يا هلال الصيام

يا هلال الصيام مثلك في السا
مين للعز من طوى الأفلاكا
مرحبا بالثواب منك وأهلا
بليال جمالها لقياكما
كل عال أو كابر أو نبيل
أو وجيه من النجوم فداكا
كيف يبلغن ما بلغت وما حا
ولن شأوا ولا سرين سراكا
أنت مهد الشهور والحسن والإشـ
ـراق مهد الوجود منذ صباكا
فوق هام الظلام ضوء جبين الـ
ـكون تاج للكائنات ضياكا
غرة الليل والركاب إذا أد
همه قام سابحا في سناكا
وإذا ما أناف يُظهر أحجا
لا ويبدي أطواقه كنت ذاكا
ورقيب على الدياجي إذا ألـ
ـقت عصاها صدّعتِها بعصاكا
وجناح لطائر صاده الليـ
ـل فأمسى يعالج الأشراكا
أيها الطائر المريد فما تقـ
ـدر نفس عما يريد فكاكا
تُقسم الكائنات منك بنون
قلم النور خطها فحلاكا
في كتاب جُعلت قفلا عليه
من يمين ما أومأت بسواكا

أتتني الصحف عنك مخبرات

أَتَتني الصُحفُ عَنكَ مُخَبِّراتِ
بِحادِثَةٍ وَلا كَالحادِثاتِ
بِخَطبِكَ في القِطارِ أَبا حُسَينٍ
وَلَيسَ مِنَ الخُطوبِ الهَيِّناتِ
أُصيبَ المَجدُ يَومَ أصِبتَ فيهِ
وَلَم تَخلُ الفَضيلَةُ مِن شُكاةِ
وَساءَ الناسُ أَن كَبَتِ المَعالي
وَأَزعَجَهُم عِثارُ المَكرُماتِ
وَلَستُ بِناسٍ الآدابَ لَمّا
تَراءَت رَبِّها مُتلَهِّفاتِ
وَكانَ الشِعرُ أَجزَعَها فُؤاداً
وَأَحرَصَها لَدَيكَ عَلى حَياةِ
هَجَرتَ القَولَ أَيّاماً قِصاراً
فَكانَت فَترَةً لِلمُعجِزاتِ
وَإِنَّ لَيالِياً أَمسَكتَ فيها
لَسودٌ لِليَراعِ وَلِلدَواةِ
فَقُل لي عَن رُضوضِكَ كَيفَ أَمسَت
فَقَلبي في رُضوضٍ مُؤلِماتِ
وَهَب لي مِنكَ خَطّاً أَو رَسولاً
يُبَلِّغُ عَنكَ كُلَّ الطَيِّباتِ

ما هيج البسفور مثلك شاعرا

ما هيج البسفور مثلك شاعرا
بين الطبيعة فيه والتاريخ
فجعلت شعرك فيهما ولطالما
قد كنت عبد المدح والتاريخ

