أبني أباظة إن رافع بيتكم

أبني أباظة إن رافع بيتكم
جعل المكارم فيه والأحسابا
جاء الكرام بكم فيما قصرتمو
عن والد وولدتمو الأنجابا
جربت ودّ شبابكم وكهولكم
فوجدت شيبا عليَة وشبابا
اختالت الشرقية الكبرى بكم
وجلت فتاكم في البيان شهابا
لَسِنٌ إذا صعد المنابر أو نضا
قلما شأى الخطباء والكتابا
وتراه أرفع أن يقول دنّية
يوم الخصومة أو يخط سبابا
لا يخدم الأمم الرجال إذا همو
لم يخدموا الأخلاق والآدابا
فكرى أذقت اليوم عفو بلاغة
وزففت محضا للنهى ولبابا
من كل فاكهة وكل فكاهة
هيأت نحلا واتخذت شرابا
ما زلت تنثر كل طيبة الشذى
حتى جمعت من الزهور كتابا
فأتى ألذ من الربيع وعهده
فضلا وأمتع في البدائع بابا
تلك الرسائل لو شكوت بها الهوى
عطفت على أهل الهوى الأحبابا
عاتبت فيها الحادثات بحكمة
حتى لكدت تلينهن عتابا
ولو استطعت شفيت من أضغانها
شِيَعَ الرجال بمصر والأحزابا

قالوا حبيب أنت تطرى شعره

قالوا حبيب أنت تطرى شعره
من ذا الذي لم يطر شعر حبيب
من كان في ريب فذا ديوانه
راح العقول وكأس كل أديب
أوعى لأحمد والوليد كليهما
شمم المديح ورقة التشبيب
كم فيه من مثَل يسير وحكمة
تبقى على الدنيا بقاء عسيب
يا حافظ الآداب والبطلَ الذي
يرجى ليوم في البلاد عصيب
قل للأولى خصوا اللآلئ بالهوى
مثقوبة أو غير ذات ثقوب
لا تسألوا الأصداف ماذا أُودِعَت
في هذه الأوراق كلُّ عجيب

هرتي جد أليفه

هِرَّتي جِدُّ أَليفَه
وَهيَ لِلبَيتِ حَليفَه
هِيَ ما لَم تَتَحَرَّك
دُميَةُ البَيتِ الظَريفَه
فَإِذا جَاءَت وَراحَت
زيدَ في البَيتِ وَصيفَه
شُغلُها الفارُ تُنَقّي الـ
ـرَفَّ مِنهُ وَالسَقيفَه
وَتَقومُ الظُهرَ وَالعَصـ
ـرَ بِأَورادٍ شَريفَه
وَمِنَ الأَثوابِ لَم تَمـ
ـلِك سِوى فَروٍ قَطيفَه
كُلَّما اِستَوسَخَ أَو آ
وى البَراغيثَ المُطيفَه
غَسَلَتهُ وَكَوَتهُ
بِأَساليبَ لَطيفَه
وَحَدَّت ما هُوَ كَالحَمّا
مِ وَالماءِ وَظيفَه
صَيَّرَت ريقَتَها الصا
بونَ وَالشارِبَ ليفَه
لا تَمُرَّنَّ عَلى العَينِ
وَلا بِالأَنفِ جيفَه
وَتَعَوَّد أَن تُلاقى
حَسَنَ الثَوبِ نَظيفَه
إِنَّما الثَوبُ عَلى الإِنـ
ـسانِ عُنوانُ الصَحيفَه

