يا نائح الطلح أشباه عوادينا

يا نائِحَ ا لطَلحِ أَشباهٌ عَوادينا
نَشجى لِواديكَ أَم نَأسى لِوادينا
ماذا تَقُصُّ عَلَينا غَيرَ أَنَّ يَداً
قَصَّت جَناحَكَ جالَت في حَواشينا
رَمى بِنا البَينُ أَيكاً غَيرَ سامِرِنا
أَخا الغَريبِ وَظِلّاً غَيرَ نادينا
كُلٌّ رَمَتهُ النَوى ريشَ الفِراقُ لَنا
سَهماً وَسُلَّ عَلَيكَ البَينُ سِكّينا
إِذا دَعا الشَوقُ لَم نَبرَح بِمُنصَدِعٍ
مِنَ الجَناحَينِ عَيٍّ لا يُلَبّينا
فَإِن يَكُ الجِنسُ يا اِبنَ ا لطَلحِ فَرَّقَنا
إِنَّ المَصائِبَ يَجمَعنَ المُصابينا
لَم تَألُ ماءَكَ تَحناناً وَلا ظَمَأً
وَلا اِدِّكاراً وَلا شَجوا أَفانينا
تَجُرُّ مِن فَنَنٍ ساقاً إِلى فَنَنٍ
وَتَسحَبُ الذَيلَ تَرتادُ المُؤاسينا
أُساةُ جِسمِكَ شَتّى حينَ تَطلُبُهُم
فَمَن لِروحِكَ بِالنُطسِ المُداوينا
آها لَنا نازِحي أَيكٍ بِأَندَلُسٍ
وَإِن حَلَلنا رَفيقاً مِن رَوابينا
رَسمٌ وَقَفنا عَلى رَسمِ الوَفاءِ لَهُ
نَجيشُ بِالدَمعِ وَ الإِجلالِ يَثنينا
لِفِتيَةٍ لا تَنالُ الأَرضُ أَدمُعَهُم
وَلا مَفارِقَهُم إِلّا مُصَلّينا
لَو لَم يَسودوا بِدينٍ فيهِ مَنبَهَةٌ
لِلناسِ كانَت لَهُم أَخلاقُهُم دينا
لَم نَسرِ مِن حَرَمٍ إِلّا إِلى حَرَمٍ
كَالخَمرِ مِن بابِلٍ سارَت لِدارينا
لَمّا نَبا الخُلدُ نابَت عَنهُ نُسخَتُهُ
تَماثُلَ الوَردِ خِيرِيّاً وَنَسرينا
نَسقي ثَراهُم ثَناءً كُلَّما نُثِرَت
دُموعُنا نُظِمَت مِنها مَراثينا
كادَت عُيونُ قَوافينا تُحَرِّكُهُ
وَكِدنَ يوقِظنَ في التُربِ السَلاطينا
لَكِنَّ مِصرَ وَإِن أَغضَت عَلى مِقَةٍ
عَينٌ مِنَ الخُلدِ بِالكافورِ تَسقينا
عَلى جَوانِبِها رَفَّت تَمائِمُنا
وَحَولَ حافاتِها قامَت رَواقينا
مَلاعِبٌ مَرِحَت فيها مَآرِبُنا
وَأَربُعٌ أَنِسَت فيها أَمانينا
وَمَطلَعٌ لِسُعودٍ مِن أَواخِرِنا
وَمَغرِبٌ لِجُدودٍ مِن أَوالينا
بِنّا فَلَم نَخلُ مِن رَوحٍ يُراوِحُنا
مِن بَرِّ مِصرَ وَرَيحانٍ يُغادينا
كَأُمِّ موسى عَلى اِسمِ اللَهِ تَكفُلُنا
وَبِاِسمِهِ ذَهَبَت في اليَمِّ تُلقينا
وَمِصرُ كَالكَرمِ ذي الإِحسانِ فاكِهَةٌ
لِحاضِرينَ وَأَكوابٌ لِبادينا
يا سارِيَ البَرقِ يَرمي عَن جَوانِحِنا
بَعدَ الهُدوءِ وَيَهمي عَن مَآقينا
لَمّا تَرَقرَقَ في دَمعِ السَماءِ دَماً
هاجَ البُكا فَخَضَبنا الأَرضَ باكينا
اللَيلُ يَشهَدُ لَم نَهتِك دَياجِيَهُ
عَلى نِيامٍ وَلَم نَهتِف بِسالينا
وَالنَجمُ لَم يَرَنا إِلّا عَلى قَدَمٍ
قِيامَ لَيلِ الهَوى لِلعَهدِ راعينا
كَزَفرَةٍ في سَماءِ اللَيلِ حائِرَةٍ
مِمّا نُرَدِّدُ فيهِ حينَ يُضوينا
بِاللَهِ إِن جُبتَ ظَلماءَ العُبابِ عَلى
نَجائِبِ النورِ مَحدُوّاً بِجرينا
تَرُدُّ عَنكَ يَداهُ كُلَّ عادِيَةٍ
إِنساً يَعِثنَ فَساداً أَو شَياطينا
حَتّى حَوَتكَ سَماءُ النيلِ عالِيَةٍ
عَلى الغُيوثِ وَإِن كانَت مَيامينا
وَأَحرَزَتكَ شُفوفُ اللازَوَردِ عَلى
وَشيِ الزَبَرجَدِ مِن أَفوافِ وادينا
وَحازَكَ الريفُ أَرجاءً مُؤَرَّجَةً
رَبَت خَمائِلَ وَاِهتَزَّت بَساتينا
فَقِف إِلى النيلِ وَاِهتُف في خَمائِلِهِ
وَاِنزِل كَما نَزَلَ الطَلُّ الرَياحينا
وَآسِ ما باتَ يَذوي مِن مَنازِلِنا
بِالحادِثاتِ وَيَضوى مِن مَغانينا
وَيا مُعَطِّرَةَ الوادي سَرَت سَحَراً
فَطابَ كُلُّ طُروحٍ مِن مَرامينا
ذَكِيَّةُ الذَيلِ لَو خِلنا غِلالَتَها
قَميصَ يوسُفَ لَم نُحسَب مُغالينا
جَشِمتِ شَوكَ السُرى حَتّى أَتَيتِ لَنا
بِالوَردِ كُتباً وَبِالرَيّا عَناوينا
فَلَو جَزَيناكِ بِالأَرواحِ غالِيَةً
عَن طيبِ مَسراكِ لَم تَنهَض جَوازينا
هَل مِن ذُيولِكِ مَسكِيٌّ نُحَمِّلُهُ
غَرائِبَ الشَوقِ وَشياً مِن أَمالينا
إِلى الَّذينَ وَجَدنا وُدَّ غَيرِهِمُ
