قل للمنجم بالأرزاء ينذرنا

قل للمنجم بالأرزاء ينذرنا
ويدّعى العلم بالأسرار والفلك
إنى ضحكت من الدنيا وصحبتها
قبل المذنب حتى مِتّ من ضحكي

آذار أقبل قم بنا يا صاح

آذار أقبل قم بنا يا صاح
حىّ الربيع حديقة الأرواح
واجمع ندامى الظرف تحت لوائه
وانشر بساحته بساط الرياح
صفو أُتيح فخذ لنفسك قسطها
فالصفو ليس على المدى بمتاح
واجلس بضاحكة الرياض مصفقا
لتجاوب الأوتار والأقداح
واستأنسّ من السقاة برفقة
غر كأمثال النجوم صباح
ربت كندمان الملوك خلالهم
وتجملوا بمروءة وسماح
واجعل صبوحك في البكور سليلة
للمنجَبين الكرم والتفاح
مهما فضضت دنانها فاستضحكت
ملئ المكان سنا وطيب نُفاح
تطغى فإن ذكرت كريم أصولها
خلعت على النشوان حلية صاحى
فرعون خبأها ليوم فتوحه
وأعد منها قربة لفتاح
ما بين شاد في المجالس أيكه
ومحجبات الأيك في الأدواح
غرد على أوتاره يوحى إلى
غرد على أغصانه صداح
بيض القلانس في سواد جلابب
حُلين بالأطواق والأوضاح
رتّلن في أوراقهن ملاحنا
كالراهبات صبيحة الإفصاح
يخطرن بين أرائك ومنابر
في هيكل من سندس فياح
ملك النبات فكل أرض داره
تلقاه بالأعراس والأفراح
منشورة أعلامه من أحمر
قان وأبيضَ في الربى لماح
لبست لمقدمه الخمائل وشيها
ومرحن في كنف له وجناح
يغشى المنازل من لواحظ نرجس
آنا وآنا من ثغور أقاح
ورؤوس منثور خفضن لعزه
تيجانهن عواطر الأرواح
الورد في سُرُر الغصون مفتح
متقابل يثنى على الفتاح
ضاحي المواكب في الرياض مميز
دون الزهور بشوكة وسلاح
مر النسيم بصفحتيه مقبلا
مر الشفاه على خدود ملاح
هتك الردى من حسنه وبهائه
بالليل ما نسجت يد الإصباح
ينبيك مصرعه وكل زائل
أن الحياة كغدوة ورواح
ويقائق النَّسرين في أغصانها
كالدر ركب في صدور رماح
والياسمين لطيفة ونقيه
كسريرة المتنزه المسماح
متألِق خلل الغصون كأنه
في بلُجِةِ الأفنانِ ضوء صباح
و الجُلِّنار دم على أوراقهِ
قاني الحروفِ كخاتم السفاح
وكأن محزون البنفسجِ ثاكل
يلقى القضاء بخشيةٍ وصلاح
وعلى الخواطر رقة وكابة
كخواطر الشعراء في الأتراح
والسَرو في الحِبَرِ السوابِغ كاشف
عن ساقهِ كمليحةِ مِفراح
والنخل ممشوق القدودِ معصَّب
متزين بمناطقِ ووِشاح
كبناتِ فرعونٍ شهدن مواكبا
تحت المراوح في نهارٍ ضاح
وترى الفضاء كحائط من مرمرٍ
نَضِدت عليه بدائِع الألواح
الغيم فيه كالنعام بدينة
بركت وأخرى حلقت بجناح
والشمس أبهى من عروسٍ برقعت
يوم الزفاف بمسجدٍ وضاح
والماء بالوادى يخال مساربا
من زئبقٍ أو ملقياتِ صِفاحِ
بعثت له شمس النهار أشعة
كانت حُلَى النيلوفر السباح
يزهو على ورقِ الغصون نثيرها
زهو الجواهرِ في بطون الرّاح
وجرت سواقٍ كالنوادب بالقرى
رعن الشجىّ بأنهٍ ونواح
الشاكيات وما عرفن صبابة
الباكيات بمدمع سحاح
من كل بادية الضلوع غليلةٍ
والماء في أحشائها ملواح
تبكى إذا ونيت وتضحك إن هفت
كالعِيِس بين تنشيطٍ ورزاح
هي في السلاسل والغلول وجارها
أعمى ينوء بنيره الفداح
أن لأذكر بالربيع وحسنه
عهد الشبا وطِرفه الممراح
هل كان إلا زهرة كزهوره
عجل الفناء لها بغير جُناح
هول كين مصر رواية لا تنتهى
منها يد الكتاب والشراح
فيها من البردى والمزمور وال
سّوارة والفرقان والإصحاح
ومنا وقمبيز إلى إسكندر
فالقيصرين فذى الحلال صلاح
تلك الخلائق والدهور خزانة
فابعث خيالك يأت بالمفتاح
أُفق البلاد وأنت بين ربوعها
بالنجم مزدان وبالمصباح