بالله يا نسمات النيل في السحر

بِاللَهِ يا نَسَماتِ النيلِ في السَحَرِ
هَل عِندَكُنَّ عَنِ الأَحبابِ مِن خَبَرِ
عَرَفتُكُنَّ بِعَرفٍ لا أُكَيِّفُهُ
لا في الغَوالي وَلا في النَورِ وَالزَهَرِ
مِن بَعضِ ما مَسَحَ الحُسنُ الوُجوهَ بِهِ
بَينَ الجَبينِ وَبَينَ الفَرقِ وَالشَعَرِ
فَهَل عَلِقتُنَّ أَثناءَ السُرى أَرَجاً
مِنَ الغَدائِرِ أَو طيباً مِنَ الطُرَرِ
هِجتُنَّ لي لَوعَةً في القَلبِ كامِنَةً
وَالجُرحُ إِن تَعتَرِضهُ نَسمَةٌ يَثُرِ
ذَكَرتُ مِصرَ وَمَن أَهوى وَمَجلِسَنا
عَلى الجَزيرَةِ بَينَ الجِسرِ وَالنَهَرِ
وَاليَومُ أَشيَبُ وَالآفاقُ مُذهَبَةٌ
وَالشَمسُ مُصفَرَةٌ تَجري لِمُنحَدَرِ
وَالنَخلُ مُتَّشِحٌ بِالغَيمِ تَحسَبُهُ
هيفَ العَرائِسِ في بيضٍ مِنَ الأَزُرِ
وَما شَجانِيَ إِلّا صَوتُ ساقِيَةٍ
تَستَقبِلُ اللَيلَ بَينَ النَوحِ وَالعَبَرِ
لَم يَترُكِ الوَجدُ مِنها غَيرَ أَضلُعِها
وَغَيرَ دَمعٍ كَصَوبِ الغَيثِ مُنهَمِرِ
بَخيلَةٌ بِمَآقيها فَلَو سُئِلَت
جَفناً يُعينُ أَخا الأَشواقِ لَم تُعِرِ
في لَيلَةٍ مِن لَيالي الدَهرِ طَيِّبَةٍ
مَحا بِها كُلَّ ذَنبٍ غَيرِ مُغتَفَرِ
عَفَّت وَعَفَّ الهَوى فيها وَفازَ بِها
عَفُّ الإِشارَةِ وَالأَلفاظِ وَالنَظَرِ
بِتنا وَباتَت حَناناً حَولَنا وَرِضاً
ثَلاثَةٌ بَينَ سَمعِ الحُبِّ وَالبَصَرِ
لا أَكذِبُ اللَهَ كانَ النَجمُ رابِعَنا
لَو يُذكَرُ النَجمُ بَعدَ البَدرِ في خَبَرِ
وَأَنصَفَتنا فَظُلمٌ أَن تُجازِيَها
شَكوى مِنَ الطولِ أَو شَكوى مِنَ القِصَرِ
دَع بَعدَ ريقَةِ مَن تَهوى وَمَنطِقِهِ
ما قيلَ في الكَأسِ أَو ما قيلَ في الوَتَرِ
وَلا تُبالِ بِكِنزٍ بَعدَ مَبسِمِهِ
أَغلى اليَواقيتُ ما أُعطيتَ وَالدُرَرِ
وَلَم يَرُعني إِلّا قَولُ عاذِلَةٍ
ما بالُ أَحمَدَ لَم يَحلُم وَلَم يَقِرِ
هَلّا تَرَفَّعَ عَن لَهوٍ وَعَن لَعِبٍ
إِنَّ الصَغائِرَ تُغري النَفسَ بِالصَغَرِ
فَقُلتُ لِلمَجدِ أَشعاري مُسَيَّرَةً
وَفي غَواني العُلا لا في المَها وَطَري
مِصرُ العَزيزَةُ ما لي لا أُوَدِّعُها
وَداعَ مُحتَفِظٍ بِالعَهدِ مُدَّكِرِ
خَلَّفتُ فيها القَطا ما بَينَ ذي زَغَبٍ
وَذي تَمائِمَ لَم يَنهَض وَلَم يَطِرِ
أَسلَمتُهُم لِعُيونِ اللَهِ تَحرُسُهُم
وَأَسلَموني لِظِلِّ اللَهِ في البَشَرِ

نظمنا سنى التهنئات نزفها

نظمنا سنىَّ التهنئات نزفها
إلى علم بين النوابغ مفرد
ولو أن من أقلامه في أكفنا
وقلنا لجاء القول إنجيل مهتد
ومن يتعهد للرجال صداقة
يطلب بالذي سر الصديق ويسعد
ومن يحفظ الخلان يحفظ مدارعا
عليه ويستثمر غراس التودد
وما حافظ إلا بناء مكارم
وزاخر عرفان وهضبة سؤدد
فتى يرفع الأشعار ما شاء قدرها
وترفعه الأشعار رتبة مخلد
ويلقى عليه في السلام وفي الوغى
رجاء يراع أو رجاء مهند
ألا عند مصر والبيان وأهله
يد للمعالي صادفت حافظ اليد

