٍ عَنهُ غَيبَتَنا
لَم يَأتِهِ الشَوقُ إِلّا مِن نَواحينا
إِذا حَمَلنا لِمِصرٍ أَو لَهُ شَجَناً
لَم نَدرِ أَيُّ هَوى الأُمَّينِ شاجينا

لله ريشة صادق من ريشة

لله ريشة صادق من ريشة
تزرى طلاوتها بكل جديد
كست الكتابة في المشارق كلها
حسنا وفكتها من التقييد
تهدى الحسن الخط كل مقصر
وتمدّ في الإحسان كل مجيد
أغلى لدى الكتّاب إن ظفروا بها
من ريشة الألماس عند الغِيد
وألُّذ فوق الطرس إن خطرت به
من ريشة الليثيّ فوق العود
وتكاد تحيى مؤنسا بصريرها
وتقول أيام ابن مقلة عودى
لو لم يكن في الأمر إلا أنها
مصرية لأستوجبت تمجيدي

وإن موليير نجم لا أفول له

وإن موليير نجم لا أفول له
وأن تغيب في الأحقاب واحتجبا
شريعة من بيان الغرب صافية
وإن يك الشرق أحيانا بها شربا
وآية الأدب الرّومَى في لغة
لم تُخل من سرها عجما ولا عربا
لو استطاع ذووها من عنايتهم
بنشرها علّموها الجن والشهبا
فاحفظ لسانك واجهد في صيانته
كما يصون الكريم العرض والحسبا
كأنما كانت الدنيا على يده
يصوِّر الناس عنها كلما كَتبا
إذا مضى يعرض الأخلاق عارية
أراك من كل نفس صورة عجبا
يأتي النفوس فينضُو عن طبائعها
سترا ويهتك عن أهوالها الحجبا
فربما ازددت علما بالبخيل وإن
نشأت تلقاه جَدا أو تراه أبا
وقد يزيدك بالكذاب معرفة
وأنت تضحى وتمسى تسمع الكذبا
وقد يريك أخا الوجهين منكشفا
وأنت تلقاه في الإِخوان منتقبا