دُنيا وَوُدَّهُمو الصافي هُوَ الدينا
يا مَن نَغارُ عَلَيهِم مِن ضَمائِرِنا
وَمِن مَصونِ هَواهُم في تَناجينا
غابَ الحَنينُ إِلَيكُم في خَواطِرِنا
عَنِ الدَلالِ عَلَيكُم في أَمانينا
جِئنا إِلى الصَبرِ نَدعوهُ كَعادَتِنا
في النائِباتِ فَلَم يَأخُذ بِأَيدينا
وَما غُلِبنا عَلى دَمعٍ وَلا جَلَدٍ
حَتّى أَتَتنا نَواكُم مِن صَياصينا
وَنابِغي كَأَنَّ الحَشرَ آخِرُهُ
تُميتُنا فيهِ ذِكراكُم وَتُحيينا
نَطوي دُجاهُ بِجُرحٍ مِن فُراقِكُمو
يَكادُ في غَلَسِ الأَسحارِ يَطوينا
إِذا رَسا النَجمُ لَم تَرقَأ مَحاجِرُنا
حَتّى يَزولَ وَلَم تَهدَأ تَراقينا
بِتنا نُقاسي الدَواهي مِن كَواكِبِهِ
حَتّى قَعَدنا بِها حَسرى تُقاسينا
يَبدو النَهارُ فَيَخفيهِ تَجَلُّدُنا
لِلشامِتينَ وَيَأسوهُ تَأَسّينا
سَقياً لِعَهدٍ كَأَكنافِ الرُبى رِفَةً
أَنّى ذَهَبنا وَأَعطافِ الصَبا لينا
إِذِ الزَمانُ بِنا غَيناءُ زاهِيَةٌ
تَرِفُّ أَوقاتُنا فيها رَياحينا
الوَصلُ صافِيَةٌ وَالعَيشُ ناغِيَةٌ
وَالسَعدُ حاشِيَةٌ وَالدَهرُ ماشينا
وَالشَمسُ تَختالُ في العِقيانِ تَحسَبُها
بَلقيسَ تَرفُلُ في وَشيِ اليَمانينا
وَالنيلُ يُقبِلُ كَالدُنيا إِذا اِحتَفَلَت
لَو كانَ فيها وَفاءٌ لِلمُصافينا
وَالسَعدُ لَو دامَ وَالنُعمى لَوِ اِطَّرَدَت
وَالسَيلُ لَو عَفَّ وَالمِقدارُ لَو دينا
أَلقى عَلى الأَرضِ حَتّى رَدَّها ذَهَباً
ماءً لَمَسنا بِهِ الإِكسيرَ أَو طينا
أَعداهُ مِن يُمنِهِ التابوتُ وَاِرتَسَمَت
عَلى جَوانِبِهِ الأَنوارُ مِن سينا
لَهُ مَبالِغُ ما في الخُلقِ مِن كَرَمٍ
عَهدُ الكِرامِ وَميثاقُ الوَفِيّينا
لَم يَجرِ لِلدَهرِ إِعذارٌ وَلا عُرُسٌ
إِلّا بِأَيّامِنا أَو في لَيالينا
وَلا حَوى السَعدُ أَطغى في أَعِنَّتِهِ
مِنّا جِياداً وَلا أَرحى مَيادينا
نَحنُ اليَواقيتُ خاضَ النارَ جَوهَرُنا
وَلَم يَهُن بِيَدِ التَشتيتِ غالينا
وَلا يَحولُ لَنا صِبغٌ وَلا خُلُقٌ
إِذا تَلَوَّنَ كَالحِرباءِ شانينا
لَم تَنزِلِ الشَمسُ ميزاناً وَلا صَعَدَت
في مُلكِها الضَخمِ عَرشاً مِثلَ وادينا
أَلَم تُؤَلَّه عَلى حافاتِهِ وَرَأَت
عَلَيهِ أَبناءَها الغُرَّ المَيامينا
إِن غازَلَت شاطِئَيهِ في الضُحى لَبِسا
خَمائِلَ السُندُسِ المَوشِيَّةِ الغينا
وَباتَ كُلُّ مُجاجِ الوادِ مِن شَجَرٍ
لَوافِظَ القَزِّ بِالخيطانِ تَرمينا
وَهَذِهِ الأَرضُ مِن سَهلٍ وَمِن جَبَلٍ
قَبلَ القَياصِرِ دِنّاها فَراعينا
وَلَم يَضَع حَجَراً بانٍ عَلى حَجَرٍ
في الأَرضِ إِلّا عَلى آثارِ بانينا
كَأَنَّ أَهرامَ مِصرٍ حائِطٌ نَهَضَت
بِهِ يَدُ الدَهرِ لا بُنيانُ فانينا
إيوانُهُ الفَخمُ مِن عُليا مَقاصِرِهِ
يُفني المُلوكَ وَلا يُبقي الأَواوينا
كَأَنَّها وَرِمالاً حَولَها اِلتَطَمَت
سَفينَةٌ غَرِقَت إِلّا أَساطينا
كَأَنَّها تَحتَ لَألاءِ الضُحى ذَهَباً
كُنوزُ فِرعَونَ غَطَّينَ المَوازينا
أَرضُ الأُبُوَّةِ وَالميلادِ طَيَّبَها
مَرُّ الصِبا في ذُيولٍ مِن تَصابينا
كانَت مُحَجَّلَةٌ فيها مَواقِفُنا
غُرّاً مُسَلسَلَةَ المَجرى قَوافينا
فَآبَ مِن كُرَةِ الأَيّامِ لاعِبُنا
وَثابَ مِن سِنَةِ الأَحلامِ لاهينا
وَلَم نَدَع لِلَيالي صافِياً فَدَعَت
بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا
لَوِ اِستَطَعنا لَخُضنا الجَوَّ صاعِقَةً
وَالبَرَّ نارَ وَغىً وَالبَحرَ غِسلينا
سَعياً إِلى مِصرَ نَقضي حَقَّ ذاكِرِنا
فيها إِذا نَسِيَ الوافي وَباكينا
كَنزٌ بِحُلوانَ عِندَ اللَهِ نَطلُبُهُ
خَيرَ الوَدائِعِ مِن خَيرِ المُؤَدّينا
لَو غابَ كُلُّ عَزيزٍ عَنهُ غَيبَتَنا
لَم يَأتِهِ الشَوقُ إِلّا مِن نَواحينا
إِذا حَمَلنا لِمِصرٍ أَو لَهُ شَجَناً
لَم نَدرِ أَيُّ هَوى الأُمَّينِ شاجينا