مضناك جفاه مرقده

مُضناكَ جَفاهُ مَرقَدُهُ
وَبَكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ
حَيرانُ القَلبِ مُعَذَّبُهُ
مَقروحُ الجَفنِ مُسَهَّدُهُ
أَودى حَرَفاً إِلّا رَمَقاً
يُبقيهِ عَلَيكَ وَتُنفِدُهُ
يَستَهوي الوُرقَ تَأَوُّهُهُ
وَيُذيبُ الصَخرَ تَنَهُّدُهُ
وَيُناجي النَجمَ وَيُتعِبُهُ
وَيُقيمُ اللَيلَ وَيُقعِدُهُ
وَيُعَلِّمُ كُلَّ مُطَوَّقَةٍ
شَجَناً في الدَوحِ تُرَدِّدُهُ
كَم مَدَّ لِطَيفِكَ مِن شَرَكٍ
وَتَأَدَّبَ لا يَتَصَيَّدُهُ
فَعَساكَ بِغُمضٍ مُسعِفُهُ
وَلَعَلَّ خَيالَكَ مُسعِدُهُ
الحُسنُ حَلَفتُ بِيوسُفِهِ
وَالسورَةِ إِنَّكَ مُفرَدُهُ
قَد وَدَّ جَمالَكَ أَو قَبَساً
حَوراءُ الخُلدِ وَأَمرَدُهُ
وَتَمَنَّت كُلُّ مُقَطَّعَةٍ
يَدَها لَو تُبعَثُ تَشهَدُهُ
جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي
أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ
قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا
فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ
وَهَمَمتُ بِجيدِكِ أَشرَكُهُ
فَأَبى وَاِستَكبَرَ أَصيَدُهُ
وَهَزَزتُ قَوامَكَ أَعطِفُهُ
فَنَبا وَتَمَنَّعَ أَملَدُهُ
سَبَبٌ لِرِضاكَ أُمَهِّدُهُ
ما بالُ الخَصرِ يُعَقِّدُهُ
بَيني في الحُبِّ وَبَينَكَ ما
لا يَقدِرُ واشٍ يُفسِدُهُ
ما بالُ العاذِلِ يَفتَحُ لي
بابَ السُلوانِ وَأوصِدُهُ
وَيَقولُ تَكادُ تُجَنُّ بِهِ
فَأَقولُ وَأوشِكُ أَعبُدُهُ
مَولايَ وَروحي في يَدِهِ
قَد ضَيَّعَها سَلِمَت يَدُهُ
ناقوسُ القَلبِ يَدُقُّ لَهُ
وَحَنايا الأَضلُعِ مَعبَدُهُ
قَسَماً بِثَنايا لُؤلُؤها
قَسَمَ الياقوتُ مُنَضَّدُهُ
وَرُضابٍ يوعَدُ كَوثَرُهُ
مَقتولُ العِشقِ وَمُشهَدُهُ
وَبِخالٍ كادَ يُحَجُّ لَهُ
لَو كانَ يُقَبَّلُ أَسوَدُهُ
وَقَوامٍ يَروي الغُصنُ لَهُ
نَسَباً وَالرُمحُ يُفَنِّدُهُ
وَبِخَصرٍ أَوهَنَ مِن جَلَدي
وَعَوادي الهَجرِ تُبَدِّدُهُ
ما خُنتُ هَواكَ وَلا خَطَرَت
سَلوى بِالقَلبِ تُبَرِّدُهُ

