رأيت على لوح الخيال يتيمة

رَأَيتُ عَلى لَوحِ الخَيالِ يَتيمَةً
قَضى يَومَ لوسيتانيا أَبَواها
فَيا لَكَ مِن حاكٍ أَمينٍ مُصَدَّقٍ
وَإِن هاجَ لِلنَفسِ البُكا وَشَجاها
فَواهاً عَلَيها ذاقَتِ اليُتمَ طِفلَةً
وَقُوِّضَ رُكناها وَذَلَّ صِباها
وَلَيتَ الَّذي قاسَت مِنَ المَوتِ ساعَةً
كَما راحَ يَطوي الوالِدَينِ طَواها
كَفَرخٍ رَمى الرامي أَباهُ فَغالَهُ
فَقامَت إِلَيهِ أُمُّهُ فَرَماها
فَلا أَبَ يَستَذري بِظِلِّ جَناحِهِ
وَلا أُمَّ يَبغي ظِلَّها وَذَراها
وَدَبّابَةٍ تَحتَ العُبابِ بِمَكمَنٍ
أَمينٍ تَرى الساري وَلَيسَ يَراها
هِيَ الحوتُ أَو في الحوتِ مِنها مَشابِهٌ
فَلَو كانَ فولاذاً لَكانَ أَخاها
أَبَثُّ لِأَصحابِ السَفينِ غَوائِلاً
وَأَلأَمُ ناباً حينَ تَفغَرُ فاها
خَئونٌ إِذا غاصَت غَدورٌ إِذا طَفَت
مُلَعَّنَةٌ في سَبحِها وَسُراها
تُبَيِّتُ سُفنَ الأَبرِياءِ مِنَ الوَغى
وَتَجني عَلى مَن لا يَخوضُ رَحاها
فَلَو أَدرَكَت تابوتُ موسى لَسَلَّطَت
عَلَيهِ زُباناها وَحَرَّ حُماها
وَلَو لَم تُغَيَّب فُلكُ نوحٍ وَتَحتَجِب
لَما أَمِنَت مَقذوفَها وَلَظاها
فَلا كانَ بانيها وَلا كانَ رَكبُها
وَلا كانَ بَحرٌ ضَمَّها وَحَواها
وَأُفٍّ عَلى العِلمِ الَّذي تَدَّعونَهُ
إِذا كانَ في عِلمِ النُفوسِ رَداها

