يمامة كانت بأعلى الشجره

يَمامَةٌ كانَت بِأَعلى الشَجَرَه
آمِنَةً في عُشِّها مُستَتِرَه
فَأَقبَلَ الصَيّادُ ذاتَ يَومِ
وَحامَ حَولَ الرَوضِ أَيَّ حَومِ
فَلَم يَجِد لِلطَيرِ فيهِ ظِلّاً
وَهَمَّ بِالرَحيلِ حينَ مَلّا
فَبَرَزَت مِن عُشِّها الحَمقاءُ
وَالحُمقُ داءٌ ما لَهُ دَواءُ
تَقولُ جَهلاً بِالَّذي سَيَحدُثُ
يا أَيُّها الإِنسانُ عَمَّ تَبحَثُ
فَاِلتَفَتَ الصَيادُ صَوبَ الصَوتِ
وَنَحوَهُ سَدَّدَ سَهمَ المَوتِ
فَسَقَطَت مِن عَرشِها المَكينِ
وَوَقَعَت في قَبضَةِ السِكّينِ
تَقولُ قَولَ عارِفٍ مُحَقِّق
مَلَكتُ نَفسي لَو مَلَكتُ مَنطِقي

أروى لكم خرافة

أروى لكم خرافة
في غاية اللطافة
أتت من الهند لنا
وترجموها قبلنا
إلى لغات جمه
لأن فيها حكمه
طوشترى معبو
الَّهه الهنود
قالوا هو الذي برا
هذا الوجود والورى
ومثله فلكان
فيما رأى اليونان
كلاهما حداد
عَبَده العباد
فحين صاغ العالما
كما يصوغ الخاتما
أنفق ما كان ادّخر
ولم يدع ولم يذر
وكلَّ شئ بذلا
حتى أتم الرجلا
وضاق بالنساء
في الخلق والإنشاء
فحار ماذا يجمع
ومنه أنثى يضع
وبعد فكر أعمله
حتى بدا الصواب له
كوّنها تكوينا
مختلفا تلوينا
من استدارة القمر
إلى لطافة الزهر
إلى تراوح العشب
إلى رشاقة القضب
فلحظات الريم
فقلق النسيم
فبهجة الشعاع
فقسوة السباع
فقوة الألماس
وماله من باس
فزهوة الطاووس
تأخذ بالنفوس
ومن دموع السحب
إلى انكماش الأرنب
إلى التواء الأرقم
فالزغب المقسَّم
فالحر من وقود
فالبرد من جليد
فالشهد في المذاق
فخفة الأوراق
إلى التفاف النبت
زاحفه والثبت
فنغم الهدير
فهذر العصفور
وكل هذا هيأه
مكونا منه امرأة
وبعد ما أتمها
لعبده قدمها
وقال خذها يا رجل
وعن هواها لا تحل
فبعد أسبوع مضى
أتى له معترضا
يقول يا أللَّهُمّا
خذها كفاني هما
لا صبر لي معها ولا
أرى بيها لي قِبَلا
تظل تشكو الداء
وتخلق الشحناء
محتالة على الغضب
شاكية ولا سبب
قد ضيّعت أوقاتي
وأذهبت لذاتي
فأخذ الإله
ما كان قد أعطاه
فلم يكن بعض زمن
حتى تولاه الحزَن
فقال يا رب ردّها
فما نعمتُ بعدها
بانت فلا أنساها
كأنني أراها
ماثلة أمامي
مالئة أيامي
لطيفة في لعبها
خفيفة في وثبها
قال الإله للرجل
حيرت مولاك فقل
ماذا الذي تريد
أحفظ أم أعيد
فأخذ الرفيقة
وقال ذى الحقيقة
لا عيش لي معها ولا
بغيرها العيش حلا

أنت الكبير على المدى

أنت الكبير على المدى
فاربأ بنفسك يا رياض
الذل عشش في الوزا
رة بعد دولتكم وباض
ذهب الرجل فلا حيا
ء ولا احتشام ولا انقباش
ومضى الحماة الناصرو
ن الذائدون عن الحياض
فإذا أردت تشبها
بالأصغرتين فلا اعتراض
ما ذا تؤمل بعد ما
قد كَلَّل الرأس البياض
أنسيت دمعك في الحدو
د من المذلة كيف فاض
فاليوم ودّع من أذل
ك راضيا أو غير راض