لك في الأرض والسماء مآتم

لَكَ في الأَرضِ وَالسَماءِ مَآتِم
قامَ فيها أَبو المَلائِكِ هاشِم
قَعدَ الآلُ لِلعَزاءِ وَقامَت
باكِياتٍ عَلى الحُسَينِ الفَواطِم
يا أَبا العِليَةِ البَهاليلِ سَل آ
باءَكَ الزُهرَ هَل مِنَ المَوتِ عاصِم
المَنايا نَوازِلُ الشَعَرِ الأَب
يَضِ جاراتُ كُلِّ أَسوَدَ فاحِم
ما اللَيالي إِلّا قِصارٌ وَلا الدُن
يا سِوى ما رَأَيتَ أَحلامَ نائِم
اِنحِسارُ الشِفاهِ عَن سِنِّ جَذلا
نَ وَراءَ الكَرى إِلى سِنِّ نادِم
سَنَةٌ أَفرَحَت وَأُخرى أَساءَت
لَم يَدُم في النَعيمِ وَالكَربِ حالِم
المَناحاتُ في مَمالِكِ أَبنا
ئِكَ بَدرِيَّةُ العَزاءِ قَوائِم
تِلكَ بَغدادُ في الدُموعِ وَعَمّا
نُ وَراءَ السَوادِ وَالشامُ واجِم
وَالحِجازُ النَبيلُ رَبعٌ مُصَلٍّ
مِن رُبوعِ الهُدى وَآخَرُ صائِم
وَاِشتَرَكنا فَمِصرُ عَبرى وَلُبنا
نُ سَكوبُ العُيونِ باكي الحَمائِم
قُم تَأَمَّل بَنيكَ في الشَرقِ زَينُ ال
تاجِ مِلءُ السَريرِ نورُ العَواصِم
الزَكِيّونَ عُنصُراً مِثلَ إِبرا
هيمَ وَالطَيِّبونَ مِثلَ القاسِم
وَعَلَيهِم إِذا العُيونُ رَمَتهُم
عُوَذٌ مِن مُحَمَّدٍ وَتَمائِم
قَد بَنى اللَهُ بَيتَهُم فَهوَ باقٍ
ما بَنى اللَهُ ما لَهُ مِن هادِم
دَبَّروا المُلكَ في العِراقِ وَفي الشا
مِ فَسَنّوا الهُدى وَرَدّوا المَظالِم
أَمِنَ الناسُ في ذَراهُم وَطابَت
عَرَبُ الأَرضِ تَحتَهُم وَالأَعاجِم
وَبَنوا دَولَةً وَراءَ فِلَسطي
نَ كَعابَ الهُدى فَتاةَ العَزائِم
ساسَها بِالأَناةِ أَروَعُ كَالدا
خِلِ ماضي الجِنانِ يَقظانُ حازِم
قُبرُصٌ كانَتِ الحَديدَ وَقَد تَن
زِلُ قُضبانَهُ اللُيوثُ الضَراغِم
كَرِهَ الدَهرُ أَن يَقومَ لِواءٌ
تُحشَرُ البيدُ تَحتَهُ وَالعَمائِم
قُم تَحَدَّث أَبا عَلِيٍّ إِلَينا
كَيفَ غامَرتَ في جِوارِ الأَراقِم
لَم تُبالِ النُيوبَ في الهامِ خُشناً
وَتَعَلَّقَت بِالحَواشي النَواعِم
هاتِ حَدِّث عَنِ العَوانِ وَصِفها
لا تُرَع في التُرابِ ما أَنا لائِم
كُلُّنا وارِدُ السَرابِ وَكُلٌّ
حَمَلٌ في وَليمَةِ الذِئبِ طاعِم
قَد رَجَونا مِنَ المَغانِمِ حَظّاً
وَوَرَدنا الوَغى فَكُنّا الغَنائِم
قَد بَعَثتَ القَضِيَّةَ اليَومَ مَيتاً
رُبَّ عَظمٍ أَتى الأُمورَ العَظائِم
أَنتَ كَالحَقِّ أَلَّفَ الناسَ يَقظا
نَ وَزادَ اِئتِلافَهُم وَهوَ نائِم
إِنَّما الهِمَّةُ البَعيدَةُ غَرسٌ
مُتَأَنّي الجَنى بَطيءُ الكَمائِم
رُبَّما غابَ عَن يَدٍ غَرَسَتهُ
وَحَوَتهُ عَلى المَدى يَدُ قادِم
حَبَّذا مَوقِفٌ غُلِبتَ عَلَيهِ
لَم يَقِفهُ لِلعُربِ قَبلَكَ خادِم
ذائِداً عَن مَمالِكٍ وَشُعوبٍ
نُقِلَت في الأكُفِّ نَقلَ الدَراهِم
كُلُّ ماءٍ لَهُم وَكُلُّ سَماءٍ
مَوطِئُ الخَيلِ أَو مَطارُ القَشاعِم
لِمَ لَم تَدعُهُم إِلى الهِمَّةِ الشَم
ماءِ وَالعِلمِ وَالطِماحِ المُزاحِم
وَرُكوبِ اللِجاجِ وَهيَ طَواغٍ
وَالسَمَواتِ وَهيَ هوجُ الشَكائِم
وَإِلى القُطبِ وَالجَليدُ عَلَيهِ
وَالصَحاري وَما بِها مِن حَمائِم
اِغسُلوهُ بِطَيِّبٍ مِن وَضوءِ ال
رُسلِ كَالوَردِ في رُباهُ البَواسِم
وَخُذوا مِن وِسادِهِم في المُصَلّى
رُقعَةً كَفِّنوا بِها فَرعَ هاشِم
وَاِستَعيروا لِنَعشِهِ مِن ذُرى المِن
بَرِ عوداً وَمِن شَريفِ القَوائِم
وَاِحمُلوهُ عَلى البُراقِ إِنِ اِسطَع
تُم فَقَد جَلَّ عَن ظُهورِ الرَواسِم
وَأَديروا إِلى العَتيقِ حُسَيناً
يَبتَهِل رُكنُهُ وَتَدعو الدَعائِم
وَاِذكُروا لِلأَميرِ مَكَّةَ وَالقَص
رَ وَعَهدَ الصَفا وَطيبَ المَواسِم
ظَمِئَ الحُرُّ لِلدِيارِ وَإِن كا
نَ عَلى مَنهَلٍ مِنَ الخُلدِ دائِم
نَقِّلوا النَعشَ ساعَةً في رُبا الفَت
حِ وَطوفوا بِرَبِّهِ في المَعالِم
وَقِفوا ساعَةً بِهِ في ثَرى الأَق
مارِ مِن قَومِهِ وَتُربَ الغَمائِم
وَاِدفُنوهُ في القُدسِ بَينَ سُلَيما
نَ وَداوُدَ وَالمُلوكِ الأَكارِم
إِنَّما القُدسُ مَنزِلُ الوَحيِ مَغنى
كُلِّ حَبرٍ مِنَ الأَوائِلِ عالِم
كُنِّفَت بِالغُيوبِ فَالأَرضُ أَسرا
رٌ مَدى الدَهرِ وَالسَماءُ طَلاسِم
وَتَحَلَّت مِنَ البُراقِ بِطُغَرا
ءَ وَمِن حافِرِ البُراقِ بِخاتِم

أمينة يا بنتي الغاليه

أَمينَةُ يا بِنتِيَ الغالِيَه
أُهَنّيكِ بِالسَنَةِ الثانِيَه
وَأَسأَلُ أَن تَسلَمي لي السِنينَ
وَأَن تُرزَقي العَقلَ وَالعافِيَه
وَأَن تُقسَمي لِأَبَرِّ الرِجالِ
وَأَن تَلِدي الأَنفُسَ العالِيَه
وَلَكِن سَأَلتُكِ بِالوالِدَينِ
وَناشَدتُكِ اللُعَبَ الغالِيَه
أَتَدرينَ ما مَرَّ مِن حادِثٍ
وَما كانَ في السَنَةِ الماضِيَه
وَكَم بُلتِ في حُلَلٍ مِن حَريرٍ
وَكَم قَد كَسَرتِ مِنَ الآنِيَه
وَكَم سَهَرَت في رِضاكِ الجُفونُ
وَأَنتِ عَلى غَضَبٍ غافِيَه
وَكَم قَد خَلَت مِن أَبيكِ الجُيوبُ
وَلَيسَت جُيوبُكِ بِالخالِيَه
وَكَم قَد شَكا المُرَّ مِن عَيشِهِ
وَأَنتِ وَحَلواكِ في ناحِيَه
وَكَم قَد مَرِضتِ فَأَسقَمتِهِ
وَقُمتِ فَكُنتِ لَهُ شافِيَه
وَيَضحَكُ إِن جِئتِهِ تَضحَكينَ
وَيَبكي إِذا جِئتِهِ باكِيَه
وَمِن عَجَبٍ مَرَّتِ الحادِثاتُ
وَأَنتِ لِأَحدَثِها ناسِيَه
فَلَو حَسَدَت مُهجَةٌ وُلدَها
حَسَدتُكِ مِن طِفلَةٍ لاهِيَه

يا حبذا أمينة وكلبها

يا حَبَّذا أَمينَةٌ وَكَلبُها
تُحِبُّهُ جِدّاً كَما يُحِبُّها
أَمينَتي تَحبو إِلى الحَولَينِ
وَكَلبُها يُناهِزُ الشَهرَينِ
لَكِنَّها بَيضاءُ مِثلُ العاجِ
وَعَبدُها أَسوَدُ كَالدَياجي
يَلزَمُها نَهارَها وَتَلزَمُه
وَمِثلَما يُكرِمُها لا تُكرِمُهُ
فَعِندَها مِن شِدَّةِ الإِشفاقِ
أَن تَأخُذَ الصَغيرَ بِالخِناقِ
في كُلِّ ساعَةٍ لَهُ صِياحُ
وَقَلَّما يَنعَمُ أَو يَرتاحُ
وَهَذِهِ حادِثَةٌ لَها مَعَه
تُنبيكَ كَيفَ اِستَأثَرَت بِالمَنفَعَه
جاءَت بِهِ إِلَيَّ ذاتَ مَرَّه
تَحمِلُهُ وَهيَ بِهِ كَالبَرَّه
فَقُلتُ أَهلا بِالعَروسِ وَاِبنِها
ماذا يَكونُ يا تُرى مِن شَأنِها
قالَت غُلامي يا أَبي جَوعانُ
وَما لَهُ كَما لَنا لِسانُ
فَمُرهُموا يَأتوا بِخُبزٍ وَلَبَن
وَيُحضِروا آنِيَةً ذاتَ ثَمَن
فَقُمتُ كَالعادَةِ بِالمَطلوبِ
وَجِئتُها أَنظُرُ مِن قَريبِ
فَعَجَنَت في اللَبَنِ اللُبابا
كَما تَرانا نُطعِمُ الكِلابا
ثُمَّ أَرادَت أَن تَذوقَ قَبلَهُ
فَاِستَطعَمَت بِنتُ الكِرامِ أَكلَهُ
هُناكَ أَلقَت بِالصَغيرِ لِلوَرا
وَاِندَفَعَت تَبكي بُكاءً مُفتَرى
تَقولُ بابا أَنا دَحّا وَهوَ كُخّ
مَعناهُ بابا لِيَ وَحدي ما طُبِخ
فَقُل لِمَن يَجهَل خَطبَ الآنِيَه
قَد فُطِرَ الطِفلُ عَلى الأَنانِيَه