لكل زمان مضى آية

لِكُلِّ زَمانٍ مَضى آيَةٌ
وَآيَةُ هَذا الزَمانِ الصُحُف
لِسانُ البِلادِ وَنَبضُ العِبادِ
وَكَهفُ الحُقوقِ وَحَربُ الجَنَف
تَسيرُ مَسيرَ الضُحى في البِلادِ
إِذا العِلمُ مَزَّقَ فيها السَدَف
وَتَمشي تُعَلِّمُ في أُمَّةٍ
كَثيرَةِ مَن لا يَخُطُّ الأَلِف
فَيا فِتيَةَ الصُحفُ صَبراً إِذا
نَبا الرِزقُ فيها بِكُم وَاِختَلَف
فَإِنَّ السَعادَةَ غَيرُ الظُهو
رِ وَغَيرُ الثَراءِ وَغَيرُ التَرَف
وَلَكِنَّها في نَواحي الضَميرِ
إِذا هُوَ بِاللَومِ لَم يُكتَنَف
خُذوا القَصدَ وَاِقتَنِعوا بِالكَفافِ
وَخَلّوا الفُضولَ يَغِلها السَرَف
وَروموا النُبوغَ فَمَن نالَهُ
تَلَقّى مِنَ الحَظِّ أَسنى التُحَف
وَما الرِزقُ مُجتَنِبٌ حِرفَةً
إِذا الحَظُّ لَم يَهجُرِ المُحتَرِف
إِذا آخَتِ الجَوهَرِيَّ الحُظوظُ
كَفَلنَ اليَتيمَ لَهُ في الصَدَف
وَإِن أَعرَضَت عَنهُ لَم يَحلُ في
عُيونِ الخَرائِدِ غَيرُ الخَزَف
رَعى اللَهُ لَيلَتَكُم إِنَّها
تَلَت عِندَهُ لَيلَةَ المُنتَصَف
لَقَد طَلَعَ البَدرُ مِن جُنحِها
وَأَوما إِلى صُبحِها أَن يَقِف
جَلَوتُم حَواشِيَها بِالفُنونِ
فَمِن كُلِّ فَنٍّ جَميلٍ طَرَف
فَإِن تَسأَلوا ما مَكانُ الفُنونِ
فَكَم شَرَفٍ فَوقَ هَذا الشَرَف
أَريكَةُ مولِييرَ فيما مَضى
وَعَرشُ شِكِسبيرَ فيما سَلَف
وَعودُ اِبنِ ساعِدَةٍ في عُكاظَ
إِذا سالَ خاطِرُهُ بِالطُرَف
فَلا يَرقَيَن فيهِ إِلّا فَتىً
إِلى دَرَجاتِ النُبوغِ اِنصَرَف
تُعَلِّمُ حِكمَتُهُ الحاضِرينَ
وَتُسمِعُ في الغابِرينَ النُطَف
حَمَدنا بَلاءَكُمُ في النِضالِ
وَأَمسُ حَمَدنا بَلاءَ السَلَف
وَمَن نَسِيَ الفَضلَ لِلسابِقينَ
فَما عَرَفَ الفَضلَ فيما عَرَف
أَلَيسَ إِلَيهِم صَلاحُ البِناءِ
إِذا ما الأَساسُ سَما بِالغُرَف
فَهَل تَأذَنونَ لِذي خِلَّةٍ
يَفُضُّ الرَياحينَ فَوقَ الجِيَف
فَأَينَ اللِواءُ وَرَبُّ اللِواءِ
إِمامُ الشَبابِ مِثالُ الشَرَف
وَأَينَ الَّذي بَينَكُم شِبلُهُ
عَلى غايَةِ الحَقِّ نِعمَ الخَلَف
وَلا بُدَّ لِلغَرسِ مِن نَقلِهِ
إِلى مَن تَعَهَّدَ أَو مَن قَطَف
فَلا تَجحَدَنَّ يَدَ الغارِسينَ
وَهَذا الجَنى في يَدَيكَ اِعتَرَف
أُولَئِكَ مَرّوا كَدودِ الحَريرِ
شَجاها النَفاعُ وَفيهِ التَلَف

شكوت لله من نسلي وكثرته

شكوت لله من نسلي وكثرته
وقلت في ذاك والتوحيد معتقدي
لا تنقضى سنة إلاّ ولى ولد
وأنت يا ربّ من ألفين لم تلد
ولو وهبتَ لعيسى منك ألف أخ
ما ضقت ذرعا ولا ضاقوا إلى الأبد
ولا ووجهك لم أكره تعدّدهم
فأغنهم ثم هبهم لي بلا عدد