قالوا فرنسا أنذرت سلطاننا

قالوا فرنسا أنذرت سلطاننا
قطع العلائق والوعيد مهول
وتساءلوا ماذا يكون فعالها
فأجبتهم فاشودة وتزول
لك أن تلوم ولى من الأعذار
إن الهوى قَدَر من الأقدار
ما كنت أُسلم للعيون سلامتي
وأبيح حادثة الغرام وقارى
وطَر تعلَّقه الفؤاد وينقضى
والنفس ماضية مع الأوطار
يا قلب شأنك لا أمدّك في الهوى
أبدا ولا أدعوك للإقصار
أمرى وأمرك في الهوى بيد الهوى
لو أنه بيدى فككت إسارى
جَارِ الشبيبة وأنتفع بجوارها
قبل المشيب فما له من جار
مَثَل الحياة تُحَبُّ في عهد الصبا
مثَل الرياض تحب في آذار
أبدا فروق من البلاد هي المنى
ومناى منها ظبية بسوار
ممنوعة إلا الجمال بأسره
محجوبة إلا عن الأنظار
خطَواتها التقوى فلا مزهوَّة
تمشى الدلال ولا بذات نِفَار
مرت بنا فوق الخليج فأسفرت
عن جَنة وتلفتت عن نار
في نسوة يورِدن من شِئن الردى
نظَرا ولا ينظرن في الإِصدار
عارضتُهن وبين قلبي والهوى
أمر أحاول كتمه وأداري
وسالت ما شغل الملائك بالثرى
فأجبن عيد خليفة المختار
صبحَ الجلوس جلتك أشرف ليلة
وجلوت للدنيا أجل نهار
الملك بينهما بأيمن طالع
والدين بينهما بخير منار
تاب الزمان إليه عن أحداثه
بفتى على أحداثه جبار
عمر الأمانة لا تراه غافلا
عن حرمة أو نائما عن ثار
عش يا أمير المؤمنين لأمة
ترضاك في الإعلان والإسرار
لو كان يجلس في الجوارح مالك
لجلست في الأسماع والأبصار
إن الذي جعل الخلافة هالة
قد زانها بالبدر في الأقمار
ألقى أزِمتها إليك وحازها
لك عن خلائف أربعين كبار
تعطى المشارق كل عام عيدها
بمجمل الأعوام والأعصار
بابر ممدود البناء بنى لها
ركنا قد كانت بغير جدار
ويهز عطفيه الزمان ويزدهى
بأغر فيه محجل الآثار
جالى الجنودَ كأنهم شهب الدجى
ومنيرهم من كل ليث ضار
ولقد ينال حمى الإله ببعضهم
مالا تنال الأرض بالأسوار
أخليفة الرحمن دعوة مهتد
بإمامة في ضوء يلدز سار
لك أن تقرّ البيض في أغمادها
أو تترك الدنيا بغير قرار
فاختر لبأسك قرِنه وأربأ به
أن يلتقى بسفاسف الأحرار
إن يستعينوا بالسباب فإنه
حولُ الضعيف وحيلة المخوار
مما يبلغني رضاكم أنني
حسّان أبغى الله في أشعاري
ما زلت أهدى كل صالحة لكم
حتى وهبت لكم ثواب البارى

على قدر الهوى يأتي العتاب

على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب
كأنّ رواية الأشواق عود
على بدء وما كمل الكتاب
إذا ما اعتضت عن عشق بعشق
أُعيد الكأس وامتدّ الشراب
وكل هوى بلائمة مشوب
وحبك في الملامة لا يشاب
لأنك أنت للأوطان كهف
وأنت حقوق مصرِك والطِلاب
فأهلا بالأمير وما رأينا
هلالا تستقرّ به الركاب
ولا شمسا برأس التنين حلّت
وفي الدنيا ضحاها واللعاب
تغيب عن البلاد وعن بنيها
وما لك عن قلوبهم غياب
أظلتك الخلافة في ذراها
وبرت سوحها بك والرحاب
وفُتِّح للرعاية ألف باب
هناك وسُدّ للواشين باب
وردنا الماء بينكما نميرا
وأظمأَ من يريبكما السراب
وما وجدوا لمفسدة مجالا
ولكن تنبح القمر الكلاب
فعيشا فرقدين من الليالي
وعاش خلائق بكما وطابوا
نداء الخلف بينكما عقيم
وداعي الله بينكما مجاب

رأيت كلابا بدار السعادة

رأيت كلابا بدار السعادة
عداد الأهالي بها أو زيادة
ولكن بينهما فارقا
ففيهم حماس وفيهم بلاده
مقسمة فرقا في الطريق
كما يقسم الجيش جندا وقاده
ومنها السمين بحجم الخروف
ومنها الضئيل بحجم الجرادة
ويحلو لها النوم فوق الشريط
وتحلو لها في الطريق الولادة
وقد يفسد الجو من نتنها
وعندهم حفظها كالعبادة

قالوا له روحي فداه

قالوا لَهُ روحي فِداهُ
هَذا التَجَنّي ما مَداهُ
أَنا لَم أَقُم بِصُدودِهِ
حَتّى يُحَمِّلُني نَواهُ
تَجري الأُمورُ لِغايَةٍ
إِلّا عَذابي في هَواهُ
سَمَّيتُهُ بَدرَ الدُجى
وَمِنَ العَجائِبِ لا أَراهُ
وَدَعَوتُهُ غُصنَ الرِيا
ضِ فَلَم أَجِد رَوضاً حَواهُ
وَأَقولُ عَنهُ أَخو الغَزا
لِ وَلا أَرى إِلّا أَخاهُ
قالَ العَواذِلُ قَد جَفا
ما بالُ قَلبِكَ ما جَفاهُ
أَنا لَو أَطَعتُ القَلبَ في
هِ لَم أَزِدهِ عَلى جَواهُ
وَالنُصحُ مُتَّهَمٌ وَإِن
نَثَرَتهُ كَالدُرِّ الشِفاهُ
أُذُنُ الفَتى في قَلبِهِ
حيناً وَحيناً في نُهاهُ