حف كأسها الحبب

حَفَّ كَأسَها الحَبَبُ
فَهيَ فِضَّةٌ ذَهَبُ
أَو دَوائِرٌ دُرَرٌ
مائِجٌ بِها لَبَبُ
أَو فَمُ الحَبيبِ جَلا
عَن جُمانِهِ الشَنَبُ
أَو يَدٌ وَباطِنُها
عاطِلٌ وَمُختَضِبُ
أَو شَقيقُ وَجنَتِهِ
حينَ لي بِهِ لَعِبُ
راحَةُ النُفوسِ وَهَل
عِندَ راحَةٍ تَعَبُ
يا نَديمُ خِفَّ بِها
لا كَبا بِكَ الطَرَبُ
لا تَقُل عَواقِبُها
فَالعَواقِبُ الأَدَبُ
تَنجَلي وَلي خُلُقٌ
يَنجَلي وَيَنسَكِبُ
يَرقُبُ الرِفاقُ لَهُ
كُلَّما سَرى شَرِبوا
شاعِرُ العَزيزِ وَما
بِالقَليلِ ذا اللَقَبُ
لَيلَةٌ لِسَيِّدِنا
في الزَمانِ تُرتَقَبُ
دونَها الرَشيدُ وَما
أَخلَدَت لَهُ الكُتُبُ
يُهرَعُ النَزيلُ لَها
وَالرَعِيَّةُ النُخَبُ
فَالسَرايُ جَوهَرَةٌ
لِلعُقولِ تَختَلِبُ
أَو كَباقَةِ زَهرا
لِلعُيونِ تَأتَشِبُ
الجَلالُ قُبَّتُهُ
وَالسَنا لَهُ طُنُبُ
ثابِتٌ وَذِروَتُهُ
في الفَضاءِ تَضطَرِبُ
أَشرَقَت نَوافِذُهُ
فَهيَ مَنظَرٌ عَجَبُ
وَاِستَنارَ رَفرَفُهُ
وَالسُجوفُ وَالحُجُبُ
تَعجَبُ العُيونُ لَهُ
كَيفَ تَسكُنُ الشُهُبُ
أَقبَلَت شُموسُ ضُحىً
ما لَهُنَّ مُنتَقَبُ
الظَلامُ رايَتُها
وَهيَ جَيشُهُ اللَجِبُ
في هَوادِجٍ عَجَلاً
بِالجِيادِ تَنسَحِبُ
قامَ دونَها سَبَبٌ
وَاِستَحَثَّها سَبَبُ
فَهيَ تارَةً مَهَلٌ
وَهيَ تارَةً خَبَبُ
تَرتَمي بِهِنَّ حِمىً
لا يَجوزُهُ رَغَبُ
بابُهُ لِداخِلِهِ
جَنَّةٌ هِيَ الأَرَبُ
قامَتِ السَراةُ بِهِ
وَالمَعِيَّةُ النُجُبُ
وَاِنبَرى النِساءُ لَهُ
عُجمُهُنَّ وَالعَرَبُ
العَفافُ زينَتُها
وَالجَمالُ وَالحَسَبُ
أَنجُمٌ مَطالِعُها
عابِدينُ وَالرَحَبُ
سَيِّدي لَها فَلَكٌ
وَهيَ مِنهُ تَقتَرِبُ
عِندَ رُكنِ حُجرَتِهِ
بَدرُهُ لَنا كَثَبُ
يَزدَهي السَريرُ بِهِ
وَالمَطارِفُ القُشُبُ
حَولَ عَرشِهِ عَجَمٌ
حَولَ عَرشِهِ عَرَبُ
رُتبَةُ الجُدودِ لَهُ
تَستَوي بِها الرُتَبُ
شُرِّفَت بِهِ وَسَما
تالِدٌ وَمُكتَسَبُ
اللُيوثُ ماثِلَةٌ
وَالظِباءُ تَنسَرِبُ
الحَريرُ مَلبَسُها
وَاللُجَينُ وَالذَهَبُ
وَالقُصورُ مَسرَحُها
لا الرِمالُ وَالعُشُبُ
يَستَفِزُّها نَغَمٌ
لا صَدىً وَلا لَجَبُ
يُستَعادُ مُرقِصُهُ
تارَةً وَيُقتَضَبُ
فَالقُدودُ بانُ رُبىً
بَيدَ أَنَّها تَثِبُ
يَلعَبُ العِناقُ بِها
وَهوَ مُشفِقٌ حَدِبُ
فَهيَ مَرَّةً صُعُدٌ
وَهيَ مَرَّةً صَبَبُ
وَهيَ هَهُنا وَهُنا
تَلتَقي وَتَصطَحِبُ
مِثلَما اِلتَقَت أَسَلٌ
أَو تَعانَقَت قُضُبُ
الرُؤوسُ مائِلَةٌ
في الصُدورِ تَحتَجِبُ
وَالنُحورُ قائِمَةٌ
قاعِدٌ بِها الوَصَبُ
وَالنُهودُ هامِدَةٌ
وَالخُدودُ تَلتَهِبُ
وَالخُصورُ واهِيَةٌ
بِالبَنانِ تَنجَذِبُ
سالَتِ الأَكُفُّ بِها
فَهيَ أَغصُنٌ نُهَبُ
الخَوانُ دائِرَةٌ
المَلا لَها قُطُبُ
لِلوُفودِ مائِدَةٌ
مِنهُ أَينَما اِنقَلَبوا
وَالطَريقُ مُتَّصِلٌ
نَحوَهُ وَمُنشَعِبُ
وَالطَعامُ حاضِرُهُ
وَالمَزيدُ مُنتَهَبُ
بارِدٌ وَمِن عَجَبٍ
يُشتَهى وَيُطَّلَبُ
سائِغٌ لِذي سَغَبٍ
سائِغٌ وَلا سَغَبُ
حاضِرٌ لَدى طَلَبٍ
حاضِرٌ وَلا طَلَبُ
وَالمُدامُ أَكؤُسُها
ما تَغيضُ وَالعُلَبُ
وَهيَ بَينَنا سَلَبٌ
وَالنُهى لَها سَلَبُ
شَرُفَت مَنافِحُها
وَاِعتَلى بِها العِنَبُ
حَولَها الحَوائِمُ ما
يَنقَضي لَها قَرَبُ
يَغتَبِطنَ في حَرَمٍ
لا تَنالُهُ الرِيَبُ
ما سِوى الحَديثِ بِهِ
يُبتَغى وَيُجتَذَبُ
هَكَذا الكِرامُ كِرا
مٌ وَإِن هُموا طَرَبوا
لَيلَةٌ عَلَت وَغَلَت
لَيتَ فَجرَها كَذِبُ
يَكفُلُ الأَميرُ لَنا
أَن تَعيدَها الحِقَبُ
عاشَ لِلنَدى مَلِكٌ
سَيِّدٌ لَنا وَأَبُ
حاتِمُ المُلوكِ إِذا
ضاقَ بِالنَدى النَشَبُ
السُرورُ أَنعُمُهُ
وَالهَناءُ ما يَهَبُ
وَالنَدى سَجِيَّتُهُ
وَالحَنانُ وَالحَدَبُ
يا عَزيزُ دامَ لَنا
رَوضُ عِزِّكَ الأَشِبُ
هَذِهِ عَروسُ نُهىً
في القُبولِ تَرتَغِبُ
زَفَّها لَكُم وَجلا
شاعِرُ الحِمى الأَرِبُ
اِحتَفى الحُضورُ بِها
وَاِكتَفى بِها الغَيَبُ
أَنتُمُ الظِلالُ لَنا
وَالمَنازِلُ الخُصُبُ
لَو مَدَحتُكُم زَمَني
لَم أَقُم بِما يَجِبُ

يوم أغر محجل الأنباء

يوم أغر محجل الأنباء
لعلاك تهنئتي به وهنائي
ظمأ البلاد غليك في هذى النوى
ظمأ النبات إلى الغمام النائى
شوّقتها حتى إذا أظمأتها
قام السراب بها مقام الماء
عيدان فيها حين ناجت ربها
قالت له ثَلِّثهما بلقاء