يا أبا عاصم

يا أبا عاصم وداع أخ كا
ن وراء البحار يوم احتجابك
جسمه يوم سرت بالغرب ثاوٍ
بيد أن الفؤاد خلف ركابك
عبرات على التنائي أعانت
أدمع الحاضرين من أحبابك
كانت الخمس الاغترابي حدّا
أى حدّ تُرى لطول اغترابك
ما ملكت الإياب حتى دهتني
صحف آذنت بطىّ كتابك
ناعيات نفح الربى من سجايا
ك وزهر الرياض من آدابك
وودادا على الزمان كريما
سبكت تبره الليالي السوابك
أى أعواد منبر لم تطأها
واسع الخطو في عنان خطابك
كل يوم من البلاغة وشى
فارسيّ وأنت للوشي حابك
وسيول من الفصاحة تترى
بين واديك جريها وشعابك
كنت كالدهر هممة في الثمان
ين فما أنت في زمان شبابك
وإذا جرّت المحاماة ذيلا
ونميناه كان فضل ثيابك
كنت في صرحك المشيد أساسا
أنت والمحسنون من أترابك
وإذا لم يكن ثوابك للغر
س فلا خير للجَنىَ في ثوابك
فاجعل السابقين في كل فضل
أوّل الآخذين من إعجابك
يا قريب الجواب في الفصل والهز
ل عزيز علىّ بطء جوابك
لست أنساك والضيوف على الرحـ
ـب بناديك والعفاة ببابك
طيبات تقدمتك إلى الأخـ
ـرى وخير أقام في أعقابك
اطَّرح واسترح فكل خليل
سوف يدنو ترابه من ترابك
كلما مر من مصابك عام
وجدت مصر جدّة لمصابك

مر الغراب بشاة

مَرَّ الغُرابُ بِشاةٍ
قَد غابَ عَنها الفَطيمُ
تَقولُ وَالدَمعُ جار
وَالقَلبُ مِنها كَليمُ
يا لَيتَ شِعرِيَ يا اِبني
وَواحِدي هَل تَدومُ
وَهَل تَكونُ بِجَنبي
غَداً عَلى ما أَرومُ
فَقالَ يا أُمَّ سَعدٍ
هَذا عَذابٌ أَليمُ
فَكَّرتِ في الغَدِ وَالفِكـ
ـرُ مُقعِدٌ وَمُقيمُ
لِكُلِّ يَومٍ خُطوبٌ
تَكفي وَشُغلٌ عَظيمُ
وَبَينَما هُوَ يَهذي
أَتى النَعِيُّ الذَميمُ
يَقولُ خَلَّفتُ سَعداً
وَالعَظمُ مِنهُ هَشيمُ
رَأى مِنَ الذِئبِ ما قَد
رَأى أَبوهُ الكَريمُ
فَقالَ ذو البَينِ لِلأُمـ
ـمِ حينَ وَلَّت تَهيمُ
إِنَّ الحَكيمَ نَبِيٌّ
لِسانُهُ مَعصومُ
أَلَم أَقُل لَكِ توا
لِكُلِّ يَومٍ هُمومُ
قالَت صَدَقتَ وَلَكِن
هَذا الكَلامُ قَديمُ
فَإِنَّ قَومِيَ قالوا
وَجهُ الغُرابِ مَشومُ