لكل زمان مضى آية

لِكُلِّ زَمانٍ مَضى آيَةٌ
وَآيَةُ هَذا الزَمانِ الصُحُف
لِسانُ البِلادِ وَنَبضُ العِبادِ
وَكَهفُ الحُقوقِ وَحَربُ الجَنَف
تَسيرُ مَسيرَ الضُحى في البِلادِ
إِذا العِلمُ مَزَّقَ فيها السَدَف
وَتَمشي تُعَلِّمُ في أُمَّةٍ
كَثيرَةِ مَن لا يَخُطُّ الأَلِف
فَيا فِتيَةَ الصُحفُ صَبراً إِذا
نَبا الرِزقُ فيها بِكُم وَاِختَلَف
فَإِنَّ السَعادَةَ غَيرُ الظُهو
رِ وَغَيرُ الثَراءِ وَغَيرُ التَرَف
وَلَكِنَّها في نَواحي الضَميرِ
إِذا هُوَ بِاللَومِ لَم يُكتَنَف
خُذوا القَصدَ وَاِقتَنِعوا بِالكَفافِ
وَخَلّوا الفُضولَ يَغِلها السَرَف
وَروموا النُبوغَ فَمَن نالَهُ
تَلَقّى مِنَ الحَظِّ أَسنى التُحَف
وَما الرِزقُ مُجتَنِبٌ حِرفَةً
إِذا الحَظُّ لَم يَهجُرِ المُحتَرِف
إِذا آخَتِ الجَوهَرِيَّ الحُظوظُ
كَفَلنَ اليَتيمَ لَهُ في الصَدَف
وَإِن أَعرَضَت عَنهُ لَم يَحلُ في
عُيونِ الخَرائِدِ غَيرُ الخَزَف
رَعى اللَهُ لَيلَتَكُم إِنَّها
تَلَت عِندَهُ لَيلَةَ المُنتَصَف
لَقَد طَلَعَ البَدرُ مِن جُنحِها
وَأَوما إِلى صُبحِها أَن يَقِف
جَلَوتُم حَواشِيَها بِالفُنونِ
فَمِن كُلِّ فَنٍّ جَميلٍ طَرَف
فَإِن تَسأَلوا ما مَكانُ الفُنونِ
فَكَم شَرَفٍ فَوقَ هَذا الشَرَف
أَريكَةُ مولِييرَ فيما مَضى
وَعَرشُ شِكِسبيرَ فيما سَلَف
وَعودُ اِبنِ ساعِدَةٍ في عُكاظَ
إِذا سالَ خاطِرُهُ بِالطُرَف
فَلا يَرقَيَن فيهِ إِلّا فَتىً
إِلى دَرَجاتِ النُبوغِ اِنصَرَف
تُعَلِّمُ حِكمَتُهُ الحاضِرينَ
وَتُسمِعُ في الغابِرينَ النُطَف
حَمَدنا بَلاءَكُمُ في النِضالِ
وَأَمسُ حَمَدنا بَلاءَ السَلَف
وَمَن نَسِيَ الفَضلَ لِلسابِقينَ
فَما عَرَفَ الفَضلَ فيما عَرَف
أَلَيسَ إِلَيهِم صَلاحُ البِناءِ
إِذا ما الأَساسُ سَما بِالغُرَف
فَهَل تَأذَنونَ لِذي خِلَّةٍ
يَفُضُّ الرَياحينَ فَوقَ الجِيَف
فَأَينَ اللِواءُ وَرَبُّ اللِواءِ
إِمامُ الشَبابِ مِثالُ الشَرَف
وَأَينَ الَّذي بَينَكُم شِبلُهُ
عَلى غايَةِ الحَقِّ نِعمَ الخَلَف
وَلا بُدَّ لِلغَرسِ مِن نَقلِهِ
إِلى مَن تَعَهَّدَ أَو مَن قَطَف
فَلا تَجحَدَنَّ يَدَ الغارِسينَ
وَهَذا الجَنى في يَدَيكَ اِعتَرَف
أُولَئِكَ مَرّوا كَدودِ الحَريرِ
شَجاها النَفاعُ وَفيهِ التَلَف