ريم على القاع بين البان و العلم

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
رَمى القَضاءُ بِعَينَي جُؤذَرٍ أَسَداً
يا ساكِنَ القاعِ أَدرِك ساكِنَ الأَجَمِ
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً
يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي
جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي
جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ
رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناسِ مِن خُلُقٍ
إِذا رُزِقتَ اِلتِماسَ العُذرِ في الشِيَمِ
يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ
لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ
لَقَد أَنَلتُكَ أُذناً غَيرَ واعِيَةٍ
وَرُبَّ مُنتَصِتٍ وَالقَلبُ في صَمَمِ
يا ناعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَداً
أَسهَرتَ مُضناكَ في حِفظِ الهَوى فَنَمِ
أَفديكَ إِلفاً وَلا آلو الخَيالَ فِدىً
أَغراكَ باِلبُخلِ مَن أَغراهُ بِالكَرَمِ
سَرى فَصادَفَ جُرحاً دامِياً فَأَسا
وَرُبَّ فَضلٍ عَلى العُشّاقِ لِلحُلُمِ
مَنِ المَوائِسُ باناً بِ الرُبى وَقَناً
اللاعِباتُ بِروحي السافِحاتُ دَمي
السافِراتُ كَأَمثالِ البُدورِ ضُحىً
يُغِرنَ شَمسَ الضُحى بِالحَليِ وَالعِصَمِ
القاتِلاتُ بِأَجفانٍ بِها سَقَمٌ
وَ لِلمَنِيَّةِ أَسبابٌ مِنَ السَقَمِ
العاثِراتُ بِأَلبابِ الرِجالِ وَما
أُقِلنَ مِن عَثَراتِ الدَلِّ في الرَسَمِ
المُضرِماتُ خُدوداً أَسفَرَت وَجَلَت
عَن فِتنَةٍ تُسلِمُ الأَكبادَ لِلضَرَمِ
الحامِلاتُ لِواءَ الحُسنِ مُختَلِفاً
أَشكالُهُ وَهوَ فَردٌ غَيرُ مُنقَسِمِ
مِن كُلِّ بَيضاءَ أَو سَمراءَ زُيِّنَتا
لِلعَينِ وَالحُسنُ في الآرامِ كَالعُصُمِ
يُرَعنَ لِلبَصَرِ السامي وَمِن عَجَبٍ
إِذا أَشَرنَ أَسَرنَ اللَيثَ بِالغَنَمِ
وَضَعتُ خَدّي وَقَسَّمتُ الفُؤادَ رُبيً
يَرتَعنَ في كُنُسٍ مِنهُ وَفي أَكَمِ
يا بِنتَ ذي اللَبَدِ المُحَمّى جانِبُهُ
أَلقاكِ في الغابِ أَم أَلقاكِ في الأُطُمِ
ما كُنتُ أَعلَمُ حَتّى عَنَّ مَسكَنُهُ
أَنَّ المُنى وَالمَنايا مَضرِبُ الخِيَمِ
مَن أَنبَتَ الغُصنَ مِن صَمصامَةٍ ذَكَرٍ
وَأَخرَجَ الريمَ مِن ضِرغامَةٍ قَرِمِ
بَيني وَبَينُكِ مِن سُمرِ القَنا حُجُبٌ
وَمِثلُها عِفَّةٌ عُذرِيَّةُ العِصَمِ
لَم أَغشَ مَغناكِ إِلّا في غُضونِ كِرىً
مَغناكَ أَبعَدُ لِلمُشتاقِ مِن إِرَمِ
يا نَفسُ دُنياكِ تُخفى كُلَّ مُبكِيَةٍ
وَإِن بَدا لَكِ مِنها حُسنُ مُبتَسَمِ
فُضّي بِتَقواكِ فاهاً كُلَّما ضَحِكَت
كَما يَفُضُّ أَذى الرَقشاءِ بِالثَرَمِ
مَخطوبَةٌ مُنذُ كانَ الناسُ خاطِبَةٌ
مِن أَوَّلِ الدَهرِ لَم تُرمِل وَلَم تَئَمِ
يَفنى الزَمانُ وَيَبقى مِن إِساءَتِها
جُرحٌ بِآدَمَ يَبكي مِنهُ في الأَدَمِ
لا تَحفَلي بِجَناها أَو جِنايَتِها
المَوتُ بِالزَهرِ مِثلُ المَوتِ بِالفَحَمِ
كَم نائِمٍ لا يَراها وَهيَ ساهِرَةٌ
لَولا الأَمانِيُّ وَالأَحلامُ لَم يَنَمِ
طَوراً تَمُدُّكَ في نُعمى وَعافِيَةٍ
وَتارَةً في قَرارِ البُؤسِ وَالوَصَمِ
كَم ضَلَّلَتكَ وَمَن تُحجَب بَصيرَتُهُ
إِن يَلقَ صابا يَرِد أَو عَلقَماً يَسُمُ
يا وَيلَتاهُ لِنَفسي راعَها وَدَها
مُسوَدَّةُ الصُحفِ في مُبيَضَّةِ اللَمَمِ
رَكَضتُها في مَريعِ المَعصِياتِ وَما
أَخَذتُ مِن حِميَةِ الطاعاتِ لِلتُخَمِ
هامَت عَلى أَثَرِ اللَذّاتِ تَطلُبُها
وَالنَفسُ إِن يَدعُها داعي الصِبا تَهِمِ
صَلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ
فَقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ
وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ
وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعٍ وَخِمِ
تَطغى إِذا مُكِّنَت مِن لَذَّةٍ وَهَوىً
طَغيَ الجِيادِ إِذا عَضَّت عَلى الشُكُمِ
إِن جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ
في اللَهِ يَجعَلُني في خَيرِ مُعتَصِمِ
أَلقى رَجائي إِذا عَزَّ المُجيرُ عَلى
مُفَرِّجِ الكَرَبِ في الدارَينِ وَالغَمَمِ
إِذا خَفَضتُ جَناحَ الذُلِّ أَسأَلُهُ
عِزَّ الشَفاعَةِ لَم أَسأَل سِوى أُمَمِ
وَإِن تَقَدَّمَ ذو تَقوى بِصالِحَةٍ
قَدَّمتُ بَينَ يَدَيهِ عَبرَةَ النَدَمِ
لَزِمتُ بابَ أَميرِ الأَنبِياءِ وَمَن
يُمسِك بِمِفتاحِ بابِ اللَهِ يَغتَنِمِ
فَكُلُّ فَضلٍ وَإِحسانٍ وَعارِفَةٍ
ما بَينَ مُستَلِمٍ مِنهُ وَمُلتَزِمِ
عَلَّقتُ مِن مَدحِهِ حَبلاً أُعَزُّ بِهِ
في يَومِ لا عِزَّ بِالأَنسابِ وَاللُحَمِ
يُزري قَريضي زُهَيراً حينَ أَمدَحُهُ
وَلا يُقاسُ إِلى جودي لَدى هَرِمِ
مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُهُ
وَبُغيَةُ اللَهِ مِن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ
وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ
مَتى الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمي
سَناؤُهُ وَسَناهُ الشَمسُ طالِعَةً
فَالجِرمُ في فَلَكٍ وَالضَوءُ في عَلَمِ
قَد أَخطَأَ النَجمَ ما نالَت أُبُوَّتُهُ
مِن سُؤدُدٍ باذِخٍ في مَظهَرٍ سَنِمِ
نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الوَرى شَرَفاً
وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ في الفَخارِ نُمي
حَواهُ في سُبُحاتِ الطُهرِ قَبلَهُمُ
نورانِ قاما مَقامَ الصُلبِ وَالرَحِمِ
لَمّا رَآهُ بَحيرا قالَ نَعرِفُهُ
بِما حَفِظنا مِنَ الأَسماءِ وَالسِيَمِ
سائِل حِراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما
مَصونَ سِرٍّ عَنِ الإِدراكِ مُنكَتِمِ
كَم جيئَةٍ وَذَهابٍ شُرِّفَت بِهِما
بَطحاءُ مَكَّةَ في الإِصباحِ وَالغَسَمِ
وَوَحشَةٍ لِاِبنِ عَبدِ اللَهِ بينَهُما
أَشهى مِنَ الأُنسِ بِالأَحسابِ وَالحَشَمِ
يُسامِرُ الوَحيَ فيها قَبلَ مَهبِطِهِ
وَمَن يُبَشِّر بِسيمى الخَيرِ يَتَّسِمِ
لَمّا دَعا الصَحبُ يَستَسقونَ مِن ظَمَإٍ
فاضَت يَداهُ مِنَ التَسنيمِ بِالسَنَمِ
وَظَلَّلَتهُ فَصارَت تَستَظِلُّ بِهِ
غَمامَةٌ جَذَبَتها خيرَةُ الدِيَمِ
مَحَبَّةٌ لِرَسولِ اللَهِ أُشرِبَها
قَعائِدُ الدَيرِ وَالرُهبانُ في القِمَمِ
إِنَّ الشَمائِلَ إِن رَقَّت يَكادُ بِها
يُغرى الجَمادُ وَيُغرى كُلُّ ذي نَسَمِ
وَنودِيَ اِقرَأ تَعالى اللَهُ قائِلُها
لَم تَتَّصِل قَبلَ مَن قيلَت لَهُ بِفَمِ
هُناكَ أَذَّنَ لِلرَحَمَنِ فَاِمتَلَأَت
أَسماعُ مَكَّةَ مِن قُدسِيَّةِ النَغَمِ