رمضان ولى هاتها يا ساقي

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي
مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها
وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ
اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها
إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي
بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ
وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ
ضَحِكَت إِلَيَّ مِنَ السُرورِ وَلَم تَزَل
بِنتُ الكُرومِ كَريمَةَ الأَعراقِ
هاتِ اِسقِنيها غَيرَ ذاتِ عَواقِبٍ
حَتّى نُراعَ لِصَيحَةِ الصَفّاقِ
صِرفاً مُسَلَّطَةَ الشُعاعِ كَأَنَّما
مِن وَجنَتَيكَ تُدارُ وَالأَحداقِ
حَمراءَ أَو صَفراءَ إِنَّ كَريمَها
كَالغيدِ كُلُّ مَليحَةٍ بِمَذاقِ
وَحَذارِ مِن دَمِها الزَكِيِّ تُريقُهُ
يَكفيكَ يا قاسي دَمُ العُشّاقِ
لا تَسقِني إِلّا دِهاقاً إِنَّني
أُسقى بِكَأسٍ في الهُمومِ دِهاقِ
فَلَعَلَّ سُلطانَ المُدامَةِ مُخرِجي
مِن عالَمٍ لَم يَحوِ غَيرَ نِفاقِ
وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا
وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ
لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ
شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ
ذَهَبَ الكِرامُ الجامِعونَ لِأَمرِهِم
وَبَقيتُ في خَلَفٍ بِغَيرِ خَلاقِ
أَيَظَلُّ بَعضُهُمُ لِبَعضٍ خاذِلاً
وَيُقالُ شَعبٌ في الحَضارَةِ راقي
وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى
جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ
العيدُ بَينَ يَدَيكَ يا اِبنَ مُحَمَّدٍ
نَثَرَ السُعودَ حُلىً عَلى الآفاقِ
وَأَتى يُقَبِّلُ راحَتَيكَ وَيَرتَجي
أَن لايَفوتَكُما الزَمانَ تَلاقِ
قابَلتُهُ بِسُعودِ وَجهِكَ وَالسَنا
فَاِزدادَ مِن يُمنٍ وَمِن إِشراقِ
فَاِهنَأ بِطالِعِهِ السَعيدِ يَزينُهُ
عيدُ الفَقيرِ وَلَيلَةُ الأَرزاقِ
يَتَنَزَّلُ الأَجرانِ في صُبحَيهِما
جَزلَينِ عَن صَومٍ وَعَن إِنفاقِ
إِنّي أُجِلُّ عَنِ القِتالِ سَرائِري
إِلّا قِتالَ البُؤسِ وَالإِملاقِ
وَأَرى سُمومَ العالَمينَ كَثيرَةً
وَأَرى التَعاوُنَ أَنجَعَ التِرياقِ
قَسَمَت بَنيها وَاِستَبَدَّت فَوقَهُم
دُنيا تَعُقُّ لَئيمَةُ الميثاقِ
وَاللَهُ أَتعَبَها وَضَلَّلَ كَيدَها
مِن راحَتَيكَ بِوابِلٍ غَيداقِ
يَأسو جِراحَ اليائِسينَ مِنَ الوَرى
وَيُساعِدُ الأَنفاسَ في الأَرماقِ
بَلَغَ الكِرامُ المَجدَ حينَ جَرَوا لَهُ
بِسَوابِقٍ وَبَلَغتَهُ بِبُراقِ
وَرَأَوا غُبارَكَ في السُها وَتَراكَضوا
مَن لِلنُجومِ وَمَن لَهُم بِلَحاقِ
مَولايَ طِلبَةُ مِصرَ أَن تَبقى لَها
فَإِذا بَقيتَ فَكُلُّ خَيرٍ باقِ
سَبَقَ القَريضُ إِلَيكَ كُلَّ مُهَنِّئٍ
مِن شاعِرٍ مُتَفَرِّدٍ سَبّاقِ
لَم يَدَّخِر إِلّا رِضاكَ وَلا اِقتَنى
إِلّا وَلاءَكَ أَنفَسَ الأَعلاقِ
إِنَّ القُلوبَ وَأَنتَ مِلءُ صَميمِها
بَعَثَت تَهانيها مِنَ الأَعماقِ
وَأَنا الفَتى الطائِيُّ فيكَ وَهَذِهِ
كَلِمي هَزَزتُ بِها أَبا إِسحاقِ

عبد المجيد

عبد المجيد لقيتَ من
ريب المنية ما سنلقى
في الكأس بعدك فَضلة
كل بكأس الموت يُسقى
والشمس شاربة بها
يوما تضل عليه شرقا
مارستَ كل الحق هل
صادفت غير الموت حقا
النفس في عشق الحياة
ة تموت دون الوصل عشقا
والناس في غمر الشقا
ء على اختلاف العمق غرقى
ليت المنون حكتك في
تصريفها عدلا وفقاً
عِجلت إليك فغيَّبت
زين الشباب نُهى وخلقا
الأرض فوقك مأتم
جيب الفضيلة فيه شُقا
ماذا جنيت على أب
شيخ بدمع ليس يرقا
منَّيته في ذا الشباب
منىً فهلا كنّ صدقا
قد كان يرجو أن تعيش
وكان يأمل أن سترقى
والمرء يسعَد بالبنين
وفيك مُعتَبر ويشقى
من للصغار الذائقين
برغمهم لليتم رقا
ضَعُفُوا كأفراخ الحمام
فمن لهم عطفا وزقا
من للقضاء تركته
جزِعا ضعيف الركن قلقا
يبكي ويستبكي عليـ
ـك المشتِكي والمستحقا
نم حيث ضافك في الثرى
خَلق وحيث تَضيف خلقا
إن التي جاورتها
لم ترع للجيران حقا
عق الخلائق ظهرها
وأظن باطنها أعقا
كل عليها زائل
لا شيء غير الله يبقى