نحن الكشافة في الوادي

نَحنُ الكَشّافَةُ في الوادي
جِبريلُ الروحُ لَنا حادي
يا رَبِّ بِعيسى وَالهادي
وَبِموسى خُذ بِيَدِ الوَطَنِ
كَشّافَةُ مِصرَ وَصِبيَتُها
وَمُناةُ الدارِ وَمُنيَتُها
وَجَمالُ الأَرضِ وَحليَتُها
وَطَلائِعُ أَفراحِ المُدُنِ
نَبتَدِرُ الخَيرَ وَنَستَبِقُ
ما يَرضى الخالِقُ وَالخُلُقُ
بِالنَفسِ وَخالِقِها نَثِقُ
وَنَزيدُ وُثوقاً في المِحَنِ
في السَهلِ نَرِف رَياحينا
وَنَجوبُ الصَخرَ شَياطينا
نَبني الأَبدانَ وَتَبنينا
وَالهِمَّةُ في الجِسمِ المَرِنِ
وَنُخَلّي الخَلقَ وَما اِعتَقَدوا
وَلِوَجهِ الخالِقِ نَجتَهِدُ
نَأسوا الجَرحى أَنّى وُجِدوا
وَنُداوي مِن جَرحِ الزَمَنِ
في الصِدقِ نَشَأنا وَالكَوَمِ
وَالعِفَّةِ عَن مَسِّ الحُرَمِ
وَرِعايَةِ طِفلٍ أَو هَرِمِ
وَالذَودُ عَنِ الغيدِ الحُصُنِ
وَنُوافي الصارِخَ في اللُجَجِ
وَالنارِ الساطِعَةِ الوَهَجِ
لا نَسأَلُهُ ثَمَنَ المُهَجِ
وَكَفى بِالواجِبِ مِن ثَمَنِ
يا رَبِّ فَكَثِّرنا عَدَدا
وَاِبذُل لِأُبُوَّتِنا المَدَدا
هَيِّئ لَهُم وَلَنا رَشَدا
يا رَبِّ وَخُذ بِيَدِ الوَطَنِ