فَلا تَسَل عَن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُها
وَكَيفَ نُفرَتُها في السَهلِ وَالعَلَمِ
تَساءَلوا عَن عَظيمٍ قَد أَلَمَّ بِهِم
رَمى المَشايِخَ وَالوِلدانِ بِاللَمَمِ
يا جاهِلينَ عَلى الهادي وَدَعوَتِهِ
هَل تَجهَلونَ مَكانَ الصادِقِ العَلَمِ
لَقَّبتُموهُ أَمينَ القَومِ في صِغَرٍ
وَما الأَمينُ عَلى قَولٍ بِمُتَّهَمِ
فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم
بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَاِنصَرَمَت
وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ
آياتُهُ كُلَّما طالَ المَدى جُدُدٌ
يَزينُهُنَّ جَلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ
يَكادُ في لَفظَةٍ مِنهُ مُشَرَّفَةٍ
يوصيكَ بِالحَقِّ وَالتَقوى وَبِالرَحِمِ
يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً
حَديثُكَ الشَهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ
حَلَّيتَ مِن عَطَلٍ جيدَ البَيانِ بِهِ
في كُلِّ مُنتَثِرٍ في حُسنِ مُنتَظِمِ
بِكُلِّ قَولٍ كَريمٍ أَنتَ قائِلُهُ
تُحيِ القُلوبَ وَتُحيِ مَيِّتَ الهِمَمِ
سَرَت بَشائِرُ باِلهادي وَمَولِدِهِ
في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ
تَخَطَّفَت مُهَجَ الطاغينَ مِن عَرَبٍ
وَطَيَّرَت أَنفُسَ الباغينَ مِن عُجُمِ
ريعَت لَها شَرَفُ الإيوانِ فَاِنصَدَعَت
مِن صَدمَةِ الحَقِّ لا مِن صَدمَةِ القُدُمِ
أَتَيتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِم
إِلّا عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ
وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَوراً مُسَخَّرَةٌ
لِكُلِّ طاغِيَةٍ في الخَلقِ مُحتَكِمِ
مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ
وَقَيصَرُ الرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ عَمِ
يُعَذِّبانِ عِبادَ اللَهِ في شُبَهٍ
وَيَذبَحانِ كَما ضَحَّيتَ بِالغَنَمِ
وَالخَلقُ يَفتِكُ أَقواهُم بِأَضعَفِهِم
كَاللَيثِ بِالبَهمِ أَو كَالحوتِ بِالبَلَمِ
أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ
وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ
لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّدِهِم
كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ
صَلّى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَرٍ
وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ
جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِم
عَلى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُجُمِ
رَكوبَةً لَكَ مِن عِزٍّ وَمِن شَرَفٍ
لا في الجِيادِ وَلا في الأَينُقِ الرُسُمِ
مَشيئَةُ الخالِقِ الباري وَصَنعَتُهُ
وَقُدرَةُ اللَهِ فَوقَ الشَكِّ وَالتُهَمِ
حَتّى بَلَغتَ سَماءً لا يُطارُ لَها
عَلى جَناحٍ وَلا يُسعى عَلى قَدَمِ
وَقيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتبَتِهِ
وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ
خَطَطتَ لِلدينِ وَالدُنيا عُلومَهُما
يا قارِئَ اللَوحِ بَل يا لامِسَ القَلَمِ
أَحَطتَ بَينَهُما بِالسِرِّ وَاِنكَشَفَت
لَكَ الخَزائِنُ مِن عِلمٍ وَمِن حِكَمِ
وَضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدتَ مِن مِنَنٍ
بِلا عِدادٍ وَما طُوِّقتَ مِن نِعَمِ
سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً
لَولا مُطارَدَةُ المُختارِ لَم تُسَمِ
هَل أَبصَروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أَم سَمِعوا
هَمسَ التَسابيحِ وَالقُرآنِ مِن أُمَمِ
وَهَل تَمَثَّلَ نَسجُ العَنكَبوتِ لَهُم
كَالغابِ وَالحائِماتُ وَالزُغبُ كَالرُخَمِ
فَأَدبَروا وَوُجوهُ الأَرضِ تَلعَنُهُم
كَباطِلٍ مِن جَلالِ الحَقِّ مُنهَزِمِ
لَولا يَدُ اللَهِ بِالجارَينَ ما سَلِما
وَعَينُهُ حَولَ رُكنِ الدينِ لَم يَقُمِ
تَوارَيا بِجَناحِ اللَهِ وَاِستَتَرا
وَمَن يَضُمُّ جَناحُ اللَهِ لا يُضَمِ
يا أَحمَدَ الخَيرِ لي جاهٌ بِتَسمِيَتي
وَكَيفَ لا يَتَسامى بِالرَسولِ سَمي
المادِحونَ وَأَربابُ الهَوى تَبَعٌ
لِصاحِبِ البُردَةِ الفَيحاءِ ذي القَدَمِ
مَديحُهُ فيكَ حُبٌّ خالِصٌ وَهَوىً
وَصادِقُ الحُبِّ يُملي صادِقَ الكَلَمِ
اللَهُ يَشهَدُ أَنّي لا أُعارِضُهُ
من ذا يُعارِضُ صَوبَ العارِضِ العَرِمِ
وَإِنَّما أَنا بَعضُ الغابِطينَ وَمَن
يَغبِط وَلِيَّكَ لا يُذمَم وَلا يُلَمِ
هَذا مَقامٌ مِنَ الرَحمَنِ مُقتَبَسٌ
تَرمي مَهابَتُهُ سَحبانَ بِالبَكَمِ
البَدرُ دونَكَ في حُسنٍ وَفي شَرَفٍ
وَالبَحرُ دونَكَ في خَيرٍ وَفي كَرَمِ
شُمُّ الجِبالِ إِذا طاوَلتَها اِنخَفَضَت
وَالأَنجُمُ الزُهرُ ما واسَمتَها تَسِمِ
وَاللَيثُ دونَكَ بَأساً عِندَ وَثبَتِهِ
إِذا مَشَيتَ إِلى شاكي السِلاحِ كَمي
تَهفو إِلَيكَ وَإِن أَدمَيتَ حَبَّتَها
في الحَربِ أَفئِدَةُ الأَبطالِ وَالبُهَمِ
مَحَبَّةُ اللَهِ أَلقاها وَهَيبَتُهُ
عَلى اِبنِ آمِنَةٍ في كُلِّ مُصطَدَمِ
كَأَنَّ وَجهَكَ تَحتَ النَقعِ بَدرُ دُجىً
يُضيءُ مُلتَثِماً أَو غَيرَ مُلتَثِمِ
بَدرٌ تَطَلَّعَ في بَدرٍ فَغُرَّتُهُ
كَغُرَّةِ النَصرِ تَجلو داجِيَ الظُلَمِ
ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُرآنِ تَكرِمَةً
وَقيمَةُ اللُؤلُؤِ المَكنونِ في اليُتُمِ
اللَهُ قَسَّمَ بَينَ الناسِ رِزقَهُمُ
وَأَنتَ خُيِّرتَ في الأَرزاقِ وَالقِسَمِ
إِن قُلتَ في الأَمرِ لا أَو قُلتَ فيهِ نَعَم
فَخيرَةُ اللَهِ في لا مِنكَ أَو نَعَمِ
أَخوكَ عيسى دَعا مَيتاً فَقامَ لَهُ
وَأَنتَ أَحيَيتَ أَجيالاً مِنَ الزِمَمِ
وَالجَهلُ مَوتٌ فَإِن أوتيتَ مُعجِزَةً
فَاِبعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَاِبعَث مِنَ الرَجَمِ
قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ اللَهِ ما بُعِثوا
لِقَتلِ نَفسٍ وَلا جاؤوا لِسَفكِ دَمِ
جَهلٌ وَتَضليلُ أَحلامٍ وَسَفسَطَةٌ
فَتَحتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ
لَمّا أَتى لَكَ عَفواً كُلُّ ذي حَسَبٍ
تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ
وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ
ذَرعاً وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ
سَلِ المَسيحِيَّةَ الغَرّاءَ كَم شَرِبَت
بِالصابِ مِن شَهَواتِ الظالِمِ الغَلِمِ
طَريدَةُ الشِركِ يُؤذيها وَيوسِعُها