في القبر أم في فؤادي الواجف

في القبر أم في فؤادي الواجف
عكفت يا ابني ولم تزل عاكف
آنست في الترب خير والدة
من حيث أوحشت والدا لاهف
فمن له بالحمام بعدكما
يلقاه لا كارها ولا خائف
يا غربة في العلوم ما طويت
إلا بسيف المنية الخاطف
ويا شبابا بدا له ثمر
ما كان غير الردى له قاطف
كونا لدى الله شافعَين له
وسلما نحو ظله الوارف
وأيِّدا داعيا يؤرّخه
في نعم الخلد مصطفى عاكف

هو مأتم الأخلاق فاتل رثاءها

هو مأتم الأخلاق فاتل رثاءها
وتول أسرتها ووال عزاءها
لا تنهين الثاكلات عن البكا
فلعل في ذرف الدموع شفاءها
خل الشؤون تفض غرب قصيدة
لم تغن في الرزء الجليل غناءها
ولمثل نار الثكل وهي شديدة
خلق الرحيم لنا الشئون وماءها
أوحى إلى الحزن اللجوج شُبوبها
وإلى الدموع سواكبا إطفاءها
ناع من الاسكندرية هاتف
راع الكنانة أرضها وسماءها
سُدّت مسامعها لأول وهلة
دون الرزية تتقى أنباءها
هيهات تلك رسالة محتومة
حَملت عن الموت الحياةُ أداءها
في عالم شد الرحال نزيله
وخيال دنيا ذاهب من جاءها
إن المروءة غودرت في حفرة
كالليل نور الصالحات أضاءها
ذهب على أثر الفقيد شهيدة
إن كنت في ريب فسل شهداءها
الرافعين إلى السماء سريرها
والساحبين على النجوم رداءها
والحاملين على الرقاب جلالها
والمنزلين إلى التراب سناءها
حطوا على الأرض السرير وغيبوا
قمر السماء ووسدوا جوزاءها
أموسَّد الصحراء م ابد الكرى
وأنس الحياة أو آذكر صحراءها
ما كان أفتن في الشروق صباحها
وألذ في ظل الغروب مساءها
أتراك كالماضين تبكى ظلها
تحت التراب وتشتهى رمضاءها
وتودّ لو ردّت عليك سرابها
وهجيرها وزئيرها وعواءها
إن التي جاورت صان الله عن
لوم الحياة أديمها وفضاءها
يدع الوفود لدى طهور صعيدها
حسد النفوس وحقدها ورياءها
يا أحمد الخيرات ما أنا بالغ
تلك الخلال وإن لمست رثاءها
لم لا أقيمك للشباب منارة
وسبيل خير يسلكون سواءها
إنى لأرثى كل خل ماجد
وأطيل ذكر خلله وبكاءها
وأحب ذكراه وأكره أن أرى
بيد السلو دثورها وعفاءها
ولربما حليتها بقصائدى
وجعلت أبيات الخلود وعاءها
في كل مفقود رثيت رواية
تهدى المكارم والعلا قرّاءها
ودِّع صديقك إن ملكت وداعه
واقض الحقوق إن استطعت قضاءها
وأرع الصداقة لا تَمِيل بعهودها
بعد الصديق ولا تضع أشياءها
وإذا وداد أخيك مات بموته
فاندب وفاء النفس وأنعَ إخاءها
رفقا ابا عُمر بأنفس صبية
قطعت عوادى اليتم منك رجاءها
نادتك فامتنع الجواب وطالما
لبيت من أقصى البلاد نداءها
نَشَأ أشد فؤادك في الهوى
وأعز من نفس لفظت ذَماءها
مالوا على نعمى الحياة وطيبها
حتى ذهبت فصابروا ضرَّاءها
كم لام فيهم لائم فدفعته
والنفس تتبع شحها وسخاءها
انظر وراءك هل تركت من الغنى
إلا المروءة ذكرها وثناءها
لك ذمة لم ينصر الحق آمرؤ
ألا تمنى برها ووفاءها
علمت مكانك حرفة أنهضتها
وجررت فوق الفرقدين قباءها
أنتم بنوها الأوّلون حذوتمو
في حلمهم وعفافهم آباءها
ملئت بكم خُلُقا وكانت لا ترى
خلق الرجال ولا تحس إباءها
يا رب يوم للمحاماة احتمت
فيك الحقوق به فكنت وفاءها
ناصرت فيه من تلفّت لم يجد
من حوله الدنيا ولا أُجراءها
وأخذت من عدل القضاء لفتية
ذاقوا السجون عذابها وبلاءها
نفس الكريم ترى العدالة حزبها
وترى الهضيمة والأذى أعداءها
وإذا رأيت النفس بالحق اعتلت
فاعرف لها إقدامها وحياءها
في ذمة الوطن الكريم عصابة
لم ينس في جد الجهاد بلاءها
حملت تكاليف الحقوق وأنهضت
شعب الرجال ليحملوا أعباءها
كانت إذا دعت الديار لخطة
لم نحص عِليتها ولا دهماءها
هي من قنا الحق المبين طليعة
عرفت جموع الظالمين مضاءها
خير الطلائع سيرَّت في نورها
خيرَ الكتائب جندها ولواءها
أسستموا وبنى رجال بعدكم
خططا يتمم آخرون بناءها
دول منقّلة وحق ثابت
دول السياسة ما أقل بقاءها
فمضى دعاة بالقضية نُهَّض
وأتى دعاة يحملون عناءها
بلغوا إلى الدستور في خطواتهم
تحدوه مصر لأن فيه دماءها
همم تؤدّى مصر واجب شكرها
للعاملين ولا تضيع جزاءها
وإذا البلاد تذكرت خدّامها
لم تنس موتاها ولا أحياءها
إن الشعوب كيانها حرية
تحيا عليها أو تموت فداءها