جئننا بالشعور والأحداق

جِئنَنا بِالشُعورِ وَالأَحداقِ
وَقَسَمنَ الحُظوظَ في العُشّاقِ
وَهَزَزنَ القَنا قُدوداً فَأَبلى
كُلَّ قَلبٍ مُستَضعَفٍ خَفّاقِ
حَبَّذا القِسمُ في المُحِبّينَ قِسمي
لَو يُلاقونَ في الهَوى ما أُلاقي
حيلَتي في الهَوى وَما أَتَمَنّى
حيلَةَ الأَذكِياءِ في الأَرزاقِ
لَو يُجازى المُحِبُّ عَن فَرطِ شَوقٍ
لَجُزيتُ الكَثيرَ عَن أَشواقِ
وَفَتاةٍ ما زادَها في غَريبِ ال
حُسنِ إِلّا غَرائِبُ الأَخلاقِ
ذُقتُ مِنها حُلواً وَمُرّاً وَكانَت
لَذَّةُ العِشقِ في اِختِلافِ المَذاقِ
ضَرَبَت مَوعيداً فَلَمّا اِلتَقَينا
جانَبَتني تَقولُ فيمَ التَلاقي
قُلتُ ما هَكَذا المَواثيقُ قالَت
لَيسَ لِلغانِياتِ مِن مِثاقِ
عَطَفَتها نَحافَتي وَشَجاها
شافِعٌ بادِرٌ مِنَ الآماقِ
فَأَرَتني الهَوى وَقالَت خَشينا
وَالهَوى شُعبَةٌ مِنَ الإِشفاقِ
يا فَتاةَ العِراقِ أَكتُمُ مَن أَن
تِ وَأَكني عَن حُبِّكُم بِالعِراقِ
لي قَوافٍ تَعِفُّ في الحُبِّ إِلّا
عَنكِ سارَت جَوائِبَ الآفاقِ
لا تَمَنّى الزَمانُ مِنها مَزيداً
إِن تَمَنَّيتُ أَن تَفُكّي وِثاقي
حَمِّليني في الحُبِّ ما شِئتِ إِلّا
حادِثَ الصَدِّ أَو بَلاءَ الفِراقِ
وَاِسمَحي بِالعِناقِ إِن رَضِيَ الدَلُّ
وَسامَحتِ فانِياً في العِناقِ