سعي الفتى في عيشه عباده

سَعيُ الفَتى في عَيشِهِ عِبادَه
وَقائِدٌ يَهديهِ لِلسَعادَه
لِأَنَّ بِالسَعيِ يَقومُ الكَونُ
وَاللَهُ لِلساعينَ نِعمَ العَونُ
فَإِن تَشَأ فَهَذِهِ حِكايَه
تُعَدُّ في هَذا المَقامِ غايَه
كانَت بِأَرضٍ نَملَةٌ تَنبالَه
لَم تَسلُ يَوماً لَذَّةَ البَطالَه
وَاِشتَهَرَت في النَملِ بِالتَقَشُّفِ
وَاِتَّصَفَت بِالزُهدِ وَالتَصَوُّفِ
لَكِن يَقومُ اللَيلَ مَن يَقتاتُ
فَالبَطنُ لا تَملُؤهُ الصَلاةُ
وَالنَملُ لا يَسعى إِلَيهِ الحَبُّ
وَنَملَتي شَقَّ عَلَيها الدَأبُ
فَخَرَجَت إِلى اِلتِماسِ القوتِ
وَجَعَلَت تَطوفُ بِالبُيوتِ
تَقولُ هَل مِن نَملَةٍ تَقِيَّه
تُنعِمُ بِالقوتِ لِذي الوَلِيَّه
لَقَد عَيِيتُ بِالطَوى المُبَرِّحِ
وَمُنذُ لَيلَتَينِ لَم أسَبِّحِ
فَصاحَتِ الجاراتُ يا لَلعارِ
لَم تتركِ النَملَةُ لِلصِرصارِ
مَتى رَضينا مِثلَ هَذي الحالِ
مَتى مَدَدنا الكَفَّ لِلسُؤالِ
وَنَحنُ في عَينِ الوُجودِ أُمَّه
ذاتُ اِشتِهارٍ بِعُلُوِّ الهِمَّه
نَحمِلُ ما يَصبِرُ الجِمالُ
عَن بَعضِهِ لَو أَنَّها نِمالُ
أَلَم يَقُل مَن قَولُهُ الصَوابُ
ما عِندَنا لِسائِلٍ جَوابُ
فَاِمضي فَإِنّا يا عَجوزَ الشومِ
نَرى كَمالَ الزُهدِ أَن تَصومي

كان على بعض الدروب جمل

كانَ عَلى بَعضِ الدُروبِ جَمَلُ
حَمَّلَهُ المالِكُ ما لا يُحمَلُ
فَقالَ يا لِلنَحسِ وَالشَقاءِ
إِن طالَ هَذا لَم يَطُل بَقائي
لَم تَحمِلِ الجِبالُ مِثلَ حِملي
أَظُنُّ مَولايَ يُريدُ قَتلي
فَجاءَهُ الثَعلَبُ مِن أَمامِه
وَكانَ نالَ القَصدَ مِن كَلامِه
فَقالَ مَهلاً يا أَخا الأَحمالِ
وَيا طَويلَ الباعِ في الجِمالِ
فَأَنتَ خَيرٌ مِن أَخيكَ حالا
لِأَنَّني أَتعَبُ مِنكَ بالا
كَأَنَّ قُدّامِيَ أَلفَ ديكِ
تَسأَلُني عَن دَمِها المَسفوكِ
كَأَنَّ خَلفي أَلفَ أَلفِ أَرنَبِ
إِذا نَهَضتُ جاذَبتني ذَنَبي
وَرُبَّ أُمٍّ جِئتُ في مُناخِها
فَجعتُها بِالفَتكِ في أَفراخِها
يَبعَثُني مِن مَرقَدي بُكاها
وَأَفتَحُ العَينَ عَلى شَكواها
وَقَد عَرَفتَ خافِيَ الأَحمالِ
فَاِصبِر وَقُل لِأُمَّةِ الجِمالِ
لَيسَ بِحملٍ ما يَمَلُّ الظَهرُ
ما الحِملُ إِلّا ما يُعاني الصَدرُ