يا مليكا شاد فينا

يا مليكا شاد فينا
مثل ما شاد الخليل
دمت مشكور المساعي
أيها المولى الجليل
كان إبراهيم يبنى
كعبة للصالحين
ولأنت اليوم تبنى
كعبة للصانعين
فلك القطر دواما
حافظ حق الجميل
فابن يا مولى وشيِّد
دار عز وافتخار
فهي كنز للرعايا
وحياة للديار
وستكسو مصر ثوبا
يبهر الدنيا جميل

تغامر في الأمور تظن قصدا

تغامر في الأمور تظن قصدا
وأنت مع الأمور على اضطرار
إذا فاتتك قلت اختار دهري
وإن هي لم تفت قلت اختياري
وقد تجرى سعود او نحوس
وليس سوى قضاء الله جاري
ارى طوفان هذا الغرب يطغى
واهل الشرق سادتهم نيام
فإن لم يأتنا نوح بفلك
على الإسلام والشرق السلام

المشرقان عليك ينتحبان

المَشرِقانِ عَلَيكَ يَنتَحِبانِ
قاصيهُما في مَأتَمٍ وَالداني
يا خادِمَ الإِسلامِ أَجرُ مُجاهِدٍ
في اللَهِ مِن خُلدٍ وَمِن رِضوانِ
لَمّا نُعيتَ إِلى الحِجازِ مَشى الأَسى
في الزائِرينَ وَرُوِّعَ الحَرَمانِ
السِكَّةُ الكُبرى حِيالَ رُباهُما
مَنكوسَةُ الأَعلامِ وَالقُضبانِ
لَم تَألُها عِندَ الشَدائِدِ خِدمَةً
في اللَهِ وَالمُختارِ وَالسُلطانِ
يا لَيتَ مَكَّةَ وَالمَدينَةَ فازَتا
في المَحفِلَينِ بِصَوتِكَ الرَنّانِ
لِيَرى اَلأَواخِرُ يَومَ ذاكَ وَيَسمَعوا
ما غابَ مِن قُسٍّ وَمِن سَحبانِ
جارَ التُرابِ وَأَنتَ أَكرَمُ راحِلٍ
ماذا لَقيتَ مِنَ الوُجودِ الفاني
أَبكي صِباكَ وَلا أُعاتِبُ مَن جَنى
هَذا عَلَيهِ كَرامَةً لِلجاني
يَتَساءَلونَ أَبِالسُلالِ قَضَيتَ أَم
بِالقَلبِ أَم هَل مُتَّ بِالسَرطانِ
اللَهُ يَشهَدُ أَنَّ مَوتَكَ بِالحِجا
وَالجِدِّ وَالإِقدامِ وَالعِرفانِ
إِن كانَ لِلأَخلاقِ رُكنٌ قائِمٌ
في هَذِهِ الدُنيا فَأَنتَ الباني
بِاللَهِ فَتِّش عَن فُؤادِكَ في الثَرى
هَل فيهِ آمالٌ وَفيهِ أَماني
وِجدانُكَ الحَيُّ المُقيمُ عَلى المَدى
وَلَرُبَّ حَيٍّ مَيتِ الوِجدانِ
الناسُ جارٍ في الحَياةِ لِغايَةٍ
وَمُضَلَّلٌ يَجري بِغَيرِ عِنانِ
وَالخُلدُ في الدُنيا وَلَيسَ بِهَيِّنٍ
عُليا المَراتِبِ لَم تُتَح لِجَبانِ
فَلَو أَنَّ رُسلَ اللَهِ قَد جَبَنوا لَما