قلب بوادي الحمى خلفته رمقا

قَلبٌ بِوادي الحِمى خَلَّفتِهِ رَمِقاً
ماذا صَنَعتِ بِهِ يا ظَبيَةَ البانِ
أَحنى عَلَيكِ مِنَ الكُثبانِ فَاِتَّخِذي
عَلَيهِ مَرعاكِ مِن قاعٍ وَكُثبانِ
غَرَّبتِهِ فَوَهى جَنبي لِفُرقَتِهِ
وَحَنَّ لِلنازِحِ المَأسورِ جُثماني
لا رَدَّهُ اللَهُ مِن أَسرٍ وَمِن خَبَلٍ
إِن كانَ في رَدِّهِ صَحوي وَسُلواني
دَلَّهتِهِ بِعَزيزٍ في مَحاجِرِهِ
ماضٍ لَهُ مِن مُبينِ السِحرِ جَفنانِ
رَمى فَضَجَّت عَلى قَلبي جَوانِحُهُ
وَقُلنَ سَهمٌ فَقالَ القَلبُ سَهمانِ
يا صورَةَ الحورِ في جِلبابِ فانِيَةٍ
وَكَوكَبَ الصُبحِ في أَطافِ إِنسانِ
مُري عَصِيَّ الكَرى يَغشى مُجامَلَةً
وَسامِحي في عِناقِ الطَيفِ أَجفانِ
فَحَسبُ خَدّي مِن عَينَيَّ ما شَرِبا
فَمِثلُ ما قَد جَرى لَم تَلقَ عَينانِ

قالوا نرى شعراءكم

قالوا نرى شعراءكم
يتمرنون على قفاه
فأجبتهم لا تعجبوا
هذا الكلام على هواه
هو يعشق اللفظ الرقيـ
ـق وإن جرحت به أباه

كان بروض غصن ناعم

كانَ بِرَوضٍ غُصُنٌ ناعِمٌ
يَقولُ جَلَّ الواحِدُ المُنفَرِد
فَقامَتي في ظَرفِها قامَتي
وَمِثلُ حُسنى في الوَرى ما عُهِد
فَأَقبَلَت خُنفُسَةٌ تَنثَني
وَنَجلُها يَمشي بِجَنبِ الكَبِد
تَقولُ يا زَينَ رِياضِ البَها
إِنَّ الَّذي تَطلُبُهُ قَد وُجِد
فَانظُر لِقَدِّ اِبني وَلا تَفتَخِر
مادامَ في العالَمِ أُمٌّ تَلِد