ببيت الأمة أعتقل المطيا

ببيت الأمة أعتَقلِ المطيّا
وفي دهليزه أطرق ملِيا
وألقِ سِبال ذقنك فيه وأنشق
تراب الساحة الكبرى ذكيا
وأدِّ إلى الجزيريّ التحايا
وسله ينل لك الإذن العلِيا
وحَملق فيه حين يهز عِطفا
تجد تحت الغِلالة سمهريا
وقل لم أدرِ أنت أم الجديلي
ألذّ تقمصا وأَحبّ زِيا
وإن يحمل إليك الإذن فاصعد
تجد دَرَجا يبلغك الرُّقيا
هناك دع التبهنس كابن سينا
ولا تتبخترنّ زمخشريا
ولا ترقص إذا أنشدتَ شعرا
فإن الرقص آذى البحتريا
وقل يا واهب الرتب العوالى
متى وعسى تبلَّغني النديا
ورأسك لا فشرت ولن تراني
مجمش لحيتي ما دمت حيا
ولا قرقرت أوبربرت يوما
كما هيجت ديكا مالِطِيا
ولا سمع الجماعة غير أني
أرى السودان قطرا أجنبيا
برئت إليك من خلطي وخبطي
ومما لفق الواشي علَيا
وجئت إليك أشكو من هموم
مؤرّقة فهل تُصغى إليّا
فقد ضاقت بي الدنيا فسعني
فقد تسمع المنافق والتقيا
فكم خصم عطفت عليه حتى
تقدّم في ولايتك الوليا
فهبني كنت خصما أو عدوّا
أليس الصفح مذهبك الرضيا
لعلك قد علمت وفاة مكسى
وكيف مضى وخّلف لي عليا
و أوفرلَند أدركها كُساح
فليت كساحَها في ركبتيا
وخطب الصيدلية كان أدهى
وأنكر موقعا في مسمعيا
رحلت وفي العيادة كل شئ
وعدت فما وجدت هناك شيا
خلَت من كل ما فيها كأني
أقمت الفأر فيها صيدليا
ولى مرضى من العمال كُثر
إذا الأسطى مضى بعث الصبيا
أحررها تذاكر ليس تحُصى
وما من ذاك شئ في يديا

إن الوشاة وإن لم أحصهم عددا

إِنَّ الوُشاةَ وَإِن لَم أَحصِهِم عَدَدا
تَعَلَّموا الكَيدَ مِن عَينَيكَ وَالفَنَدا
لا أَخلَفَ اللَهُ ظَنّي في نَواظِرِهِم
ماذا رَأَت بِيَ مِمّا يَبعَثُ الحَسَدا
هُم أَغضَبوكَ فَراحَ القَدُّ مُنثَنِياً
وَالجَفنُ مُنكَسِراً وَالخَدُّ مُتَّقِدا
وَصادَفوا أُذُناً صَغواءَ لَيِّنَةً
فَأَسمَعوها الَّذي لَم يُسمِعوا أَحَدا
لَولا اِحتِراسِيَ مِن عَينَيكَ قُلتُ أَلا
فَاِنظُر بِعَينَيكَ هَل أَبقَيتَ لي جَلَدا
اللَهُ في مُهجَةٍ أَيتَمتَ واحِدَها
ظُلماً وَما اِتَّخَذَت غَيرَ الهَوى وَلَدا
وَروحِ صَبٍّ أَطالَ الحُبُّ غُربَتَها
يَخافُ إِن رَجَعَت أَن تُنكِرَ الجَسَدا
دَعِ المَواعيدَ إِني مِتُّ مِن ظَمَإٍ
وَلِلمَواعيدِ ماءٌ لا يَبُلُّ صَدى
تَدعو وَمَن لِيَ أَن أَسعى بِلا كَبِدٍ
فَمَن مُعيرِيَ مِن هَذا الوَرى كَبِدا

أبكيك إسماعيل مصر وفي البكا

أَبكيكَ إِسماعيلَ مِصرَ وَفي البُكا
بَعدَ التَذَكُّرِ راحَةُ المُستَعبِرِ
وَمِنَ القِيامِ بِبَعضِ حَقِّكَ أَنَّني
أَرقى لِعِزِّكَ وَالنَعيمِ المُدبِرِ
هَذي بُيوتُ الرومِ كَيفَ سَكَنتَها
بَعدَ القُصورِ المُزرِياتِ بِقَيصَرِ
وَمِنَ العَجائِبِ أَنَّ نَفسَكَ أَقصَرَت
وَالدَهرُ في إِحراجِها لَم يُقصِرِ
ما زالَ يُخلي مِنكَ كُلَّ مَحِلَّةٍ
حَتّى دُفِعتَ إِلى المَكانِ الأَقفَرِ
نَظَرَ الزَمانُ إِلى دِيارِكَ كُلِّها
نَظَرَ الرَشيدِ إِلى مَنازِلِ جَعفَرِ