أيها المنتحي بأسوان دارا

أَيُّها المُنتَحي بِأَسوانَ داراً
كَالثُرَيّا تُريدُ أَن تَنقَضّا
اِخلَعِ النَعلَ وَاِخفِضِ الطَرفَ وَاِخشَع
لا تُحاوِل مِن آيَةِ الدَهرِ غَضّا
قِف بِتِلكَ القُصورِ في اليَمِّ غَرقى
مُمسِكاً بَعضُها مِنَ الذُعرِ بَعضا
كَعَذارى أَخفَينَ في الماءِ بَضّاً
سابِحاتٍ بِهِ وَأَبدَينَ بَضّا
مُشرِفاتٍ عَلى الزَوالِ وَكانَت
مُشرِفاتٍ عَلى الكَواكِبِ نَهضا
شابَ مِن حَولِها الزَمانُ وَشابَت
وَشَبابُ الفُنونِ مازالَ غَضّا
رُبَّ نَقشٍ كَأَنَّما نَفَضَ الصا
نِعُ مِنهُ اليَدَينِ بِالأَمسِ نَفضا
وَدُهانٍ كَلامِعِ الزَيتِ مَرَّت
أَعصُرٌ بِالسِراجِ وَالزَيتِ وُضّا
وَخُطوطٍ كَأَنَّها هُدبُ ريمٍ
حَسُنَت صَنعَةً وَطولاً وَعَرضا
وَضَحايا تَكادُ تَمشي وَتَرعى
لَو أَصابَت مِن قُدرَةِ اللَهِ نَبضا
وَمَحاريبَ كَالبُروجِ بَنَتها
عَزَماتٌ مِن عَزمَةِ الجِنِّ أَمضى
شَيَّدَت بَعضَها الفَراعينُ زُلفى
وَبَنى البَعضَ أَجنَبٌ يَتَرَضّى
وَمَقاصيرُ أُبدِلَت بِفُتاتِ ال
مِسكِ تُرباً وَبِاليَواقيتِ قَضّا
حَظُّها اليَومَ هَدَّةٌ وَقَديماً
صُرِّفَت في الحُظوظِ رَفعاً وَخَفضا
سَقَتِ العالَمينَ بِالسَعدِ وَالنَخ
سِ إِلى أَن تَعاطَتِ النَحسَ مَحضا
صَنعَةٌ تُدهِشُ العُقولَ وَفَنٌّ
كانَ إِتقانُهُ عَلى القَومِ فَرضا
يا قُصوراً نَظَرتُها وَهيَ تَقضي
فَسَكَبتُ الدُموعَ وَالحَقُّ يُقضى
أَنتِ سَطرٌ وَمَجدُ مِصرَ كِتابٌ
كَيفَ سامَ البِلى كِتابَكَ فَضّا
وَأَنا المُحتَفي بِتاريخِ مِصرٍ
مَن يَصُن مَجدَ قَومِهِ صانَ عِرضا
رُبَّ سِرٍّ بِجانِبَيكَ مُزالٍ
كانَ حَتّى عَلى الفَراعينِ غُمضا
قُل لَها في الدُعاءِ لَو كانَ يُجدي
