إذا ما جمعتم أمركم وهممتمو

إذا ما جمعتم أمركم وهممتمو
بتقديم شئٍ للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوقٍ بغير جريرة
وسروال مجلودٍ وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه
من الشعر حكم خطه بيمين
ولا تقرأوه في شبرد بل اقرأوا
على ملأ من دنشواي حزين

كان فيما مضى من الدهر بيت

كانَ فيما مَضى مِنَ الدَهرِ بَيتٌ
مِن بُيوتِ الكِرامِ فيهِ غَزالُ
يَطعَمُ اللَوزَ وَالفَطيرَ وَيُسقى
عَسَلاً لَم يَشُبهُ إِلّا الزُلالُ
فَأَتى الكَلبَ ذاتَ يَومٍ يُناجيـ
ـهِ وَفي النَفسِ تَرحَةٌ وَمَلالُ
قالَ يا صاحِبَ الأَمانَةِ قُل لي
كَيفَ حالُ الوَرى وَكَيفَ الرِجالُ
فَأَجابَ الأَمينُ وَهوَ القَئولُ الصا
دِقُ الكامِلُ النُهى المِفضالُ
سائِلي عَلى حَقيقَةِ الناسِ عُذراً
لَيسَ فيهِم حَقيقَةٌ فَتُقالُ
إِنَّما هُم حِقدٌ وَغِشٌّ وَبُغضٌ
وَأَذاةٌ وَغَيبَةٌ وَاِنتِحالُ
لَيتَ شِعري هَل يَستَريحُ فُؤادي
كَم أُداريهِم وَكَم أَحتالُ
فَرِضا البَعضِ فيهِ لِلبَعضِ سُخطٌ
وَرِضا الكُلِّ مَطلَبٌ لا يُنالُ
وَرِضا اللَهِ نَرتَجيهِ وَلَكِن
لا يُؤَدّي إِلَيهِ إِلّا الكَمالُ
لا يَغُرَّنكَ يا أَخا البيدِ مِن مَو
لاكَ ذاكَ القَبولُ وَالإِقبالُ
أَنتَ في الأَسرِ ما سَلِمتَ فَإن تَمـ
ـرَض تُقَطَّع مِن جِسمِكَ الأَوصالُ
فَاِطلُبِ البيدَ وَاِرضَ بِالعُشبِ قوتاً
فَهُناكَ العَيشُ الهَنِيُّ الحَلالُ
أَنا لَولا العِظامُ وَهيَ حَياتي
لَم تَطِبْ لي مَعَ اِبنِ آدَمَ حالُ

رأيت كلابا بدار السعادة

رأيت كلابا بدار السعادة
عداد الأهالي بها أو زيادة
ولكن بينهما فارقا
ففيهم حماس وفيهم بلاده
مقسمة فرقا في الطريق
كما يقسم الجيش جندا وقاده
ومنها السمين بحجم الخروف
ومنها الضئيل بحجم الجرادة
ويحلو لها النوم فوق الشريط
وتحلو لها في الطريق الولادة
وقد يفسد الجو من نتنها
وعندهم حفظها كالعبادة

قالوا له روحي فداه

قالوا لَهُ روحي فِداهُ
هَذا التَجَنّي ما مَداهُ
أَنا لَم أَقُم بِصُدودِهِ
حَتّى يُحَمِّلُني نَواهُ
تَجري الأُمورُ لِغايَةٍ
إِلّا عَذابي في هَواهُ
سَمَّيتُهُ بَدرَ الدُجى
وَمِنَ العَجائِبِ لا أَراهُ
وَدَعَوتُهُ غُصنَ الرِيا
ضِ فَلَم أَجِد رَوضاً حَواهُ
وَأَقولُ عَنهُ أَخو الغَزا
لِ وَلا أَرى إِلّا أَخاهُ
قالَ العَواذِلُ قَد جَفا
ما بالُ قَلبِكَ ما جَفاهُ
أَنا لَو أَطَعتُ القَلبَ في
هِ لَم أَزِدهِ عَلى جَواهُ
وَالنُصحُ مُتَّهَمٌ وَإِن
نَثَرَتهُ كَالدُرِّ الشِفاهُ
أُذُنُ الفَتى في قَلبِهِ
حيناً وَحيناً في نُهاهُ