ما بين دمعي المسبل

ما بَينَ دَمعي المُسبَلِ
عَهدٌ وَبَينَ ثَرى عَلي
عَهدُ البَقيعِ وَساكِني
هِ عَلى الحَيا المُتَهَدِّلِ
وَالدَمعُ مِروَحَةُ الحَزي
نِ وَراحَةُ المُتَمَلمِلِ
نَمضي وَيَلحَقُ مَن سُلا
في الغابِرينَ بِمَن سُلي
كَم مِن تُرابٍ بِالدُمو
عِ عَلى الزَمانِ مُبَلَّلِ
كَالقَبرِ ما لَم يَبلَ في
هِ مِنَ العِظامِ وَما بَلي
رَيّانُ مِن مَجدٍ يَعِز
زُ عَلى القُصورِ مُوَثَّلِ
أَمسَت جَوانِبُهُ قَرا
راً لِلنُجومِ الأُفَّلِ
وَحَديثُهُم مِسكُ النَدِي
يِ وَعَنبَرٌ في المَحفِلِ
قُل لِلنَعيِّ هَتَكتَ دَم
عَ الصابِرِ المُتَجَمِّلِ
المُلتَقي الأَحداثَ إِن
نَزَلَت كَأَن لَم تَنزِلِ
حَمَلَ الأَسى بِأَبي الفُتو
حِ عَلَيَّ ما لَم أَحمِلِ
حَتّى ذَهِلتُ وَمَن يَذُق
فَقدَ الأَحِبَّةِ يَذهَلِ
فَعَتِبتُ في رُكنِ القَضا
ءِ عَلى القَضاءِ المُنزَلِ
لَهَفي عَلى ذاكَ الشَبا
بِ وَذاكَ المُستَقبَلِ
وَعَلى المَعارِفِ إِذ خَلَت
مِن رُكنِها وَالمَوئِلِ
وَعَلى شَمائِلَ كَالرُبى
بَينَ الصَبا وَالجَدوَلِ
وَحَياءِ وَجهٍ يُؤ
ثَرُ عَن يَسوعَ المُرسَلِ
يا راوِياً تَحتَ الصَفي
حِ مِنَ الكَرى وَالجَندَلِ
وَمُسَربَلاً حُلَلَ الوِزا
رَةِ باتَ غَيرَ مُسَربَلِ
وَمُوَسَّداً حُفَرَ الثَرى
بَعدَ البِناءِ الأَطوَلِ
إِنّي اِلتَفَتُّ إِلى الشَبا
بِ الغابِرِ المُتَمَثِّلِ
وَوَقَفتُ ما بَينَ المُحَق
قَقِ فيهِ وَالمُتَخَيَّلِ
فَرَأَيتُ أَيّاماً عَجِل
نَ وَلَيتَها لَم تَعجَلِ
كانَت مُوَطَّأَةَ المِها
دِ لَنا عِذابَ المَنهَلِ
ذَهَبَت كَحُلمٍ بَيدَ أَن
نَ الحُلمَ لَم يَتَأَوَّلِ
إِذ نَحنُ في ظِلِّ الشَبا
بِ الوارِفِ المُتَهَدِلِ
جارانِ في دارِ النَوى
مُتَقابِلانِ بِمَنزِلِ
أَيكي وَأَيكُكَ ضاحِكا
نِ عَلى خَمائِلِ مونبِلي
وَالدَرسُ يَجمَعُني بِأَف
ضَلِ طالِبٍ وَمُحَصِّلِ
أَيّامَ تَبذُلُ في سَبي
لِ العِلمِ ما لَم يُبذَلِ
غَضَّ الشَبابُ فَكَيفَ كُن
تَ عَنِ الشَبابِ بِمَعزِلِ
وَإِذا دَعاكَ إِلى الهَوى
داعي الصِبا لَم تَحفِلِ
وَلَوِ اِطَّلَعتَ عَلى الحَيا
ةِ فَعَلتَ ما لَم يُفعَلِ
لَم يَدرِ إِلّا اللَهُ ما
خَبَّأَت لَكَ الدُنيا وَلي
تَجري بِنا لِمُفَتَّحٍ
بَينَ الغُيوبِ وَمُقفَلِ
حَتّى تَبَدَّلنا وَذا
كَ العَهدُ لَم يَتَبَدَّلِ
هاتيكَ أَيّامُ الشَبا
بِ المُحسِنِ المُتَفَضِّلِ
مَن فاتَهُ ظِلُّ الشَبي
بَةِ عاشَ غَيرَ مُظَلَّلِ
يا راحِلاً أَخلى الدِيا
رَ وَفَضلُهُ لَم يَرحَلِ
تَتَحَمَّلُ الآمالُ إِث
رَ شَبابِهِ المُتَحَمِّلِ
مَشَتِ الشَبيبَةُ جَحفَلاً
تَبكي لِواءَ الجَحفَلِ
فَاِنظُر سَريرَكَ هَل جَرى
فَوقَ الدُموعِ الهُطَّلِ
اللَهُ في وَطَنٍ ضَعي
فِ الرُكنِ واهي المَعقِلِ
وَأَبٍ وَراءَكَ حُزنُهُ
لِنَواكَ حُزنُ المُثكَلِ
يَهَبُ الضِياعَ العامِرا
تِ لِمَن يَرُدُّ لَهُ عَلي
لَيسَ الغَنِيُّ مِنَ البَرِيَّ
ةِ غَيرَ ذي البالِ الخَلي
وَنَجيبَةٍ بَينَ العَقا
ئِلِ هَمُّها لا يَنسَلي
دَخَلَت مَنازِلَها المَنو
نُ عَلى الجَريءِ المُشبِلِ
كَسَرَت جَناحَ مُنَعَّمٍ
وَرَمَت فُوادَ مُدَلَّلِ
فَكَأَنَّ آلَكَ مِن شَجٍ
وَمُتَيَّمٍ وَمُرَمَّلِ
آلُ الحُسَينِ بِكَربُلا
في كُربَةٍ لا تَنجَلي
خَلَعَ الشَبابَ عَلى القَنا
وَبَذَلتَهُ لِلمُعضِلِ
وَالسَيفُ أَرحَمُ قاتِلاً
مِن عِلَّةٍ في مَقتَلِ
فَاِذهَب كَما ذَهَبَ الحُسَي
نُ إِلى الجِوارِ الأَفضَلِ
فَكِلاكُما زَينُ الشَبا
بِ بِجَنَّةِ اللَهِ العَلي