في كُلِّ حينٍ قِتالاً ساطِعَ الحَدَمِ
لَولا حُماةٌ لَها هَبّوا لِنُصرَتِها
بِالسَيفِ ما اِنتَفَعَت بِالرِفقِ وَالرُحَمِ
لَولا مَكانٌ لِعيسى عِندَ مُرسِلِهِ
وَحُرمَةٌ وَجَبَت لِلروحِ في القِدَمِ
لَسُمِّرَ البَدَنُ الطُهرُ الشَريفُ عَلى
لَوحَينِ لَم يَخشَ مُؤذيهِ وَلَم يَجِمِ
جَلَّ المَسيحُ وَذاقَ الصَلبَ شانِئُهُ
إِنَّ العِقابَ بِقَدرِ الذَنبِ وَالجُرُمِ
أَخو النَبِيِّ وَروحُ اللَهِ في نُزُلٍ
فَوقَ السَماءِ وَدونَ العَرشِ مُحتَرَمِ
عَلَّمتَهُم كُلَّ شَيءٍ يَجهَلونَ بِهِ
حَتّى القِتالَ وَما فيهِ مِنَ الذِمَمِ
دَعَوتَهُم لِجِهادٍ فيهِ سُؤدُدُهُم
وَالحَربُ أُسُّ نِظامِ الكَونِ وَالأُمَمِ
لَولاهُ لَم نَرَ لِلدَولاتِ في زَمَنٍ
ما طالَ مِن عُمُدٍ أَو قَرَّ مِن دُهُمِ
تِلكَ الشَواهِدُ تَترى كُلَّ آوِنَةٍ
في الأَعصُرِ الغُرِّ لا في الأَعصُرِ الدُهُمِ
بِالأَمسِ مالَت عُروشٌ وَاِعتَلَت سُرُرٌ
لَولا القَذائِفُ لَم تَثلَم وَلَم تَصُمِ
أَشياعُ عيسى أَعَدّوا كُلَّ قاصِمَةٍ
وَلَم نُعِدُّ سِوى حالاتِ مُنقَصِمِ
مَهما دُعيتَ إِلى الهَيجاءِ قُمتَ لَها
تَرمي بِأُسدٍ وَيَرمي اللَهُ بِالرُجُمِ
عَلى لِوائِكَ مِنهُم كُلُّ مُنتَقِمٍ
لِلَّهِ مُستَقتِلٍ في اللَهِ مُعتَزِمِ
مُسَبِّحٍ لِلِقاءِ اللَهِ مُضطَرِمٍ
شَوقاً عَلى سابِخٍ كَالبَرقِ مُضطَرِمِ
لَو صادَفَ الدَهرَ يَبغي نَقلَةً فَرَمى
بِعَزمِهِ في رِحالِ الدَهرِ لَم يَرِمِ
بيضٌ مَفاليلُ مِن فِعلِ الحُروبِ بِهِم
مِن أَسيُفِ اللَهِ لا الهِندِيَّةُ الخُذُمُ
كَم في التُرابِ إِذا فَتَّشتَ عَن رَجُلٍ
مَن ماتَ بِالعَهدِ أَو مَن ماتَ بِالقَسَمِ
لَولا مَواهِبُ في بَعضِ الأَنامِ لَما
تَفاوَتَ الناسُ في الأَقدارِ وَالقِيَمِ
شَريعَةٌ لَكَ فَجَّرتَ العُقولَ بِها
عَن زاخِرٍ بِصُنوفِ العِلمِ مُلتَطِمِ
يَلوحُ حَولَ سَنا التَوحيدِ جَوهَرُها
كَالحَليِ لِلسَيفِ أَو كَالوَشيِ لِلعَلَمِ
غَرّاءُ حامَت عَلَيها أَنفُسٌ وَنُهىً
وَمَن يَجِد سَلسَلاً مِن حِكمَةٍ يَحُمِ
نورُ السَبيلِ يُساسُ العالِمونَ بِها
تَكَفَّلَت بِشَبابِ الدَهرِ وَالهَرَمِ
يَجري الزَمانُ وَأَحكامُ الزَمانِ عَلى
حُكمٍ لَها نافِذٍ في الخَلقِ مُرتَسِمِ
لَمّا اِعتَلَت دَولَةُ الإِسلامِ وَاِتَّسَعَت
مَشَت مَمالِكُهُ في نورِها التَمَمِ
وَعَلَّمَت أُمَّةً بِالقَفرِ نازِلَةً
رَعيَ القَياصِرِ بَعدَ الشاءِ وَالنَعَمِ
كَم شَيَّدَ المُصلِحونَ العامِلونَ بِها
في الشَرقِ وَالغَربِ مُلكاً باذِخَ العِظَمِ
لِلعِلمِ وَالعَدلِ وَالتَمدينِ ما عَزَموا
مِنَ الأُمورِ وَما شَدّوا مِنَ الحُزُمِ
سُرعانَ ما فَتَحوا الدُنيا لِمِلَّتِهِم
وَأَنهَلوا الناسَ مِن سَلسالِها الشَبِمِ
ساروا عَلَيها هُداةَ الناسِ فَهيَ بِهِم
إِلى الفَلاحِ طَريقٌ واضِحُ العَظَمِ
لا يَهدِمُ الدَهرُ رُكناً شادَ عَدلَهُمُ
وَحائِطُ البَغيِ إِن تَلمَسهُ يَنهَدِمِ
نالوا السَعادَةَ في الدارَينِ وَاِجتَمَعوا
عَلى عَميمٍ مِنَ الرُضوانِ مُقتَسَمِ
دَع عَنكَ روما وَآثينا وَما حَوَتا
كُلُّ اليَواقيتِ في بَغدادَ وَالتُوَمِ
وَخَلِّ كِسرى وَإيواناً يَدِلُّ بِهِ
هَوىً عَلى أَثَرِ النيرانِ وَالأَيُمِ
وَاِترُك رَعمَسيسَ إِنَّ المُلكَ مَظهَرُهُ
في نَهضَةِ العَدلِ لا في نَهضَةِ الهَرَمِ
دارُ الشَرائِعِ روما كُلَّما ذُكِرَت
دارُ السَلامِ لَها أَلقَت يَدَ السَلَمِ
ما ضارَعَتها بَياناً عِندَ مُلتَأَمٍ
وَلا حَكَتها قَضاءً عِندَ مُختَصَمِ
وَلا اِحتَوَت في طِرازٍ مِن قَياصِرِها
عَلى رَشيدٍ وَمَأمونٍ وَمُعتَصِمِ
مَنِ الَّذينَ إِذا سارَت كَتائِبُهُم
تَصَرَّفوا بِحُدودِ الأَرضِ وَالتُخَمِ
وَيَجلِسونَ إِلى عِلمٍ وَمَعرِفَةٍ
فَلا يُدانَونَ في عَقلٍ وَلا فَهَمِ
يُطَأطِئُ العُلَماءُ الهامَ إِن نَبَسوا
مِن هَيبَةِ العِلمِ لا مِن هَيبَةِ الحُكُمِ
وَيُمطِرونَ فَما بِالأَرضِ مِن مَحَلٍ
وَلا بِمَن باتَ فَوقَ الأَرضِ مِن عُدُمِ
خَلائِفُ اللَهِ جَلّوا عَن مُوازَنَةٍ
فَلا تَقيسَنَّ أَملاكَ الوَرى بِهِمِ
مَن في البَرِيَّةِ كَالفاروقِ مَعدَلَةً
وَكَاِبنِ عَبدِ العَزيزِ الخاشِعِ الحَشِمِ
وَكَالإِمامِ إِذا ما فَضَّ مُزدَحِماً
بِمَدمَعٍ في مَآقي القَومِ مُزدَحِمِ
الزاخِرُ العَذبُ في عِلمٍ وَفي أَدَبٍ
وَالناصِرُ النَدبِ في حَربٍ وَفي سَلَمِ
أَو كَاِبنِ عَفّانَ وَالقُرآنُ في يَدِهِ
يَحنو عَلَيهِ كَما تَحنو عَلى الفُطُمِ
وَيَجمَعُ الآيَ تَرتيباً وَيَنظُمُها
عِقداً بِجيدِ اللَيالي غَيرَ مُنفَصِمِ
جُرحانِ في كَبِدِ الإِسلامِ ما اِلتَأَما
جُرحُ الشَهيدِ وَجُرحٌ بِالكِتابِ دَمي
وَما بَلاءُ أَبي بَكرٍ بِمُتَّهَمٍ
بَعدَ الجَلائِلِ في الأَفعالِ وَالخِدَمِ
بِالحَزمِ وَالعَزمِ حاطَ الدينَ في مِحَنٍ
أَضَلَّتِ الحُلمَ مِن كَهلٍ وَمُحتَلِمِ
وَحِدنَ بِالراشِدِ الفاروقِ عَن رُشدٍ
في المَوتِ وَهوَ يَقينٌ غَيرُ مُنبَهِمِ
يُجادِلُ القَومَ مُستَلّاً مُهَنَّدَهُ
في أَعظَمِ الرُسلِ قَدراً كَيفَ لَم يَدُمِ
لا تَعذُلوهُ إِذا طافَ الذُهولُ بِهِ
ماتَ الحَبيبُ فَضَلَّ الصَبُّ عَن رَغَمِ
يا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّم ما أَرَدتَ عَلى
نَزيلِ عَرشِكَ خَيرِ الرُسلِ كُلِّهِمِ
مُحيِ اللَيالي صَلاةً لا يُقَطِّعُها
إِلّا بِدَمعٍ مِنَ الإِشفاقِ مُنسَجِمِ
مُسَبِّحاً لَكَ جُنحَ اللَيلِ مُحتَمِلاً
ضُرّاً مِنَ السُهدِ أَو ضُرّاً مِنَ الوَرَمِ
رَضِيَّةٌ نَفسُهُ لا تَشتَكي سَأَماً
وَما مَعَ الحُبِّ إِن أَخلَصتَ مِن سَأَمِ
وَصَلِّ رَبّي عَلى آلٍ لَهُ نُخَبٍ
جَعَلتَ فيهِم لِواءَ البَيتِ وَالحَرَمِ
بيضُ الوُجوهِ وَوَجهُ الدَهرِ ذو حَلَكٍ
شُمُّ الأُنوفِ وَأَنفُ الحادِثاتِ حَمى
وَأَهدِ خَيرَ صَلاةٍ مِنكَ أَربَعَةً
في الصَحبِ صُحبَتُهُم مَرعِيَّةُ الحُرَمِ
الراكِبينَ إِذا نادى النَبِيُّ بِهِم
ما هالَ مِن جَلَلٍ وَاِشتَدَّ مِن عَمَمِ
الصابِرينَ وَنَفسُ الأَرضِ واجِفَةٌ
الضاحِكينَ إِلى الأَخطارِ وَالقُحَمِ
يا رَبِّ هَبَّت شُعوبٌ مِن مَنِيَّتِها
وَاِستَيقَظَت أُمَمٌ مِن رَقدَةِ العَدَمِ
سَعدٌ وَنَحسٌ وَمُلكٌ أَنتَ مالِكُهُ
تُديلُ مِن نِعَمٍ فيهِ وَمِن نِقَمِ
رَأى قَضاؤُكَ فينا رَأيَ حِكمَتِهِ
أَكرِم بِوَجهِكَ مِن قاضٍ وَمُنتَقِمِ
فَاِلطُف لِأَجلِ رَسولِ العالَمينَ بِنا
وَلا تَزِد قَومَهُ خَسفاً وَلا تُسِمِ
يا رَبِّ أَحسَنتَ بَدءَ المُسلِمينَ بِهِ
فَتَمِّمِ الفَضلَ وَاِمنَح حُسنَ مُختَتَمِ