أيها المنتحي بأسوان دارا

أَيُّها المُنتَحي بِأَسوانَ داراً
كَالثُرَيّا تُريدُ أَن تَنقَضّا
اِخلَعِ النَعلَ وَاِخفِضِ الطَرفَ وَاِخشَع
لا تُحاوِل مِن آيَةِ الدَهرِ غَضّا
قِف بِتِلكَ القُصورِ في اليَمِّ غَرقى
مُمسِكاً بَعضُها مِنَ الذُعرِ بَعضا
كَعَذارى أَخفَينَ في الماءِ بَضّاً
سابِحاتٍ بِهِ وَأَبدَينَ بَضّا
مُشرِفاتٍ عَلى الزَوالِ وَكانَت
مُشرِفاتٍ عَلى الكَواكِبِ نَهضا
شابَ مِن حَولِها الزَمانُ وَشابَت
وَشَبابُ الفُنونِ مازالَ غَضّا
رُبَّ نَقشٍ كَأَنَّما نَفَضَ الصا
نِعُ مِنهُ اليَدَينِ بِالأَمسِ نَفضا
وَدُهانٍ كَلامِعِ الزَيتِ مَرَّت
أَعصُرٌ بِالسِراجِ وَالزَيتِ وُضّا
وَخُطوطٍ كَأَنَّها هُدبُ ريمٍ
حَسُنَت صَنعَةً وَطولاً وَعَرضا
وَضَحايا تَكادُ تَمشي وَتَرعى
لَو أَصابَت مِن قُدرَةِ اللَهِ نَبضا
وَمَحاريبَ كَالبُروجِ بَنَتها
عَزَماتٌ مِن عَزمَةِ الجِنِّ أَمضى
شَيَّدَت بَعضَها الفَراعينُ زُلفى
وَبَنى البَعضَ أَجنَبٌ يَتَرَضّى
وَمَقاصيرُ أُبدِلَت بِفُتاتِ ال
مِسكِ تُرباً وَبِاليَواقيتِ قَضّا
حَظُّها اليَومَ هَدَّةٌ وَقَديماً
صُرِّفَت في الحُظوظِ رَفعاً وَخَفضا
سَقَتِ العالَمينَ بِالسَعدِ وَالنَخ
سِ إِلى أَن تَعاطَتِ النَحسَ مَحضا
صَنعَةٌ تُدهِشُ العُقولَ وَفَنٌّ
كانَ إِتقانُهُ عَلى القَومِ فَرضا
يا قُصوراً نَظَرتُها وَهيَ تَقضي
فَسَكَبتُ الدُموعَ وَالحَقُّ يُقضى
أَنتِ سَطرٌ وَمَجدُ مِصرَ كِتابٌ
كَيفَ سامَ البِلى كِتابَكَ فَضّا
وَأَنا المُحتَفي بِتاريخِ مِصرٍ
مَن يَصُن مَجدَ قَومِهِ صانَ عِرضا
رُبَّ سِرٍّ بِجانِبَيكَ مُزالٍ
كانَ حَتّى عَلى الفَراعينِ غُمضا
قُل لَها في الدُعاءِ لَو كانَ يُجدي
يا سَماءَ الجِلالِ لا صِرتِ أَرضا
حارَ فيكِ المُهَندِسونَ عُقولاً
وَتَوَلَّت عَزائِمُ العِلمِ مَرضى
أَينَ مَلِكٌ حِيالَها وَفَريدٌ
مِن نِظامِ النَعيمِ أَصبَحَ فَضا
أَينَ فِرعَونُ في المَواكِبِ تَترى
يَركُضُ المالِكينَ كَالخَيلِ رَكضا
ساقَ لِلفَتحِ في المَمالِكِ عَرضاً
وَجَلا لِلفَخارِ في السِلمِ عَرضا
أَينَ إيزيسَ تَحتَها النيلُ يَجري
حَكَمَت فيهِ شاطِئَينِ وَعَرضا
أَسدَلَ الطَرفَ كاهِنٌ وَمَليكٌ
في ثَراها وَأَرسَلَ الرَأسَ خَفضا
يُعرَضُ المالِكونَ أَسرى عَلَيها
في قُيودِ الهَوانِ عانينَ جَرضى
ما لَها أَصبَحَت بِغَيرِ مُجيرٍ
تَشتَكي مِن نَوائِبِ الدَهرِ عَضّا
هِيَ في الأَسرِ بَينَ صَخرٍ وَبَحرٍ
مُلكَةٌ في السُجونِ فَوقَ حَضوضى
أَينَ هوروسُ بَينَ سَيفٍ وَنِطعٍ
أَبِهَذا في شَرعِهِم كانَ يُقضى
لَيتَ شِعري قَضى شَهيدَ غَرامٍ
أَم رَماهُ الوُشاةُ حِقداً وَبُغضا
رُبَّ ضَربٍ مِن سَوطِ فِرعَونَ مَضٍّ
دونَ فِعلِ الفِراقِ بِالنَفسِ مَضّا
وَهَلاكٍ بِسَيفِهِ وَهوَ قانٍ
دونَ سَيفٍ مِنَ اللَواحِظِ يُنضى
قَتَلوهُ فَهَل لِذاكَ حَديثٌ
أَينَ راوي الحَديثِ نَثراً وَقَرضا
يا إِمامَ الشُعوبِ بِالأَمسِ وَاليَو
مِ سَتُعطى مِنَ الثَناءِ فَتَرضى
مِصرُ بِالنازِلينَ مِن ساحِ مَعنٍ
وَحِمى الجودِ حاتِمُ الجودِ أَفضى
كُن ظَهيراً لِأَهلِها وَنَصيراً
وَاِبذُلِ النُصحَ بَعدَ ذَلِكَ مَحضا
قُل لِقَومٍ عَلى الوِلاياتِ أَيقا
ظٍ إِذا ذاقَتِ البَرِيَّةُ غُمضا
شيمَةُ النيلِ أَن يَفي وَعَجيبٌ
أَحرَجوهُ فَضَيَّعَ العَهدَ نَقضا
حاشَهُ الماءُ فَهوَ صَيدٌ كَريمٌ
لَيتَ بِالنيلِ يَومَ يَسقُطُ غَيضا
شيدَ وَالمالُ وَالعُلومُ قَليلٌ
أَنقَذوهُ بِالمالِ وَالعِلمِ نَقضا