يا سَماءَ الجِلالِ لا صِرتِ أَرضا
حارَ فيكِ المُهَندِسونَ عُقولاً
وَتَوَلَّت عَزائِمُ العِلمِ مَرضى
أَينَ مَلِكٌ حِيالَها وَفَريدٌ
مِن نِظامِ النَعيمِ أَصبَحَ فَضا
أَينَ فِرعَونُ في المَواكِبِ تَترى
يَركُضُ المالِكينَ كَالخَيلِ رَكضا
ساقَ لِلفَتحِ في المَمالِكِ عَرضاً
وَجَلا لِلفَخارِ في السِلمِ عَرضا
أَينَ إيزيسَ تَحتَها النيلُ يَجري
حَكَمَت فيهِ شاطِئَينِ وَعَرضا
أَسدَلَ الطَرفَ كاهِنٌ وَمَليكٌ
في ثَراها وَأَرسَلَ الرَأسَ خَفضا
يُعرَضُ المالِكونَ أَسرى عَلَيها
في قُيودِ الهَوانِ عانينَ جَرضى
ما لَها أَصبَحَت بِغَيرِ مُجيرٍ
تَشتَكي مِن نَوائِبِ الدَهرِ عَضّا
هِيَ في الأَسرِ بَينَ صَخرٍ وَبَحرٍ
مُلكَةٌ في السُجونِ فَوقَ حَضوضى
أَينَ هوروسُ بَينَ سَيفٍ وَنِطعٍ
أَبِهَذا في شَرعِهِم كانَ يُقضى
لَيتَ شِعري قَضى شَهيدَ غَرامٍ
أَم رَماهُ الوُشاةُ حِقداً وَبُغضا
رُبَّ ضَربٍ مِن سَوطِ فِرعَونَ مَضٍّ
دونَ فِعلِ الفِراقِ بِالنَفسِ مَضّا
وَهَلاكٍ بِسَيفِهِ وَهوَ قانٍ
دونَ سَيفٍ مِنَ اللَواحِظِ يُنضى
قَتَلوهُ فَهَل لِذاكَ حَديثٌ
أَينَ راوي الحَديثِ نَثراً وَقَرضا
يا إِمامَ الشُعوبِ بِالأَمسِ وَاليَو
مِ سَتُعطى مِنَ الثَناءِ فَتَرضى
مِصرُ بِالنازِلينَ مِن ساحِ مَعنٍ
وَحِمى الجودِ حاتِمُ الجودِ أَفضى
كُن ظَهيراً لِأَهلِها وَنَصيراً
وَاِبذُلِ النُصحَ بَعدَ ذَلِكَ مَحضا
قُل لِقَومٍ عَلى الوِلاياتِ أَيقا
ظٍ إِذا ذاقَتِ البَرِيَّةُ غُمضا
شيمَةُ النيلِ أَن يَفي وَعَجيبٌ
أَحرَجوهُ فَضَيَّعَ العَهدَ نَقضا
حاشَهُ الماءُ فَهوَ صَيدٌ كَريمٌ
لَيتَ بِالنيلِ يَومَ يَسقُطُ غَيضا
شيدَ وَالمالُ وَالعُلومُ قَليلٌ
أَنقَذوهُ بِالمالِ وَالعِلمِ نَقضا