لا السهد يدنيني إليه ولا الكرى

لا السُهدُ يُدنيني إِلَيهِ وَلا الكَرى
طَيفٌ يَزورُ بِفَضلِهِ مَهما سَرى
تَخِذَ الدُجى وَسَماءَهُ وَنُجومَهُ
سُبُلاً إِلى جَفنَيكِ لَم يَرضَ الثَرى
وَأَتاكَ مَوفورَ النَعيمِ تَخالُهُ
مَلَكاً تَنُمُّ بِهِ السَماءُ مُطَهَّرا
عَلِمَ الظَلامُ هُبوطَهُ فَمَشَت لَهُ
أَهدابُهُ يَأخُذنَهُ مُتَحَدِّرا
وَحَمى النَسائِمَ أَن تَروحَ وَأَن تَجي
حَذَراً وَخَوفاً أَن يُراعَ وَيُذعَرا
وَرَقَدتَ تُزلِفُ لِلخَيالِ مَكانَهُ
بَينَ الجُفونِ وَبَينَ هُدبِكَ وَالكَرى
فَهَنِئتَهُ مِثلَ السَعادَةِ شائِقاً
مُتَصَوِّراً ما شِئتَ أَن يَتَصَوَّرا
تَطوي لَهُ الرَقباءُ مَنصورَ الهَوى
وَتَدوسُ أَلسِنَةَ الوُشاةِ مُظَفَّرا
لَولا اِمتِنانُ العَينِ يا طَيفَ الرِضا
ما سامَحَت أَيّامَها فيما جَرى
باتَت مُشَوَّقَةً وَباتَ سَوادُها
زونا بِتِمثالِ الجَمالِ مُنَوِّرا
تُعطى المُنى وَتُنيلُهُنَّ خَليقَةً
بِكَ أَن تُقَدِّمَ في المِنى وَتُؤَخِّرا
وَتُعانِقُ القَمَرَ السَنِيَّ عَزيزَةً
حَتّى إِذا وَدَّعتَ عانَقتَ الثَرى
في لَيلَةٍ قَدِمَ الوُجودَ هِلالُها
فَدَنَت كَواكِبُها تُعَلِّمُهُ السُرى
وَتُريهِ آثارَ البُدورِ لِيَقتَفي
وَيَرى لَهُ الميلادُ أَن يَتَصَدَّرا
ناجَيتُ مَن أَهوى وَناجاني بِها
بَينَ الرِياضِ وَبَينَ ماءِ سُوَيسِرا
حَيثُ الجِبالُ صِغارُها وَكِبارُها
مِن كُلِّ أَبيَضَ في الفَضاءِ وَأَخضَرا
تَخِذَ الغَمامُ بِها بُيوتاً فَاِنجَلَت
مَشبوبَةَ الأَجرامِ شائِبَةَ الذُرى
وَالصَخرُ عالٍ قامَ يُشبِهُ قاعِداً
وَأَنافَ مَكشوفَ الجَوانِبِ مُنذِرا
بَينَ الكَواكِبِ وَالسَحابِ تَرى لَهُ
أُذُناً مِنَ الحَجَرِ الأَصَمِّ وَمِشفَرا
وَالسَفحُ مِن أَيِّ الجِهاتِ أَتَيتَهُ
أَلفَيتَهُ دَرَجاً يَموجُ مُدَوَّرا
نَثَرَ الفَضاءُ عَلَيهِ عِقدَ نُجومِهِ
فَبَدا زَبَرجَدُهُ بِهِنَّ مُجَوهَرا
وَتَنَظَّمَت بيضُ البُيوتِ كَأَنَّها
أَوكارُ طَيرٍ أَو خَميسٌ عَسكَرا
وَالنَجمُ يَبعَثُ لِلمِياهِ ضِياءَهُ