الدهر يقظان والأحداث لم تنم

الدَهرُ يَقظانُ وَالأَحداثُ لَم تَنَمِ
فَما رُقادُكُمُ يا أَشرَفَ الأُمَمِ
لَعَلَّكُم مِن مِراسِ الحَربِ في نَصَبٍ
وَهَذِهِ ضَجعَةُ الآسادِ في الأَجَمِ
لَقَد فَتَحتُم فَأَعرَضتُم عَلى شَبَعٍ
وَالفَتحُ يَعتَرِضُ الدَولاتِ بِالتُخَمِ
هَبّوا بِكُم وَبِنا لِلمَجدِ في زَمَنٍ
مَن لَم يَكُن فيهِ ذِئباً كانَ في الغَنَمِ
هَذا الزَمانُ تُناديكُم حَوادِثُهُ
يا دَولَةَ السَيفِ كوني دَولَةَ القَلَمِ
فَالسَيفُ يَهدِمُ فَجراً ما بَنى سَحَراً
وَكُلُّ بُنيانِ عِلمٍ غَيرُ مُنهَدِمِ
قَد ماتَ في السِلمِ مَن لا رَأيَ يَعصِمُهُ
وَسَوَّتِ الحَربُ بَينَ البَهمِ وَالبُهَمِ
وَأَصبَحَ العِلمُ رُكنَ الآخِذينَ بِهِ
مَن لا يُقِم رُكنَهُ العِرفانُ لَم يَقُمِ
الناسُ تَسحَبُ فَضفاضَ الغَنِيِّ مَرَحاً
وَنَحنُ نَلبُسُ عَنهُ ضيقَةَ العُدُمِ
يا فِتيَةَ التُركِ حَيّا اللَهُ طَلعَتَكُم
وَصانَكُم وَهَداكُم صادِقَ الخِدَمِ
أَنتُم غَدُ المُلكِ وَالإِسلامِ لا بَرِحا
مِنكُم بِخَيرِ غَدٍ في المَجدِ مُبتَسِمِ
تُحِلُّكُم مِصرُ مِنها في ضَمائِرِها
وَتُعلِنُ الحُبَّ جَمّاً غَيرَ مُتَّهَمِ
فَنَحنُ إِن بَعُدَت دارٌ وَإِن قَرُبَت
جارانِ في الضادِ أَو في البَيتِ وَالحَرَمِ
ناهيكَ بِالسَبَبِ الشَرقِيِّ مِن نَسَبٍ
وَحَبَّذا سَبَبُ الإِسلامِ مِن رَحِمِ
شَملُ اللُغاتِ لَدى الأَقوامِ مُلتَئِمٌ
وَالضادُ فينا بِشَملٍ غَيرِ مُلتَئِمِ
فَقَرِّبوا بَينَنا فيها وَبَينَكُمُ
فَإِنَّها أَوثَقُ الأَسبابِ وَالذِمَمِ
وَكُلُّنا إِن أَخَذنا بِالفَلاحِ يَدٌ
وَسَعَينا قَدَمٌ فيهِ إِلى قَدَمِ
فَلا تَكونُنَّ تُركِيّا الفَتاةُ وَلا
تِلكَ العَجوزَ وَكونوا تُركِيا القِدَمِ
فَسَيفُها سَيفُها في كُلِّ مُعتَرَكٍ
وَعَدلُها طَوَّقَ الإِسلامَ بِالنِعَمِ