جئننا بالشعور والأحداق

جِئنَنا بِالشُعورِ وَالأَحداقِ
وَقَسَمنَ الحُظوظَ في العُشّاقِ
وَهَزَزنَ القَنا قُدوداً فَأَبلى
كُلَّ قَلبٍ مُستَضعَفٍ خَفّاقِ
حَبَّذا القِسمُ في المُحِبّينَ قِسمي
لَو يُلاقونَ في الهَوى ما أُلاقي
حيلَتي في الهَوى وَما أَتَمَنّى
حيلَةَ الأَذكِياءِ في الأَرزاقِ
لَو يُجازى المُحِبُّ عَن فَرطِ شَوقٍ
لَجُزيتُ الكَثيرَ عَن أَشواقِ
وَفَتاةٍ ما زادَها في غَريبِ ال
حُسنِ إِلّا غَرائِبُ الأَخلاقِ
ذُقتُ مِنها حُلواً وَمُرّاً وَكانَت
لَذَّةُ العِشقِ في اِختِلافِ المَذاقِ
ضَرَبَت مَوعيداً فَلَمّا اِلتَقَينا
جانَبَتني تَقولُ فيمَ التَلاقي
قُلتُ ما هَكَذا المَواثيقُ قالَت
لَيسَ لِلغانِياتِ مِن مِثاقِ
عَطَفَتها نَحافَتي وَشَجاها
شافِعٌ بادِرٌ مِنَ الآماقِ
فَأَرَتني الهَوى وَقالَت خَشينا
وَالهَوى شُعبَةٌ مِنَ الإِشفاقِ
يا فَتاةَ العِراقِ أَكتُمُ مَن أَن
تِ وَأَكني عَن حُبِّكُم بِالعِراقِ
لي قَوافٍ تَعِفُّ في الحُبِّ إِلّا
عَنكِ سارَت جَوائِبَ الآفاقِ
لا تَمَنّى الزَمانُ مِنها مَزيداً
إِن تَمَنَّيتُ أَن تَفُكّي وِثاقي
حَمِّليني في الحُبِّ ما شِئتِ إِلّا
حادِثَ الصَدِّ أَو بَلاءَ الفِراقِ
وَاِسمَحي بِالعِناقِ إِن رَضِيَ الدَلُّ
وَسامَحتِ فانِياً في العِناقِ

خل الأمور لأمر سابق جار

خل الأمور لأمر سابق جار
وجار أهل الرضى في نهجهم جار
هيهات تعدم نفس للرضى سببا
إن النفوس بآمال وأوطار
قد ساعفتك رياح اللطف لو نظرت
إلى السفينة بين الماء والنار
أكلما قام تيار تضيق به
أغاثها الله فانقادت بتيار
فسر بها في ظلام الليل معتصما
لتخرجنّ إلى جودىّ أنوار
تطوى له الهول حتى يستبين لها
فجر السلام وحتى يحمد السارى
خفيفة بيد الألطاف تنقلها
إلى شواطئ من تبر وأقطار
آمال أروع جمّ الصدق محتكم
بالله في جوهر الآمال مختار
هل في الحوادث شك أم بإمرتها
ريب ونحن لأحكام وأقدار

قد حملت إحدى نسا الأرانب

قَد حَمَلَت إِحدى نِسا الأَرانِبِ
وَحَلَّ يَومُ وَضعِها في المَركَبِ
فَقَلقَ الرُكّابُ مِن بُكائِها
وَبَينَما الفَتاةُ في عَنائِها
جاءَت عَجوزٌ مِن بَناتِ عِرسِ
تَقولُ أَفدي جارَتي بِنَفسي
أَنا الَّتي أُرجى لِهَذي الغايَه
لِأَنَّني كُنتُ قَديماً دَأيَه
فَقالَتِ الأَرنَبُ لا يا جارَه
فَإِنَّ بَعدَ الأُلفَةِ الزِيارَه
مالي وُثوقٌ بِبَناتِ عِرسِ
إِنّي أُريدُ دايَةً مِن جِنسي