وَالكَهرُباءُ تُضيءُ أَثناءَ الثَرى
هامَ الفِراشُ بِها وَحامَ كَتائِباً
يَحكي حَوالَيها الغَمامُ مُسَيَّرا
خُلِقَت لِرَحمَتِهِ فَباتَت نارُهُ
بَرداً وَنارُ العاشِقينَ تَسَعُّرا
وَالماءُ مِن فَوقِ الدِيارِ وَتَحتَها
وَخِلالِها يَجري وَمِن حَولِ القُرى
مُتَصَوِّباً مُتَصَعِّداً مُتَمَهِّلاً
مُتَسَرِّعاً مُتَسَلسِلاً مُتَعَثِّرا
وَالأَرضُ جِسرٌ حَيثُ دُرتَ وَمَعبَرٌ
يَصِلانِ جِسراً في المِياهِ وَمَعبَرا
وَالفُلكُ في ظِلِّ البُيوتِ مَواخِراً
تَطوي الجَداوِلَ نَحوَها وَالأَنهُرا
حَتّى إِذا هَدَأَ المَلا في لَيلِهِ
جاذَبتُ لَيلي ثَوبَهُ مُتَحَيِّرا
وَخَرَجتُ مِن بَينَ الجُسورِ لَعَلَّني
أَستَقبِلُ العَرفَ الحَبيبَ إِذا سَرى
آوي إِلى الشَجَراتِ وَهيَ تَهُزُّني
وَقَدِ اِطمَأَنَّ الطَيرُ فيها بِالكَرى
وَيَهُزُّ مِنّي الماءُ في لَمَعانِهِ
فَأَميلُ أَنظُرُ فيهِ أَطمَعُ أَن أَرى
وَهُنالِكَ اِزدَهَتِ السَماءُ وَكانَ أَن
آنَستُ نوراً ما أَتَمَّ وَأَبهَرا
فَسَرَيتُ في لَألائِهِ وَإِذا بِهِ
بَدرٌ تُسايِرُهُ الكَواكِبُ خُطَّرا
حُلُمٌ أَعارَتني العِنايَةُ سَمعَها
فيهِ فَما اِستَتمَمتُ حَتّى فُسِّرا
فَرَأَيتُ صَفوى جَهرَةً وَأَخَذتُ أَن
سى يَقظَةً وَمُنايَ لَبَّت حُضَّرا
وَأَشَرتَ هَل لُقيا فَأوحِيَ أَن غَداً
بِالطَودِ أَبيَضَ مِن جِبالِ سُوَيسِرا
إِن أَشرَقَت زَهراءَ تَسمو لِلضُحى
وَإِذا هَوَت حَمراءَ في تِلكَ الذُرى
فَشُروقُها مِنهُ أَتَمُّ مَعانِياً
وَغُروبُها أَجلى وَأَكمَلُ مَنظَرا
تَبدو هُنالِكَ لِلوُجودِ وَليدَةً
تَهنا بِها الدُنيا وَيَغتَبِطُ الثَرى
وَتُضيءُ أَثناءَ الفَضاءِ بِغُرَّةٍ
لاحَت بِرَأسِ الطَودِ تاجاً أَزهَرا
فَسَمَت فَكانَت نِصفَ طارٍ ما بَدا
حَتّى أَنافَ فَلاحَ طاراً أَكبَرا
يَعلو العَوالِمَ مُستَقِلّاً نامِياً
مُستَعصِياً بِمَكانِهِ أَن يُنقَرا
سالَت بِهِ الآفاقُ لَكِن عَسجَداً
وَتَغَطَّتِ الأَشباحُ لَكِن جَوهَرا
وَاِهتَزَّ فَالدُنيا لَهُ مُهتَزَّةٌ