هو ذا مذهبي وهذا شعاري

هو ذا مذهبي وهذا شعاري
وهو للناس من زمان شعار
لم أحاسَب وكان في البيت قط
كيف أرضى وليس في البيت فار

سقط الحمار من السفينة في الدجى

سَقَطَ الحِمارُ مِنَ السَفينَةِ في الدُجى
فَبَكى الرِفاقُ لِفَقدِهِ وَتَرَحَّموا
حَتّى إِذا طَلَعَ النَهارُ أَتَت بِهِ
نَحوَ السَفينَةِ مَوجَةٌ تَتَقَدَمُ
قالَت خُذوهُ كَما أَتاني سالِماً
لَم أَبتَلِعهُ لِأَنَّهُ لا يُهضَمُ

غال في قيمة أبن بطرس غالى

غال في قيمة أبن بطرس غالى
علم الله ليس في الحق غال
نحتفى بالأديب والحق يقضَى
وجلال الأخلاق والأعمال
أدب الأكثرين قول وهذا
أدب في النفوس والأفعال
يُظهر المدح رونق الرجل الما
جد كالسيف يزدهى بالصقال
رب مدح أذاع في الناس
وأتاهم بقدوة ومثال
وثناء على فتى عم قوما
قيمةُ العقد حسن بعض اللآلى
إنما يقدر الكرام كريم
ويقيم الرجال وزن الرجال
وإذا عظَّم البلادَ بنوها
أنزلتهم منازل الإجلال
توجت هامهم كما توّجوها
بكريم من الثناء وغال
إنما واصف بناء من الأخـ
ـلاق في دولة المشارق عال
ونجيب مهذب من نجيب
هدَّبته تجارب الأحوال
واهب المال والشباب لما ينـ
ـفع لا للهوى ولا للضلال
ومذيق العقول في الغرب مما
عصر العُرب في السنين الخوالي
في كتاب حوى المحاسن في الشعـ
ـر وأرعى جوائز الأمثال
من صفات كأنها العين صدقا
في أداء الوجوه والأشكال
ونسيب تحاذر الغيد منه
شرك الحسن أو شباك الدلال
ونظام كأنه فلك الليـ
ـل إذا لاح وهو بالزهر حال
وبيان كما تجلى على الرسـ
ـل تجلّى على رعاة الضال
ما علمنا لغيرهم من لسان
زال أهلوه وهو في إقبال
بليت هاشم وبادت نزار
واللسان المبين ليس ببال
كلما همّ مجده بزوال
قام فحل فحال دون الزوال
يا بني مصر لم أقل أمة الـ
ـقبط فهذا تشبث بمحال
واحتيال على خيال من المجـ
ـد ودعوى من العراض الطوال
إنما نحن مسلمين وقبطا
أمة وحِّدت على الأجيال
سبق النيل بالأبوّة فينا
فهو أصل وآدم الجد تال
نحن من طينة الكريم على الله
ومن مائة القَراح الزُّلال
مرّ ما مرَّ من قرون علينا
رُسَّفا في القيود والأغلال
وانقضى الدهر بين زغردة العُر
س وحثوا التراب والإعوال
ما تحلّى بكم يسوع ولا كُنـ
ـنَا لطه ودينه بجمال
وتُضاع البلاد بالنوم عنها
وتضاع الأمور بالإهمال
يا شباب الديار مصر إليكم
ولواء العرين للأشبال
كلما روّعت بشبهة يأس
جعلتكم معاقل الآمال
هيئوها لما يليق بمنف
وكريم الآثار والأطلال
هيئوها لما أراد على
وتمنى على الظُّبى والعوالى
وانهضوا نهضة الشعوب لدنيا
وحياة كبيرة الأشغال
وإلى الله من مشى بصليب
في يديه ومن مشى بهلال