أنا من بدل بالكتب الصحابا

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِياً إِلّا الكِتابا
صاحِبٌ إِن عِبتَهُ أَو لَم تَعِب
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
كُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا
صُحبَةٌ لَم أَشكُ مِنها ريبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتابا
رُبَّ لَيلٍ لَم نُقَصِّر فيهِ عَن
سَمَرٍ طالَ عَلى الصَمتِ وَطابا
كانَ مِن هَمِّ نَهاري راحَتي
وَنَدامايَ وَنَقلِيَ وَالشَرابا
إِن يَجِدني يَتَحَدَّث أَو يَجِد
مَلَلاً يَطوي الأَحاديثَ اِقتِضابا
تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقاً وَكِذابا
فَتَخَيَّرها كَما تَختارُهُ
وَاِدَّخِر في الصَحبِ وَالكُتبِ اللُبابا
صالِحُ الإِخوانِ يَبغيكَ التُقى
وَرَشيدُ الكُتبِ يَبغيكَ الصَوابا
غالِ بِالتاريخِ وَاِجعَل صُحفَهُ
مِن كِتابِ اللَهِ في الإِجلالِ قابا
قَلِّبِ الإِنجيلَ وَاِنظُر في الهُدى
تَلقَ لِلتاريخِ وَزناً وَحِسابا
رُبَّ مَن سافَرَ في أَسفارِهِ
بِلَيالي الدَهرِ وَالأَيّامِ آبا
وَاِطلُبِ الخُلدَ وَرُمهُ مَنزِلاً
تَجِدِ الخُلدَ مِنَ التاريخِ بابا
عاشَ خَلقٌ وَمَضَوا ما نَقَصوا
رُقعَةَ الأَرضِ وَلا زادوا التُرابا
أَخَذَ التاريخُ مِمّا تَرَكوا
عَمَلاً أَحسَنَ أَو قَولاً أَصابا
وَمِنَ الإِحسانِ أَو مِن ضِدِّهِ
نَجَحَ الراغِبُ في الذِكرِ وَخابا
مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم
كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا
أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ
يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا
يا أَبا الحُفّاظِ قَد بَلَّغتَنا
طِلبَةً بَلَّغَكَ اللَهُ الرِغابا
لَكَ في الفَتحِ وَفي أَحداثِهِ
فَتَحَ اللَهُ حَديثاً وَخِطابا
مَن يُطالِعهُ وَيَستَأنِس بِهِ
يَجِدُ الجِدَّ وَلا يَعدَم دِعابا
صُحُفٌ أَلَّفَتها في شِدَّةٍ
يَتَلاشى دونَها الفِكرُ اِنتِهابا
لُغَةُ الكامِلِ في اِستِرسالِهِ
وَاِبنُ خَلدونَ إِذا صَحَّ وَصابا
إِنَّ لِلفُصحى زِماماً وَيَداً
تَجنِبُ السَهلَ وَتَقتادُ الصَعابا
لُغَةُ الذِكرِ لِسانُ المُجتَبى
كَيفَ تَعيا بِالمُنادينَ جَوابا
كُلُّ عَصرٍ دارُها إِن صادَفَت
مَنزِلاً رَحباً وَأَهلاً وَجَنابا
إِئتِ بِالعُمرانِ رَوضاً يانِعاً
وَاِدعُها تَجرِ يَنابيعَ عِذابا
لا تَجِئها بِالمَتاعِ المُقتَنى
سَرَقاً مِن كُلِّ قَومٍ وَنِهابا
سَل بِها أَندَلُساً هَل قَصَّرَت
دونَ مِضمارِ العُلى حينَ أَهابا
غُرِسَت في كُلِّ تُربٍ أَعجَمٍ
فَزَكَت أَصلاً كَما طابَت نِصابا
وَمَشَت مِشيَتَها لَم تَرتَكِب
غَيرَ رِجلَيها وَلَم تَحجِل غُرابا
إِنَّ عَصراً قُمتَ تَجلوهُ لَنا
لَبِسَ الأَيّامَ دَجناً وَضَبابا
المَماليكُ تَمَشّى ظُلمُهُم
ظُلُماتٍ كَدُجى اللَيلِ حِجابا
كُلُّهُم كافورُ أَو عَبدُ الخَنا
غَيرَ أَنَّ المُتَنَبّي عَنهُ خابا
وَلِكُلٍّ شيعَةٌ مِن جِنسِهِ
إِنَّ لِلشَرِّ إِلى الشَرِّ اِنجِذابا
ظُلُماتٌ لا تَرى في جُنحِها
غَيرَ هَذا الأَزهَرِ السَمحِ شِهابا
زيدَتِ الأَخلاقُ فيهِ حائِطاً
فَاِحتَمى فيها رِواقاً وَقِبابا
وَتَرى الأَعزالَ مِن أَشياخِهِ