وَأَنارَ فَاِنكَشَفَ الوُجودُ مُنَوَّرا
حَتّى إِذا بَلَغَ السُمُوُّ كَمالَهُ
أَذِنَت لِداعي النَقصِ تَهوى القَهقَرى
فَدَنَت لِناظِرِها وَدانَ عَنانُها
وَتَبَدَّلَ المُستَعظِمُ المُستَصغِرا
وَاِصفَرَّ أَبيَضُ كُلِّ شَيءٍ حَولَها
وَاِحمَرَّ بُرقُعُها وَكانَ الأَصفَرا
وَسَما إِلَيها الطَودُ يَأخُذُها وَقَد
جَعَلَت أَعالِيَهُ شَريطاً أَحمَرا
مَسَّتهُ فَاِشتَعَلَت بِها جَنَباتُهُ
وَبَدَت ذُراهُ الشُمُّ تَحمِلُ مِجمَرا
فَكَأَنَّما مَدَّت بِهِ نيرانَها
شَرَكاً لِتَصطادَ النَهارَ المُدبِرا
حَرَقَتهُ وَاِحتَرَقَت بِهِ فَتَوَلَّيا
وَأَتى طُلولَهُما الظَلامُ فَعَسكَرا
فَشُروقُها الأَمَلُ الحَبيبُ لِمَن رَأى
وَغُروبُها الأَجَلُ البَغيضُ لِمَن دَرى
خَطبانِ قاما بِالفَناءِ عَلى الصَفا
ما كانَ بَينَهُما الصَفاءُ لِيَعمُرا
تَتَغَيَّرُ الأَشياءُ مَهما عاوَدا
وَاللَهُ عَزَّ وَجَلَّ لَن يَتَغَيَّرا
أَنهارُنا تَحتَ السَليفِ وَفَوقَهُ
وَلَدى جَوانِبِهِ وَما بَينَ الذُرى
رَجلاً وَرُكباناً وَزَحلَقَةً عَلى
عَجلٍ هُنالِكَ كَهرُبائِيِّ السَرى
في مَركَبٍ مُستَأنِسٍ سالَت بِهِ
قُضُبُ الحَديدِ تَعَرُّجاً وَتَحَدُّرا
يَنسابُ ما بَينَ الصُخورِ تَمَهُّلاً
وَيَخِفُّ بَينَ الهُوَّتَينِ تَخَطُّرا
وَإِذا اِعتَلى بِالكَهرُباءِ لِذَروَةٍ
عَصماءَ هَمَّ مُعانِقاً مُتَسَوِّرا
لَمّا نَزَلنا عَنهُ في أُمِّ الذُرى
قُمنا عَلى فَرعِ السَليفِ لِنَنظُرا
أَرضٌ تَموجُ بِها المَناظِرُ جَمَّةٌ
وَعَوالِمٌ نِعمَ الكِتابُ لِمَن قَرا
وَقُرىً ضَرَبنَ عَلى المَدائِنِ هالَةً
وَمَدائِنٌ حَلَّينَ أَجيادَ القُرى
وَمَزارِعٌ لِلناظِرينَ رَوائِعٌ
لَبِسَ الفَضاءُ بِها طِرازاً أَخضَرا
وَالماءُ غَدرٌ ما أَرَقَّ وَأَغزَرا
وَجَداوِلٌ هُنَّ اللُجَينُ وَقَد جَرى
فَحَشَونَ أَفواهَ السُهولِ سَبائِكاً
وَمَلَأنَ أَقبالَ الرَواسِخِ جَوهَرا
قَد صَغَّرَ البُعدُ الوُجودَ لَنا فَيا
لِلَّهِ ما أَحلى الوُجودَ مُصَغَّرا