أبا الهول طال عليك العصر

أَبا الهَولِ طالَ عَلَيكَ العُصُر
وَبُلِّغتَ في الأَرضِ أَقصى العُمُر
فَيالِدَةَ الدَهرِ لا الدَهرُ شَبَّ
وَلا أَنتَ جاوَزتَ حَدَّ الصِغَر
إِلامَ رُكوبُكَ مَتنَ الرِمالِ
لِطَيِّ الأَصيلِ وَجَوبِ السَحَر
تُسافِرُ مُنتَقِلاً في القُرونِ
فَأَيّانَ تُلقي غُبارَ السَفَر
أَبَينَكَ عَهدٌ وَبَينَ الجِبالِ
تَزولانِ في المَوعِدِ المُنتَظَر
أَبا الهَولِ ماذا وَراءَ البَقاءِ
إِذا ما تَطاوَلَ غَيرُ الضَجَر
عَجِبتُ لِلُقمانَ في حِرصِهِ
عَلى لُبَدٍ وَالنُسورِ الأُخَر
وَشَكوى لَبيدٍ لِطولِ الحَياةِ
وَلَو لَم تَطُل لَتَشَكّى القِصَر
وَلَو وُجِدَت فيكَ يا بنَ الصَفاةِ
لَحَقتَ بِصانِعِكَ المُقتَدِر
فَإِنَّ الحَياةَ تَفُلُّ الحَديدَ
إِذا لَبِسَتهُ وَتُبلى الحَجَر
أَبا الهَولِ ما أَنتَ في المُعضِلاتِ
لَقَد ضَلَّتِ السُبلَ فيكَ الفِكَر
تَحَيَّرَتِ البَدوُ ماذا تَكونُ
وَضَلَّت بِوادي الظُنونِ الحَضَر
فَكُنتَ لَهُم صورَةَ العُنفُوانُ
وَكُنتَ مِثالَ الحِجى وَالبَصَر
وَسِرُّكَ في حُجبِهِ كُلَّما
أَطَلَّت عَلَيهِ الظُنونُ اِستَتَر
وَما راعَهُم غَيرُ رَأسِ الرِجالِ
عَلى هَيكَلٍ مِن ذَواتِ الظُفُر
وَلَو صُوِّروا مِن نَواحي الطِباعِ
تَوالَوا عَلَيكَ سِباغَ الصُوَر
فَيا رُبَّ وَجهٍ كَصافي النَميرِ
تَشابَهَ حامِلُهُ وَالنَمِر
أَبا الهَولِ وَيحَكَ لا يُستَقَلُّ
مَعَ الدَهرِ شَيءٌ وَلا يُحتَقَر
تَهَزَّأتَ دَهراً بِديكِ الصَباحِ
فَنَقَّرَ عَينَيكَ فيما نَقَر
أَسالَ البَياضَ وَسَلَّ السَوادَ
وَأَوغَلَ مِنقارُهُ في الحُفَر
فَعُدتَ كَأَنَّكَ ذو المَحبِسَينِ
قَطيعَ القِيامِ سَليبَ البَصَر
كَأَنَّ الرِمالَ عَلى جانِبَيكَ
وَبَينَ يَدَيكَ ذُنوبُ البَشَر
كَأَنَّكَ فيها لِواءُ الفَضاءِ
عَلى الأَرضِ أَو دَيدَبانُ القَدَر
كَأَنَّكَ صاحِبُ رَملٍ يَرى
خَبايا الغُيوبِ خِلالَ السَطَر
أَبا الهَولِ أَنتَ نَديمُ الزَمانِ
نَجِيُّ الأَوانِ سَميرُ العُصُر
بَسَطتَ ذِراعَيكَ مِن آدَمٍ
وَوَلَّيتَ وَجهَكَ شَطرَ الزُمَر
تُطِلُّ عَلى عالَمٍ يَستَهِلُّ
وَتوفي عَلى عالَمٍ يُحتَضَر
فَعَينٌ إِلى مَن بَدا لِلوُجودِ
وَأُخرى مُشَيِّعَةٌ مِن غَبَر
فَحَدِّث فَقَد يُهتَدى بِالحَديثِ