سقى الله بالكفر الأباظي مضجعا

سَقى اللَهُ بِالكَفرِ الإِباضِيِّ مَضجَعاً
تَضَوَّعَ كافوراً مِنَ الخُلدِ سارِيا
يَطيبُ ثَرى بُردَينِ مِن نَفحِ طيبِهِ
كَأَنَّ ثَرى بُردَينِ مَسَّ الغَوالِيا
فَيا لَك غِمداً مِن صَفيحٍ وَجَندَلٍ
حَوى السَيفَ مَصقولَ الغِرارِ يَمانِيا
وَكُنّا اِستَلَلنا في النَوائِبِ غَربَهُ
فَلَم يُلفَ هَيّاباً وَلَم نُلفَ نابِيا
إِذا اِهتَزَّ دونَ الحَقِّ يَحمي حِياضَهُ
تَأَخَّرَ عَنها باطِلُ القَومِ ظامِيا
طَوَتهُ يَدٌ لِلمَوتِ لا الجاهُ عاصِماً
إِذا بَطَشَت يَوماً وَلا المالُ فادِيا
تَنالُ صِبا الأَعمارِ عِندَ رَفيفِهِ
وَعِندَ جُفوفِ العودِ في السِنِّ ذاوِيا
وَبَعضُ المَنايا تُنزِلُ الشَهدَ في الثَرى
وَيَحطُطنَ في التُربِ الجِبالَ الرَواسِيا
يَقولونَ يَرثي الراحِلينَ فَوَيحَهُم
أَأَمَّلتُ عِندَ الراحِلينَ الجَوازِيا
أَبَوا حَسَداً أَن أَجعَلَ الحَيَّ أُسوَةً
لَهُم وَمِثالاً قَد يُصادِفُ حاذِيا
فَلَمّا رَثَيتُ المَيتَ أَقضي حُقوقَهُ
وَجَدتُ حَسوداً لِلرُفاتِ وَشانِيا
إِذا أَنَت لَم تَرعَ العُهودَ لِهالِكٍ
فَلَستَ لِحَيٍّ حافِظَ العَهدِ راعِيا
فَلا يَطوينَ المَوتُ عَهدَكَ مِن أَخٍ
وَهَبهُ بِوادٍ غَيرِ واديكَ نائِيا
أَقامَ بِأَرضٍ أَنتَ لاقيهِ عِندَها
وَإِن بِتُّما تَستَبعِدانِ التَلاقيِا
رَثَيتُ حَياةً بِالثَناءِ خَليقَةً
وَحَلَّيتُ عَهداً بِالمَفاخِرِ حالِيا
وَعَزَّيتُ بَيتاً قَد تَبارَت سَماؤُهُ
مَشايِخَ أَقماراً وَمُرداً دَرارِيا
إِلى اللَهِ إِسماعيلُ وَاِنزِل بِساحَةٍ
أَظَلَّ النَدى أَقطارَها وَالنَواجِيا
تَرى الرَحمَةَ الكُبرى وَراءَ سَمائِها
تَلُفُّ التُقى في سَيبِها وَالمَعاصِيا
لَدى مَلِكٍ لا يَمنَعُ الظِلَّ لائِذاً
وَلا الصَفحَ تَوّاباً وَلا العَفوَ راجِيا
وَأُقسِمُ كُنتَ المَرءَ لَم يَنسَ دينَهُ
وَلَم تُلهِهِ دُنياؤُهُ وَهيَ ماهِيا
وَكُنتَ إِذا الحاجاتُ عَزَّ قَضائُها
لِحاجِ اليَتامى وَالأَرامِلِ قاضِيا
وَكُنتَ تُصَلّي بِالمُلوكِ جَماعَةً
وَكُنتَ تَقومُ اللَيلَ بِالنَفسِ خالِيا
وَمَن يُعطَ مِن جاهِ المُلوكِ وَسيلَةً
فَلا يَصنَعُ الخَيراتِ لَم يُعطَ غالِيا
وَكُنتَ الجَريءَ النَدبَ في كُلِّ مَوقِفٍ
تَلَفتَ فيهِ الحَقُّ لَم يَلقَ حامِيا
بَصُرتُ بِأَخلاقِ الرِجالِ فَلَم أَجِد
وَإِن جَلَتِ الأَخلاقُ لِلعَزمِ ثانِيا
مِنَ العَزمِ ما يُحيِ فُحولاً كَثيرَةً
وَقَدَّمَ كافورَ الخَصِيِّ الطَواشِيا
وَما حَطَّ مِن رَبِّ القَصائِدِ مادِحاً
وَأَنزَلَهُ عَن رُتبَةِ الشِعرِ هاجِيا
فَلَيسَ البَيانُ الهَجوَ إِن كُنتَ ساخِطاً
وَلا هُوَ زورُ المَدحِ إِن كُنتَ راضِيا
وَلَكِن هُدى اللَهِ الكَريمِ وَوَحيُهُ
حَمَلتَ بِهِ المِصباحَ في الناسِ هادِيا
تُفيضُ عَلى الأَحياءِ نوراً وَتارَةً
تُضيءُ عَلى المَوتى الرَجامَ الدَواجِيا
هَياكِلُ تَفنى وَالبَيانُ مُخَلَّدٌ
أَلا إِنَّ عِتقَ الخَمرِ يُنسي الأَوانِيا
ذَهَبتَ أَبا عَبدِ الحَميدِ مُبَرَّءاً
مِنَ الذامِ مَحمودَ الجَوانِبِ زاكِيا
قَليلَ المَساوي في زَمانٍ يَرى العُلا
ذُنوباً وَناسٍ يَخلُقونَ المَساوِيا
طَوَيناكَ كَالماضي تَلَقّاهُ غِمدُهُ
فَلَم تَستَرِح حَتّى نَشَرناكَ ماضِيا
فَكُنتَ عَلى الأَفواهِ سيرَةَ مُجمِلِ
وَكُنتَ حَديثاً في المَسامِعِ عالِيا
وَفَيتَ لِمَن أَدناكَ في المُلكِ حِقبَةً
فَكانَ عَجيباً أَن يَرى الناسُ وافِيا
أَثاروا عَلى آثارِ مَوتِكَ ضَجَّةً
وَهاجوا لَنا الذِكرى وَرَدّوا اللَيالِيا
وَمَن سابَقَ التاريخَ لَم يَأمَنِ الهَوى
مُلِجّاً وَلَم يَسلَم مِنَ الحِقدِ نازِيا
إِذا وَضَعَ الأَحياءُ تاريخَ جيلِهِم
عَرَفتَ المُلاحي مِنهُمو وَالمُحابِيا
إِذا سَلِمَ الدُستورُ هانَ الَّذي مَضى
وَهانَ مِنَ الأَحداثِ ما كانَ آتِيا
أَلا كُلُّ ذَنبٍ لِلَّيالي لِأَجلِهِ
سَدَلنا عَلَيهِ صَفحَنا وَالتَناسِيا