صَيَّروهُ بِسِلاحِ الحَقِّ غابا
قَسَماً لَولاهُ لَم يَبقَ بِها
رَجُلٌ يَقرَأُ أَو يَدري الكِتابا
حَفِظَ الدينَ مَلِيّاً وَمَضى
يُنقِذُ الدُنيا فَلَم يَملِك ذَهابا
أوذِيَت هَيبَتُهُ مِن عَجزِهِ
وَقُصارى عاجِزٍ أَن لا يُهابا
لَم تُغادِر قَلَماً في راحَةٍ
دَولَةٌ ما عَرَفَت إِلّا الحِرابا
أَقعَدَ اللَهُ الجَبرَتِيَّ لَها
قَلَماً عَن غائِبِ الأَقلامِ نابا
خَبَّأَ الشَيخُ لَها في رُدنِهِ
مِرقَماً أَدهى مِنَ الصِلِّ اِنسِيابا
مَلِكٌ لَم يُغضِ عَن سَيِّئَةٍ
يا لَهُ مِن مَلَكٍ يَهوى السِبابا
لا يَراهُ الظُلمُ في كاهِلِهِ
وَهوَ يَكوي كاهِلَ الظُلمِ عِقابا
صُحُفُ الشَيخِ وَيَومِيّاتُهُ
كَزَمانِ الشَيخِ سُقماً وَاِضطِرابا
مِن حَواشٍ كَجَليدٍ لَم يَذُب
وَفُصولٍ تُشبِهُ التِبرَ المُذابا
وَالجَبَرتِيُّ عَلى فِطنَتِهِ
مَرَّةً يَغبى وَحيناً يَتَغابى
مُنصِفٌ ما لَم يَرُض عاطِفَةً
أَو يُعالِجُ لِهَوى النَفسِ غِلابا
وَإِذا الحَيُّ تَوَلّى بِالهَوى
سيرَةَ الحَيِّ بَغى فيها وَحابى
وَقعَةُ الأَهرامِ جَلَّت مَوقِعاً
وَتَعالَت في المَغازي أَن تُرابا
عِظَةُ الماضي وَمُلقى دَرسِهِ
لِعُقولٍ تَجعَلُ الماضي مَثابا
مِن بَناتِ الدَهرِ إِلّا أَنَّها
تَنشُرُ الدَهرَ وَتَطويهِ كَعابا
وَمِنَ الأَيّامِ ما يَبقى وَإِن
أَمعَنَ الأَبطالُ في الدَهرِ اِحتِجابا
هِيَ مِن أَيِّ سَبيلٍ جِئتَها
غايَةٌ في المَجدِ لا تَدنو طِلابا
اُنظُرِ الشَرقَ تَجِدها صَرَّفَت
دَولَةَ الشَرقِ اِستِواءً وَاِنقِلابا
جَلَبَت خَيراً وَشَرّاً وَسَقَت
أُمَماً في مَهدِهِم شُهداً وَصابا
في نَصيبينَ لَبِسنا حُسنَها
وَعَلى التَلِّ لَبِسناها مَعابا
إِنَّ سِرباً زَحَفَ النَسرُ بِهِ
قَطَعَ الأَرضَ بِطاحاً وَهِضابا
إِن تَرامَت بَلَداً عِقبانُهُ
خَطَفَت تاجاً وَاِصطادَت عُقابا
شَهِدَ الجَيزِيُّ مِنهُم عُصبَةً
لَبِسوا الغارَ عَلى الغارِ اِغتِصابا
كَذِئابِ القَفرِ مِن طولِ الوَغى
وَاِختِلافِ النَقعِ لَوناً وَإِهابا
قادَهُم لِلفَتحِ في الأَرضِ فَتىً
لَو تَأَنّى حَظَّهُ قادَ الصَحابا
غَرَّتِ الناسَ بِهِ نَكبَتُهُ
جَمَعَ الجُرحُ عَلى اللَيثِ الذُبابا
بَرَزَت بِالمَنظَرِ الضاحي لَهُم
فَيلَقٌ كَالزَهرِ حُسناً وَاِلتِهابا
حُلِّيَ الفُرسانُ فيها جَوهَراً
وَجَلالُ الخَيلِ دُرّاً وَذَهابا
في سِلاحٍ كَحُلِيِّ الغيدِ ما
لَمَسَت طَعناً وَلا مَسَّت ضِرابا
طَرِحَت مِصرٌ فَكانَت مومِيا
بَينَ لِصَّينِ أَراداها جُذابا
نالَها الأَعرَضُ ظَفَراً مِنهُما
مِن ذِئابِ الحَربِ وَالأَطوَلُ نابا
وَبَنو الوادي رِجالاتُ الحِمى
وَقَفوا مِن ساقِهِ الجَيشَ ذُنابى
مَوقِفَ العاجِزِ مِن حِلفِ الوَغى
يَحرُسُ الأَحمالَ أَو يَسقي مُصابا

كان ذئب يتغذى

كانَ ذِئبٌ يَتَغَذّى
فَجَرَت في الزَورِ عَظمَه
أَلزَمَتهُ الصَومَ حَتّى
فَجَعَت في الروحِ جِسمَه
فَأَتى الثَعلَبُ يَبكي
وَيُعَزّي فيهِ أُمَّه
قالَ يا أُمَّ صَديقي
بِيَ مِمّا بِكِ غُمَّه
فَاِصبِري صَبراً جَميلاً
إِنَّ صَبرَ الأُمِّ رَحمَه
فَأَجابَت يا اِبنَ أُختي
كُلُّ ما قَد قُلتَ حِكمَه
ما بِيَ الغالي وَلَكِن
قَولُهُم ماتَ بِعَظمَه
لَيتَهُ مِثلَ أَخيهِ
ماتَ مَحسوداً بِتُخمَه