وَخَبِّر فَقَد يُؤتَسى بِالخَبَر
أَلَم تَبلُ فِرعَونَ في عِزِّهِ
إِلى الشَمسِ مُعتَزِياً وَالقَمَر
ظَليلَ الحَضارَةِ في الأَوَّلينَ
رَفيعَ البِناءِ جَليلَ الأَثَر
يُؤَسِّسُ في الأَرضِ لِلغابِرينَ
وَيَغرِسُ لِلآخَرينَ الثَمَر
وَراعَكَ ما راعَ مِن خَيلِ قَمبي
زَ تَرمي سَنابِكَها بِالشَرَر
جَوارِفُ بِالنارِ تَغزو البِلادَ
وَآوِنَةً بِالقَنا المُشتَجِر
وَأَبصَرتَ إِسكَندَراً في المَلا
قَشيبَ العُلا في الشَبابِ النَضِر
تَبَلَّجَ في مِصرَ إِكليلُهُ
فَلَم يَعدُ في المُلكِ عُمرَ الزَهَر
وَشاهَدتَ قَيصَرَ كَيفَ اِستَبَدَّ
وَكَيفَ أَذَلَّ بِمِصرَ القَصَر
وَكَيفَ تَجَبَّرَ أَعوانُهُ
وَساقوا الخَلائِقَ سَوقَ الحُمُر
وَكَيفَ اِبتُلوا بِقَليلِ العَديدِ
مِنَ الفاتِحينَ كَريمِ النَفَر
رَمى تاجَ قَيصَرَ رَميَ الزُجاجِ
وَفَلَّ الجُموعَ وَثَلَّ السُرَر
فَدَع كُلَّ طاغِيَةٍ لِلزَمانِ
فَإِنَّ الزَمانَ يُقيمُ الصَعَر
رَأَيتَ الدِياناتِ في نَظمِها
وَحينَ وَهى سِلكُها وَاِنتَثَر
تُشادُ البُيوتُ لَها كَالبُروجِ
إِذا أَخَذَ الطَرفُ فيها اِنحَسَر
تَلاقى أَساساً وَشُمَّ الجِبالِ
كَما تَتَلاقى أُصولُ الشَجَر
وَإيزيسُ خَلفَ مَقاصيرِها
تَخَطّى المُلوكُ إِلَيها السُتُر
تُضيءُ عَلى صَفَحاتِ السَماءِ
وَتُشرِقُ في الأَرضِ مِنها الحُجَر
وَآبيسُ في نيرِهِ العالِمونَ
وَبَعضُ العَقائِدِ نيرٌ عَسِر
تُساسُ بِهِ مُعضِلاتُ الأُمورِ
وَيُرجى النَعيمُ وَتُخشى سَقَر
وَلا يَشعُرِ القَومُ إِلّا بِهِ
وَلَو أَخَذَتهُ المُدى ما شَعَر
يَقِلُّ أَبو المِسكِ عَبداً لَهُ
وَإِن صاغَ أَحمَدُ فيهِ الدُرَر
وَآنَستَ موسى وَتابوتَهُ
وَنورَ العَصا وَالوَصايا الغُرَر
وَعيسى يَلُمُّ رِداءَ الحَياءِ
وَمَريَمُ تَجمَعُ ذَيلَ الخَفَر
وَعَمرو يَسوقُ بِمِصرَ الصِحابَ
وَيُزجي الكِتابَ وَيَحدو السُوَر
فَكَيفَ رَأَيتَ الهُدى وَالضَلالَ
وَدُنيا المُلوكِ وَأُخرى عُمَر
وَنَبذَ المُقَوقِسِ عَهدَ الفُجورِ
وَأَخذَ المُقَوقِسِ عَهدَ الفَجِر
وَتَبديلَهُ ظُلُماتِ الضَلالِ
بِصُبحِ الهِدايَةِ لَمّا سَفَر
وَتَأليفَهُ القِبطَ وَالمُسلِمين
كَما أُلِّفَت بِالوَلاءِ الأُسَر
أَبا الهَولِ لَو لَم تَكُن آيَةً
لَكانَ وَفاؤُكَ إِحدى العِبَر