ماتوا عَلى دينٍ مِنَ الأَديانِ
المَجدُ وَالشَرَفُ الرَفيعُ صَحيفَةٌ
جُعِلَت لَها الأَخلاقُ كَالعُنوانِ
وَأَحَبُّ مِن طولِ الحَياةِ بِذِلَّةٍ
قِصَرٌ يُريكَ تَقاصُرَ الأَقرانِ
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها
فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
لِلمَرءِ في الدُنيا وَجَمِّ شُؤونِها
ما شاءَ مِن رِبحٍ وَمِن خُسرانِ
فَهيَ القَضاءُ لِراغِبٍ مُتَصَلِّعٍ
وَهيَ المَضيقُ لِمُؤثِرِ السُلوانِ
الناسُ غادٍ في الشَقاءِ وَرائِحٌ
يَشقى لَهُ الرُحَماءُ وَهوَ الهاني
وَمُنَعَّمٌ لَم يَلقَ إِلّا لَذَّةً
في طَيِّها شَجَنٌ مِنَ الأَشجانِ
فَاِصبِر عَلى نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها
نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها سِيّانِ
يا طاهِرَ الغَدَواتِ وَالرَوحاتِ وَال
خَطَراتِ وَالإِسرارِ وَالإِعلانِ
هَل قامَ قَبلَكَ في المَدائِنِ فاتِحٌ
غازٍ بِغَيرِ مُهَنَّدٍ وَسِنانِ
يَدعو إِلى العِلمِ الشَريفِ وَعِندَهُ
أَنَّ العُلومَ دَعائِمُ العُمرانِ
لَفّوكَ في عَلَمِ البِلادِ مُنَكَّساً
جَزِعَ الهِلالُ عَلى فَتى الفِتيانِ
ما اِحمَرَّ مِن خَجَلٍ وَلا مِن ريبَةٍ
لَكِنَّما يَبكي بِدَمعٍ قاني
يُزجونَ نَعشَكَ في السَناءِ وَفي السَنا
فَكَأَنَّما في نَعشِكَ القَمَرانِ
وَكَأَنَّهُ نَعشُ الحُسَينِ بِكَربُلا
يَختالُ بَينَ بُكاً وَبَينَ حَنانِ
في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَبِرِّهِ
ما ضَمَّ مِن عُرفٍ وَمِن إِحسانِ
وَمَشى جَلالُ المَوتِ وَهوَ حَقيقَةٌ
وَجَلالُكَ المَصدوقُ يَلتَقِيانِ
شَقَّت لِمَنظَرِكَ الجُيوبَ عَقائِلٌ
وَبَكَتكَ بِالدَمعِ الهَتونِ غَواني
وَالخَلقُ حَولَكَ خاشِعونَ كَعَهدِهِم
إِذ يُنصِتونَ لِخُطبَةٍ وَبَيانِ
يَتَساءَلونَ بِأَيِّ قَلبٍ تُرتَقى
بَعدَ المَنابِرِ أَم بِأَيِّ لِسانِ
لَو أَنَّ أَوطاناً تُصَوَّرُ هَيكَلاً
دَفَنوكَ بَينَ جَوانِحِ الأَوطانِ
أَو كانَ يُحمَلُ في الجَوارِحِ مَيِّتٌ
حَمَلوكَ في الأَسماعِ وَالأَجفانِ
أَو صيعَ مِن غُرِّ الفَضائِلِ وَالعُلا
كَفَنٌ لَبِستَ أَحاسِنَ الأَكفانِ
أَو كانَ لِلذِكرِ الحَكيمِ بَقِيَّةٌ
لَم تَأتِ بَعدُ رُثيتَ في القُرآنِ
وَلَقَد نَظَرتُكَ وَالرَدى بِكَ مُحدِقٌ
وَالداءُ مِلءُ مَعالِمِ الجُثمانِ
يَبغي وَيَطغى وَالطَبيبُ مُضَلَّلٌ
قَنِطٌ وَساعاتُ الرَحيلِ دَواني
وَنَواظِرُ العُوّادِ عَنكَ أَمالَها
دَمعٌ تُعالِجُ كَتمَهُ وَتُعاني
تُملي وَتَكتُبُ وَالمَشاغِلُ جَمَّةٌ
وَيَداكَ في القِرطاسِ تَرتَجِفانِ
فَهَشَشتَ لي حَتّى كَأَنَّكَ عائِدي
وَأَنا الَّذي هَدَّ السَقامُ كِياني
وَرَأَيتُ كَيفَ تَموتُ آسادُ الشَرى
وَعَرَفتُ كَيفَ مَصارِعُ الشُجعانِ
وَوَجَدتُ في ذاكَ الخَيالِ عَزائِماً
ما لِلمَنونِ بِدَكِّهِنَّ يَدانِ
وَجَعَلتَ تَسأَلُني الرِثاءَ فَهاكَهُ
مِن أَدمُعي وَسَرائِري وَجِناني
لَولا مُغالَبَةُ الشُجونِ لِخاطِري
لَنَظَمتُ فيكَ يَتيمَةَ الأَزمانِ
وَأَنا الَّذي أَرثي الشُموسَ إِذا هَوَت
فَتَعودُ سيرَتَها إِلى الدَوَرانِ
قَد كُنتَ تَهتُفُ في الوَرى بِقَصائِدي
وَتُجِلُّ فَوقَ النَيِّراتِ مَكاني
ماذا دَهاني يَومَ بِنتَ فَعَقَّني
فيكَ القَريضُ وَخانَني إِمكاني
هَوِّن عَلَيكَ فَلا شَماتَ بِمَيّتٍ
إِنَّ المَنِيَّةَ غايَةُ الإِنسانِ
مَن لِلحَسودِ بِمَيتَةٍ بُلِّغتَها
عَزَّت عَلى كِسرى أَنوشِروانِ
عوقِبتَ مِن حَرَبِ الحَياةِ وَحَربِها
فَهَل اِستَرَحتَ أَمِ اِستَراحَ الشاني
يا صَبَّ مِصرَ وَيا شَهيدَ غَرامِها
هَذا ثَرى مِصرَ فَنَم بِأَمانِ
اِخلَع عَلى مِصرَ شَبابَكَ عالِياً
وَاِلبِس شَبابَ الحورِ وَالوِلدانِ
فَلَعَلَّ مِصراً مِن شَبابِكَ تَرتَدي
مَجداً تَتيهُ بِهِ عَلى البُلدانِ
فَلَوَ اَنَّ بِالهَرَمَينِ مِن عَزَماتِهِ
بَعضَ المَضاءِ تَحَرَّكَ الهَرَمانِ
عَلَّمتَ شُبّانَ المَدائِنِ وَالقُرى
كَيفَ الحَياةُ تَكونُ في الشُبّانِ
مِصرُ الأَسيفَةُ ريفُها وَصَعيدُها
قَبرٌ أَبَرُّ عَلى عِظامِكَ حاني
أَقسَمتُ أَنَّكَ في التُرابِ طَهارَةٌ
مَلَكٌ يَهابُ سُؤالَهُ المَلَكانِ