سلو قلبي غداة سلا وثابا

سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَ ثابا
لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً
تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا
وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ
هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا
تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ وَلّى
وَ صَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ ثابا
وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ
لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا
وَأَحبابٍ سُقيتُ بِهِم سُلافاً
وَكانَ الوَصلُ مِن قِصَرٍ حَبابا
وَ نادَمنا الشَبابَ عَلى بِساطٍ
مِنَ اللَذاتِ مُختَلِفٍ شَرابا
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى
وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ
إِذا عادَتهُ ذِكرى الأَهلِ ذابا
وَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي
كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
أَخا الدُنيا أَرى دُنياكَ أَفعى
تُبَدِّلُ كُلَّ آوِنَةٍ إِهابا
وَأَنَّ الرُقطَ أَيقَظُ هاجِعاتٍ
وَأَترَعُ في ظِلالِ السِلمِ تابا
وَمِن عَجَبٍ تُشَيِّبُ عاشِقيها
وَتُفنيهِمِ وَما بَرَحَت كَعابا
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي
لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ
وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا
صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبِ اللُبابا
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ
يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي
وَجَدتَ الفَقرَ أَقرَبَها اِنتِيابا
وَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ
وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ
وَلَم أَرَ خَيِّراً بِالشَرِّ آبا
فَرِفقاً بِالبَنينِ إِذا اللَيالي
عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقابا
وَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليَتامى
وَلا اِدَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجابا
عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا
عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا
وَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمّاً
إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ
كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً
كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا
أَرادَ اللَهُ بِالفُقَراءِ بِرّاً
وَبِالأَيتامِ حُبّاً وَاِرتِبابا
فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ
سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً
وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا
فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً
سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا
وَلا تُرهِق شَبابَ الحَيِّ يَأساً
فَإِنَّ اليَأسَ يَختَرِمُ الشَبابا
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً
وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ
وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
وَلَولا البُخلُ لَم يَهلِك فَريقٌ
عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمُ غِضابا
تَعِبتُ بِأَهلِهِ لَوماً وَقَبلي
دُعاةُ البِرِّ قَد سَئِموا الخِطابا
وَلَو أَنّي خَطَبتُ عَلى جَمادٍ
فَجَرتُ بِهِ اليَنابيعَ العِذابا
أَلَم تَرَ لِلهَواءِ جَرى فَأَفضى
إِلى الأَكواخِ وَاِختَرَقَ القِبابا
وَأَنَّ الشَمسَ في الآفاقِ تَغشى
حِمى كِسرى كَما تَغشى اليَبابا
وَأَنَّ الماءَ تُروى الأُسدُ مِنهُ
وَيَشفي مِن تَلَعلُعِها الكِلابا
وَسَوّى اللَهُ بَينَكُمُ المَنايا
وَوَسَّدَكُم مَعَ الرُسلِ التُرابا
وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُم يَتيماً
دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا
نَبِيُّ البِرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً
وَسَنَّ خِلالَهُ وَهَدى الشِعابا
تَفَرَّقَ بَعدَ عيسى الناسُ فيهِ
فَلَمّا جاءَ كانَ لَهُم مَتابا
وَشافي النَفسِ مِن نَزَعاتِ شَرٍّ
كَشافٍ مِن طَبائِعِها الذِئابا
وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً
وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا
وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى
أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اِغتِصابا
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ
إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا
تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّت
بَشائِرُهُ البَوادي وَالقِصابا
وَأَسدَت لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهبٍ
يَداً بَيضاءَ طَوَّقَتِ الرِقابا
لَقَد وَضَعَتهُ وَهّاجاً مُنيراً
كَما تَلِدُ السَماواتُ الشِهابا
فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نوراً
يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِقابا
وَضاعَت يَثرِبُ الفَيحاءُ مِسكاً
وَفاحَ القاعُ أَرجاءً وَطابا
أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري
بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ اِنتِسابا
فَما عَرَفَ البَلاغَةَ ذو بَيانٍ
إِذا لَم يَتَّخِذكَ لَهُ كِتابا
مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدراً
فَحينَ مَدَحتُكَ اِقتَدتُ السَحابا
سَأَلتُ اللَهَ في أَبناءِ ديني
فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لي أَجابا
وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ
إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا
كَأَنَّ النَحسَ حينَ جَرى عَلَيهِم
أَطارَ بِكُلِّ مَملَكَةٍ غُرابا
وَلَو حَفَظوا سَبيلَكَ كان نوراً
وَكانَ مِنَ النُحوسِ لَهُم حِجابا
بَنَيتَ لَهُم مِنَ الأَخلاقِ رُكناً
فَخانوا الرُكنَ فَاِنهَدَمَ اِضطِرابا
وَكانَ جَنابُهُم فيها مَهيباً
وَلَلأَخلاقِ أَجدَرُ أَن تُهابا
فَلَولاها لَساوى اللَيثُ ذِئباً
وَساوى الصارِمُ الماضي قِرابا
فَإِن قُرِنَت مَكارِمُها بِعِلمٍ
تَذَلَّلَتِ العُلا بِهِما صِعابا
وَفي هَذا الزَمانِ مَسيحُ عِلمٍ
يَرُدُّ عَلى بَني الأُمَمِ الشَبابا