أَطَلتَ عَلى الهَرَمَينِ الوُقوفَ
كَثاكِلَةٍ لا تَريمُ الحُفَر
تُرَجّي لِبانيهِما عَودَةً
وَكَيفَ يَعودُ الرَميمُ النَخِر
تَجوسُ بِعَينٍ خِلالَ الدِيارِ
وَتَرمي بِأُخرى فَضاءَ النَهَر
تَرومُ بِمَنفيسَ بيضَ الظُبا
وَسُمرَ القَنا وَالخَميسَ الدُثَر
وَمَهدَ العُلومِ الخَطيرَ الجَلالِ
وَعَهدِ الفُنونِ الجَليلَ الخَطَر
فَلا تَستَبينُ سِوى قَريَةٍ
أَجَدَّ مَحاسِنَها ما اِندَثَر
تَكادُ لِإِغراقِها في الجُمودِ
إِذا الأَرضُ دارَت بِها لَم تَدُر
فَهَل مَن يُبَلِّغُ عَنّا الأُصولَ
بِأَنَّ الفُروعَ اِقتَدَت بِالسِيَر
وَأَنّا خَطَبنا حِسانَ العُلا
وَسُقنا لَها الغالِيَ المُدَّخَر
وَأَنّا رَكِبنا غِمارَ الأُمورِ
وَأَنّا نَزَلنا إِلى المُؤتَمَر
بِكُلِّ مُبينٍ شَديدِ اللِدادِ
وَكُلِّ أَريبٍ بَعيدِ النَظَر
تُطالِبُ بِالحَقِّ في أُمَّةٍ
جَرى دَمُها دونَهُ وَاِنتَشَر
وَلَم تَفتَخِر بِأَساطيلِها
وَلَكِن بِدُستورِها تَفتَخِر
فَلَم يَبقَ غَيرُكَ مَن لَم يَحِف
وَلَم يَبقَ غَيرُكَ مَن لَم يَطِر
تَحَرَّك أَبا الهَولِ هَذا الزَمانُ
تَحَرَّكَ ما فيهِ حَتّى الحَجَر
نَجِيَّ أَبي الهَولِ آنَ الأَوانُ
وَدانَ الزَمانُ وَلانَ القَدَر
خَبَأتُ لِقَومِكَ ما يَستَقونَ
وَلا يَخبَأُ العَذبَ مِثلُ الحَجَر
فَعِندي المُلوكُ بِأَعيانِها
وَعِندَ التَوابيتِ مِنها الأَثَر
مَحا ظُلمَةَ اليَأسِ صُبحُ الرَجاءِ
وَهَذا هُوَ الفَلَقُ المُنتَظَر
اليَومُ نَسودُ بِوادينا
وَنُعيدُ مَحاسِنَ ماضينا
وَيُشيدُ العِزُّ بَأَيدينا
وَطَنٌ نَفديهِ وَيَفدينا
وَطَنٌ بِالحَقِّ نُؤَيِّدُهُ
وَبِعَينِ اللَهِ نُشَيِّدُهُ
وَنُحَسِّنُهُ وَنُزَيِّنُهُ
بِمَآثِرِنا وَمَساعينا
سِرُّ التاريخِ وَعُنصُرُهُ
وَسَريرُ الدَهرِ وَمِنبَرُهُ
وَجِنانُ الخُلدِ وَكَوثَرُهُ
وَكَفى الآباءُ رَياحينا
نَتَّخِذُ الشَمسَ لَهُ تاجاً
وَضُحاها عَرشاً وَهّاجا
وَسَماءَ السُؤدَدِ أَبراجاً
وَكَذلِكَ كانَ أَوالينا
العَصرُ يَراكُم وَالأُمَمُ
وَالكَرنَكُ يَلحَظُ وَالهَرَمُ
أَبني الأَوطانَ أَلا هِمَمُ
كَبِناءِ الأَوَّلِ يَبنينا
سَعياً أَبَداً سَعياً سَعياً
لِأَثيلِ المَجدِ وَلِلعَليا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا